الجمعة، 23 أكتوبر، 2009

مجرد سؤال(5):لماذا تصمت الصحف السعودية عن تجاوزاتSTC ؟

تشتهر الأفلام المصرية القديمة بشخصيات نمطية تكاد تتكرر في كل فيلم بنفس الممثل و نفس الملابس و أحياناً بنفس الاسم الفني حتى لو اختلف الفلم أو اختلفت القصة. و من أشهر تلك الشخصيات و أكثرها تعقيداً هي شخصية (فتوة الحارة) الذي يفرض شخصيته على أبناء الحارة و تجارها بقوته البدنية و يتخذها وسيلة للتكسب عبر فرض الأتاوات على كل سكان الحارة و أصحاب الدكاكين و حتى الزوار، لكن الفتوة لا يعدم أن يسبغ على وسيلة التكسب تلك طابعاً إنسانياً يكسبه بعض الاحترام الزائف لنفسه أمام الآخرين فيدعي أنه يقوم بحماية أبناء الحارة من الأعداء و تقويم سلوكهم إذا رأى شذوذاً من أحدهم حتى يستقيم شأن الحارة و تنصلح أحوالها، لكنه لن يعترف أبداً أنه على استعداد للتحالف مع أي أحد من أهل الحارة أو خارجها ممن يدفعون بسخاء للبطش بعدوه أو لإزاحة منافسه على قلب حسناء الحارة من الطريق أو حتى لمجرد إرضاء الباشا الكبير الذي دفع المبلغ المحترم، و سيجد جناب الفتوة ألف عذر و عذر لتبرير ما فعل على أساس أنه يعلم ما لا يعلمه أهل الحارة عن فعائل ضحيته الذي استحق التاديب و العقاب و بالطبع لن يجرؤ أحد على التشكيك في رأي الفتوة أو حتى مجرد إظهار دهشته حتى لا يصبح الضحية التالية لجنابه.
ما تفعله الصحف السعودية و محرروها و رؤساء تحريرها معنا نحن المستضعفين يشابه بالضبط ما يفعله الفتوة مع أبناء حارته، فالصحافة التي تملك الجرأة و القوة لتشن حملة شعواء على عضو هيئة كبار العلماء لمجرد رأي خجول لم يعجبها-أو لم يعجب أحد الباشوات- في سلسلة من المقالات الساخنة و التقارير و المقابلات حتى مهدت لإقالة الضحية بسرعة غير معتاده. تلك الحملة تم تبريرها بأنها لمصلحة المجتمع و لصالح التقدم و درءً للرجعية و التخلف و تمهيداً للطريق لرفاهية المواطن و الكثير من الكلام الجميل الذي يستطيع قوله أي فتوة يرفع الساطور و صوته أيهما أعلى!
نفس الصحافة السعودية التي تملك العين النافذة و الجرأة الكبيرة على نقد المسؤلين التنفيذين و الأجهزة الخدمية بقوة السوط /الصوت الحاد، فلا تتورع عن نشر تقارير مطولة عن رداءة الشوارع و طفح المجاري و انقطاع المياة، بل و تطارد القبح و نقص الخدمات إلى أطراف المدن البعيدة و حتى القرى التي لم يسمع بها أحد...جميل جداً هذا الحماس لرفاهية المواطن و البحث عن راحته و فضح القصور في الخدمات
لكن تلك الصحافة السعودية النزيهة نفسها التي سلطت كل أنواع نقدها الحاد و البارد، الطويل و القصير المدى على رداءة خدمات أساسية و ثانوية تصاب فجأة بالشلل و الصمم و الخرس و كل أنواع العاهات الأخرى عندما يتعلق الأمر بشركة الاتصالات السعودية، فعلى الرغم من انحطاط مستوى خدمة الهاتف و الجوال و الانترنت و على الرغم من المشاكل الكثيرة العالقة بين الشركة و عملائها و رغم ارتفاع أسعارها مقارنة بالخدمة البطيئة و القاصرة و تردي خدمة العملاء و إهمال المتصلين بل و الأدهى و الأمر الانهيار الأخير الذي حصل في نظام الفوترة في الشركة و الفوضى الخلاقة التي أختلقت فواتير بمبالغ خيالية على حسابات المواطنين و رفض الشركة الاعتراف بالخلل أو الاعتذار عنه أو حتى تصحيح ما حدث. رغم كل ذلك لا تكاد تقرا سطراً واحداً في صحيفة سعودية ينتقد من قريب أو بعيد ما يجري في شركة الاتصالات السعودية ولا يأتي أحد على ذكر لرفاهية المواطن و البحث عن راحته و فضح قصور الخدمات، و كأن الذي حدث و يحدث كل يوم مع ملايين المشتركين من مشاكل يجري في القطب المتجمد الجنوبي وليس في مكة وجدة و الرياض وكل مدن المملكة التي تصدر منها تلك الصحف الموقرة. بل و يأتي الانتقاد في صحيفة الفاينانشال تايمز الغربية لتتحدث عن سخط السعوديين على شركتهم السعودية (تأمل)!

و يأتي السؤال: لماذا تتفرعن الصحيفة على بعض المؤسسات و الوزارات و الشركات و تطلق محرريها في حملات ضارية عليها فلا تكاد تبقي لها على شئ من ماء الوجه، ثم تصمت صمت القبور على شركات تفعل الأفاعيل بالناس و بالبلد؟
ببساطة لأن الفئة الأولى لا تعلن في الجريدة ولا تدفع لها أي أموال ولا تقدم لها أي دخل يذكر، في حين أن الفئة الثانية تشتري صمت الصحافة بالإعلانات الملونة المبالغ في سعرها بمناسبة و بدون مناسبة حتى تفرض شروطها و قراراتها على الصحيفة، و تمنعها من ذكر أي شيء سلبي عن نشاطاتها بل و ربما استخدمتها لإزاحة من يقف في وجه مصلحتها، تماماً كما يفرض الباشا الكبير أوامره على الفتوة ليغض الطرف عما يفعلة في الحارة أو ليفتعل شجاراً في زاوية بعيدة يشغل الناس عما يحاك لهم في زاوية أخرى.
فاصلة...
الدعوات المنتشرة لمقاطعة شركة الاتصالات السعودية يجب أن يصحبها بل و يسبقها الدعوة لمقاطعة الصحف السعودية التي تنشر إعلانات الشركة و تشاركها في التضليل و الترويج للإساءة.