
معالي الدكتور عبدالله الربيعة
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و بعد
يطيب لي في البدء أن أهنئكم بالمنصب الجديد الذي قبلتم توليه و أدعو الله أن يعينكم على حمل المسؤلية الثقيلة التي ألقيت على عاتقكم.فلا مسؤلية تعدل المسؤولية عن صحة الناس و تطبيبهم من أمراضهم و وقايتهم من الأخطار و الأوبئة التي تحيط بهم.
لن أثقل كاهلكم يا معالي الوزير بالحديث المعتاد عن مشاكل الوزارة و نقص الخدمات المقدمة للمرضى، فلديك من المستشارين و إدارات التخطيط و التطوير من يملك المعلومة الدقيقة و يفهم و يرسم طرق الحلول أكثر مني. كما أنني لن أحدثك عن احياجات الوزارة من الأدوية و الكوادر و الأجهزة فلهذه أيضا من يطالب بها و يتحدث عنها، كما أنني لن أطالبك بفتح ملف الفساد المالي و الإداري في الوزارة و القطاعات الخاصة فتلك قصة أخرى أزكمت رائحتها الأنوف و تطاير بخبرها الركبان و لست أظن أنك بحاجة لتسمع الرأي رقم 4983372 في القضية، خصوصاً إذا جاء من شخص قليل الخبرة مثلي.
لن أصدع رأسك بأي شيء من ذلك يا معالي الوزير و سأكون ملخصاً و دقيقاً و مختصراً، سأحكي لك قصة شخصية صغيرة و مهمشة في وزارتك العريقة، بعيداً عن كل التنظير الأجوف و الكلام الرنان الذي تسمعة في الإذاعات و تقرأه في الجرائد كل ساعة و كل يوم.
بداية القصة
إنها قصة طالب خجول دفعه طموحة و تشجيع مدرسية على دخول كلية الطب و التي كافح خلالها ماشاء الله له من السنوات و عانى من ساعات الاستذكار و صعوبة الفهم حتى فتح الله علية و تخرج و ارتدى المعطف الأبيض و صار الناس ينادونه بالكلمة الساحرة "يا دكتور". كان يعتقد أن آخر عهده بالهموم هو آخر يوم في الامتحانات النهائية و أنه قد حان الوقت ليحصد ثمار تعبه و جده و أن يلحق بأقرانه الذين اختاروا تخصصات أخرى غير الطب فتخرجوا و توظفوا و تزوجوا قبله بسنوات، و لأنه لا يملك في قائمة حروف الهجاء حرف "الواو" الشهير و لا حتى السين و الألف و الطاء و لا أي شيء يمت لهم بصلة فقد فشل في الالتحاق بوظيفة في أي من القطاعات الطبية العسكرية أو قطاع الحرس الوطني- الذي كنتم تديرونه سابقاً- و التي تقدم رواتب و خدمات من فئة الخمس نجوم لأطبائها، لكنه وجد وزارة الصحة فاتحة ذراعيها تستقبله بكل ترحاب. قابل الفتى الطموح الترحاب بالامتنان و الوظيفة بالحماسة، متجاهلاً كل العوائق الصغيرة التي يصادفها يومياً، فلم يلتفت مثلاً للمبنى المتهالك الذي كان يعمل فيه، و لا للأجهزة القديمة و المواد الناقصة فكل تلك أمور قابلة للإصلاح لاحقاً و "المعاملة الحسنة لا تحتاج إلى إمكانيات" و " الابتسامة نصف العلاج" كما يردد المسؤلون. كما لم يتضايق كثيرا من البيروقراطية العجيبة في القطاع و توقف المعاملات و ضياعها مالم يترك عيادته و يركض خلفها في أروقة المديرية بين الصادر و الوارد و المالية و شؤون الموظفين و..و..إلخ السلسلة. كل تلك أمور سلبية ينبغي أن لا تؤثر على رسالته، و خدمته لأهله و أبناء وطنه كانت عنده فوق كل اعتبار، بالطبع تزوج الفتى الهمام و لأنه طبيب فقد استأجر سكناً متوسطاً ينبغي أن يليق بـ"الدكتور" و أشترى سيارة متوسطة بالكاد تليق بـ"الدكتور". و عندما أقترب ميعاد ولادة طفلته الأولى عرف حجم المأزق الذي هو فيه فراتب الدكتور يتبخر سريعاً مع دفعات الديون و الإيجار و قسط السيارة، و المستشفى التي يعمل فيها لا تحتوي قسم نساء و ولادة و هو لا يملك معارف و صاداقات في المستشفيات الأخرى و لا يوجد شيء في نظام الوزارة يمنحة استثناءً بأولوية العلاج في أي مرفق من مرافق الوزارة التي يعمل فيها، لكنه لم يلتفت فهو إنسان مكافح و طموح، و تحمل في صبر دفع ديون المستشفى الخاص الذي أبصرت فيه طفلته النور لأول مرة و حمد الله على سلامة عائلته الصغيرة التي زادت فرداً ازدادت معه مصاريف راتبه المثقل بالالتزامات، و رغم كل شيء شكر لمسؤلي الوزارة السماح له بإكمال دراسته العليا رغم أنه "داخ السبع دوخات" و "قبل نصف دستة من الرؤوس و الأنوف" و سافر في رحلات مكوكية إلى مقر الوزارة و وزارة الخدمة المدنية في الرياض لكن لا يهم ما دامت نقوده صبت في مصلحة الاقتصاد الوطني و أنعشت أرباح الخطوط السعودية و أصحاب الليموزين.
و لأن الوزارة لم تقصر معه في الابتعاث، فقد قدر لها ذلك و لم يتذمر من نقص الامكانيات وقبل راضيا أن يشتري من راتبه الكثير من الأدوات و الكتب و المراجع و المجلات العلمية،و قبل
مطاردات هيئة التخصصات التي تطالبه بدفع الرسوم لأن الوزارة لا تدفع فلا شيء يعدل العلم ثمناً ولا بأس أن يقتطع قليلاً من مصروف عياله فكل شيء سيتحسن عندما يعود و يصبح صاحب تخصص يشار له بالبنان.
و مضت السنوات و نجح صاحبنا و عاد إلى مقر عمله متفائلاً بالزمن القادم، امتعض قليلاً عندما لم يجد معاملة حسنة في شؤون الموظفين و قال لا بأس ربما لا يعرفونني، لكنه تفاجأ عندما ساءت المعاملة أكثر عندما عرفوا انه طبيب، قال في نفسه لا بأس ولا داعي للتعميم. إن هو إلا موقف عابر و أعود إلى العيادة و المستشفى..
أزمة العمل في القطاع الخاص
كان صاحبنا قد قارب الأربعين و زاد عدد عيالة و التزاماته في حين لا زال يسكن ذات المنزل المؤجر الذي ضاعف مالكة من إيجارة و لم يزد راتبه إلا بفارق ضئيل لا يكاد يساوي نصف راتب زميلة الذي يعمل في قطاع الحرس الوطني- الذي كنتم تديرونه يا معالي الوزير- رغم أنهما يحملان نفس المؤهل و نفس الخبرة، قال في نفسة لا بأس هذه إمكانيات و زارتي ولا أريد أن أضغط عليها أكثر. قرأ صاحبنا في الصحف أن هناك
توجيهاً ملكياً بالسماح للأطباء بالعمل في القطاع الخاص خارج أوقات الدوام، و توصيات من مجلس الشورى بذلك فابتهج و بادر في العمل ليلاً أملا في تحسين دخله الهزيل لكنه فوجئ بالوزير "المانع" و قد ثارت ثائرته على كل من تجرا و عالج الناس ليلاً و أطلق مفتشي الوزارة يجوبون العيادات الخاصة بحثاً عن الأطباء المخالفين حتى يوقعوا عليهم أشد العقوبات جزاءً و فاقاً لما اقترفت أيديهم، و لأن صاحبنا يقدم كرامته على كل شيء فقد آثر السلامة و عدم المخالفة و دله أهل الخير على "مراكز الأعمال" التي تديرها وزارة الصحة و على الرغم من أن الوزارة تلتهم ثلاثة أرباع الدخل فقد وافق مضطراً على العمل فيها و لكنه ما إن بدأ حتى فوجئ بالوزير "المانع" يستيقظ ذات صباح مكشراً ضاماً حاجبية و كمدير مدرسة ابتدائية يهش الطلاب كي لا يلعبوا في فناء المدرسة كان معالي الوزير "المانع" يقوم بالمثل
طارداً الأطباء من المراكز متهماً إياهم بعدم الأمانه.
أسقط في يد صاحبنا عندما علم بما علم و رغم أنه يحسن الظن بالوزير لأنه
يعدهم بتحسين الرواتب منذ العام 2005 و ما قبله فقد حاول أن يتمالك نفسه و لا يغضب و صرف بضعة مئات من الريالات على كتب و دورات البرمجة العصبية و السلوك الإيجابي، لكن الأمور خرجت عن نطاق السيطرة عندما فوجئ بتعميم سري يرفع رواتب الأطباء غير السعوديين حتى 90% ولا يشمل السعودي حتى بريال واحد، بل و الأدهى و الأمر أن الوزير الذي لم ينفك يصرح عن الحاجة الماسة للأطباء و الفنيين و أن الزيادة جاءت لمنع تسرب الأطباء الأجانب إلى الدول المجاورة لم يحرك ساكناً لاستحداث وظائف جديدة للسعودين الذين إما تجمدوا على وظائف طبيب مقيم و أخصائي دون أن يحلموا بوظيفة الاستشاري التي يستحقونها منذ سنوات على علاتها، بل تجاوز الأمر ذلك أن تتجاهل الوزارة طلبتها الخرجين من معاهدها الصحية بحجة نقص الوظائف و ترسل لجان تعاقد تطوف العالم بحثاً عن فنين أجانب.
يا معالي الوزير تلك قصة طبيب أو فني عادي في وزارتك الكبيرة تتكرر مع مئات أو آلاف النماذج، تطحنهم هموم الحياة اليومية و إحباطات الواقع المعقدة. تكالبت عليهم ظروف الروتين و سؤء التخطيط ولا نقول سوء النية. هم يحاولون أقصى جدهم أن يساعدوا المرضى برضى و إخلاص دون تذمر أو تقصيربعيداً عن أعين الصحافة و الإعلام و التلميع الزائف. لكن أخبرني بالله عليك و أنت الطبيب الجراح المجتهد في عملك كيف يستطيع هذا الطبيب أو الفني أن يعمل و ينتج و يخلص فضلاً عن أن يبدع و يطور و هو يشعر بالمرارة و الإحباط.
لقد تم تجاهل الأطباءو الفنيين و التقليل من كرامتهم في السنوات الماضية إلى درجه مهينة جداً، فطفلتي الصغيرة التي تذهب إلى الروضة تفاوضني على المصروف الصباحي و تغضب و تضرب عن الذهاب إلى روضتها لو رأت أن المصروف لا يكفي في حين يبقى الأطباء الذين يقررون بتشخيصهم و علاجهم مصير حياة آلاف المرضى كل يوم عاجزون حتى عن معرفة "سلم رواتبهم المقترح" فضلاً عن أن يأخذ رأيهم أو يناقشهم فيه أحد، يتسقطون أخباره من الصحف و الإشاعات و من تصريحات الوزير المقتضبة التي لا تزيد عن "قريباً قريباً" الله و حده يعلم متى تأتي قريباً هذه.
يا معالي الوزير "أطباء الصحة" لا يطالبون بفلل فارهة و سيرات فاخرة و تذاكر سفر سنوية كما ينال أطباء القطاعات الأخرى إنهم يطالبون بأقل من ذلك بكثير يطالبون بمساواتهم بالأطباء الأجانب في الوزارة نفسها من حيث الحقوق و الامتيازات، يطالبون بأرقام وظيفية تحفظ لهم حقوقهم التي تعبوا في تحصيلها،يطالبون بإلغاء مبدأ بدل التفرغ الذي يلتهم نصف رواتبهم عند القاعد، يطالبون بخدمة صحية تحترم مرضهم في نفس القطاع الذي يعملون فيه، يطلبون قبل كل ذلك و بعده بشيء من التقدير و الإحترام المفقود للطبيب في أروقة الوزارة
الإنسان أولاً يا معالي الوزير
يا معالي الوزير إذا كان المريض بالفعل هو همك الأول فينبغي أن تهتم بمن سيقدم له الخدمة فتجعله ما قبل همك الأول. فمهما صرفت من أموال و بذلت من جهد و اشتريت من أجهزة و بنيت من جدران سيظل كل ذلك بدون فائدة ما دامت تفتقد الولاء و تتعامل مع موظفين لا يربطهم بالوظيفة إلا غياب البديل و الذي سيأتي عاجلا أو آجلا و لن يبقى لك في الوزارة أحد سوى من لا تحب رؤيته فيها...
صديقنا السابق لا زال يمارس مهام عملة، يحاول كل يوم أن يستجمع ما لديه من إيمان و تقوى كي يبتسم في وجه المرضى و لا يظلمهم لكن إحباطه يتراكم يوما بعد يوم .. و هو يعلم أنه سيصل حداً يعجز بعده عن التحمل لكنه فقط لا يعرف متى يبلغ مرحلة الانفجار
و لا أظنك يا معالي الوزير تحب العمل و سط قنابل موقوتة
باختصار يا معالي الوزير...لا تختر الزاوية الخطأ لبداية عهدك..و ابدأ بإصلاح الإنسان في وزارة رسالتها الأولى إنسانية في الأساس.