الثلاثاء، 22 ديسمبر، 2009

المرحوم كان غلطان!


يملك المجرمون مهما انحدرت مستوياتهم أخلاقياتهم الخاصة، و حتى على امتداد التاريخ القديم و الحديث لا بد أن تجد وقفة التقدير و الاحترام للقتيل بعد موته مهما كانت درجة العداوة معه و مهما بلغت ضراوة المعركة التي انتهت بقتله. لكن ما نراه و نشاهده في هذا العصر و في (مملكة الإنسانية) للأسف الشديد يفوق كل ما كان يفعلة قتلة العصر المغولي و القرون الوسطى الأوروبية. و من يفعلون ذلك يفعلونة بدم بارد جداً، و في أناقة بالغة و عبارات منمقة تماماً كالسم المدسوس في العسل. و الخلاصة امتهان كرامة الميت و تحميلة وزر موته.

ذلك بالضبط ما حصل مع صديقي الدكتور طارق الجهني رحمة الله، فلم يكتف طاقم المستشفى المجرم بجريمته الشنعاء و التي حرم فيها أسرة سعيدة من ربها الحنون و يتم طفلتين لن تستطيعا التمتع بنطق كلمة "بابا" بعد اليوم و حول زوجة مطمئنة محبة لزوجها إلى أرملة تحمل هم سفينة الحياة التي أصبحت بلا قائد. الجريمة التي حرمتنا و حرمت المجتمع من كتلة السعادة و البهجة المتألقة على الدوام، من الابسامة الطفولية الودودة المستبشرة بالغد، والقلب الطيب الذي لا يحتمل أن يقول لا لأي طلب و الذي يتقبل النقد و الإطراء بذات الرحابة و السماحة. الطاقة الصافية من حب العمل و الإنجاز و التفاؤل بالغد و الإيمان بقدرات الآخرين و الرغبة في جعل الجميع سعداء، الجميع بدون استثناء مهما كان منصبهم و مهما على أو دنى مركزهم في سلم الحياة، تلك الأصابع المجرمة لم تكتف بالكارثة التي أحدثتها فتتوارى في خجل حتى يعيش أهل المتوفي لحظات حزنهم النبيلة في هدوء بل تجرأوا بكل وقاحة في الصعود على المنبر و طارق لمّا يدفن بعد و حرارة أنفاسه لم تغب عن أركان حجرته، صعدوا بكل صفاقة لتلويث ما تبقى من الذكريات الأليمة، و للرقص على جراح المثكولين في وفاة حبيبهم.






أما المستشفى الذي قتل المرحوم، و الطبيبة التي تعمل بدون ترخيص، و بدون تصنيف، و غياب أي اجراء طوارئ أو برتكول إنقاذ و إهمال المريض حتى وفاتة دماغياً بدون استدعاء أي أحد فكل ذلك أخطاء تحدث، ومن لا يعمل لا يخطئ.

بالله عليكم عن أي مملكة إنسانية تتحدثون و الفساد قد نهش في لحمنا ودمنا إلى هذا الحد؟

عن أي نظام و أي خدمة صحية؟ و أي احتيال نمارسة على بعضنا كي نستطيع أن ننام دون رعب؟

ما حدث لطارق له دلالات مرعبة كبيرة لا يمكن تجاهلها

فطارق رحمة الله طبيب و استشاري و من صفوة الأطباء في البلد، و لا بد أن قرارة إجراء العملية في هذا المكان (الذي لا أجرؤ على تسميته مستشفى) يعني أنه وجد أنه الأفضل في جدة أو من ضمن أفضل الأماكن التي يمكن أن تقدم رعاية صحية(باهظة الثمن) لمن في مثل علمة و مركزة.

كون المستشفى يعلم أن طبيباً في مثل علم و مركز طارق يدخل لإجراء عملية جراحية و من ثم يعامله بهذا الإهمال الشديد و يصدر طبيبة غير مرخصة و غير موثوقة لإجراء التخدير يدل على مدى الحضيض الذي وصلت إليه المستشفى في احترام البشر كبشر فضلا عن معاملتهم كزبائن على الأقل يدفعون مقابل موتهم!

إنني أحاول فقط أن أتخيل مصير الألوف من المواطنين المساكين الذين يقعون تحت رحمة هذه المستشفيات التي تتوحش كل هذا التوحش في معاملتهم، ولا أكاد أجرؤ على تخيل منظر مئات الموتى الذين يقضون صامتين في غرف العمليات تحت رحمة الاستهتار و التسيب في القطاع الصحي. دون أن يجرؤ أحد من ذويهم على الشكوى لقله الحيلة و إيمانهم بالقضاء و القدر.

كم ضحية مثل طارق رحلت في صمت؟

وكم و كم وكم من العجزة و المشوهين و الراقدين في غيبوبة عالجهم أناس يتبعون نفس النظام الذي قتل طارق؟

الصورة مرعبة بالفعل، مرعبة أكثر من قدرتي على التخيل!


نداء لوزير الصحة


أمر الدكتور الربيعة بالتحقيق في الواقعة ثم أمر بإغلاق غرف العمليات في المستشفى، أرجوك يا معالي الوزير لا تدع موظفيك و جهازك الإعلامي يتعاملون مع الموضوع ب(غشامتهم) المعتادة. لا نريد تصعيداً إعلامياً و لا تصريحات كبيرة بلا معنى من مسؤلي الوزارة و تحويل الواقعة إلى مولد لا يستفيد منه أحد. فضلا أسكت الأبواق الإعلامية التي بدأت تددن حول الموضوع و أولها تلك الوقحة المدافعة عن إدارة المستشفى، و دع أهل الميت يداوون جراحهم في سلام. ثم دع لجنة التحقيق تفعل ما تفعلة في الأحوال العادية، دع عربتها القديمة و حصانها الأعرج يصل على مهل فلا تجرة كي لا يقع.

ما نريده منك بالفعل أن تنظر إلى الصورة الأشمل فما حدث لطارق رغم كل بشاعته ما هو إلا دمّل صغير انفتح في جسد الخدمات الصحية المصاب بالسرطان. ما نريده منك أن تلتفت إلى تراكمات النظام الصحي الفاسد الذي جر علينا كل هذه المصائب، إلى الترهل و البيروقراطية و محاربة الكوادر المؤهلة، و تفريغ البلد من أي مواطن صالح يعمل في القطاع الخاص بحجج غبية و واهية و ترك الحبل على الغارب لتجار الخشب و الأسمنت و سائقي الأجرة ليتلاعبوا في أرواحنا و يتاجروا فيها بلا ثمن. ألم يكن من الأولى بمديريات الشؤن الصحية ترسيخ مبدأ المراقبة و المحاسبة للقطاع الخاص قبل أن يصل الاستهتار إلى هذا الحد بدلا من الانشغال في مطاردة الأطباء المؤهلين بحجة أنهم موظفون حكوميون!

أرجوك التفت لإصلاح النظام و استغرق فيه كل وقت ولايتك، و حتى لو لم تستطع تغييرة كله، لو استطعت ان تنجز 30 في المئة فقط من المهمة، ستكون قد أنقذت الألوف من أمثال طارق و حفظت أرواحهم

و ستنجو من وزر الدماء التي أريقت و الأرواح التي أزهقت و التي تضج الآن غضبى في السماء لأن تاجراً رخيصاً لم يكتفي بأكلها حية و تمادى ليتاجر في رحيلها.

الخميس، 3 ديسمبر، 2009

أمطار جدة...و المواطن الطيب!


المصاب في كارثة جدة أليم جداً و أكبر كثيراً من أن تحتويه كلمات و حروف مهما تعملقت، و وقع الغضب أقوى و أعمق من أي ردة فعل يمكن أن تصدر الآن، ما حدث في جدة ملحمة عظيمة من الذل و المهانة و الانحطاط البشري، كوكتيل قميء من كل الخصال النفسية المقززة تم تغليفها و تأطيرها في غلاف براق و أُُجبرنا جميعاً على ابتلاعها و التأمل في قبحها مقنعين أنفسنا بأنها جميلة و لذيذة حتى استسغناها جميعاً، كانت القطرات تتقاطر من السد العفن قبل أن ينهار على رؤسنا جميعاً و في كل مرة نغض أبصارنا عنه و نصرف النظر متدثرين بعجزنا و استكانتنا و شيئ كثير من أنانيتنا.


حكاية المواطن الطيب

تسمع خبر موت الفتاة الصغيرة فاطمة في فتحة الصرف الصحي فتلوي شفتيك و تتمتم "حسبي الله عليهم...مجرمين" ثم تنصرف لتشتري عشاء ساخناً لأطفالك و تأكله في نهم. تسمع عن المشاريع التي سرقت و الأخرى التي توقفت، و فلان الذي أثري من وظيفته فأصبح مليونيراً بعد فاقة تقلب شفتيك مجدداً و تقول " فين يروح من الله" ثم تصادفه في مناسبة عامة فتبادله القبلات و وجهك يشع سعادة أن قابلته. لا تتورع عن شتم أي مسؤل كبير أو صغير ، تردد سيئاته و جرائمه واحدة واحدة ثم تصمت بمجرد أن تشك أن في المجلس "دبوس" يمكن أن يشكك بتقرير. مجرد شك...منك أو منه!

تشتكي من شح المياه و انقطاعها و طفح المجاري و رائحتها ثم تبتسم في نشوة و الصور تلتقط لك في الجريدة مع جموع المواطنين و أنتم تهنئون المسؤل الكبير بمناسبة الزيارة التاريخية، بل و تحتفظ بالجريدة كوثيقة مهمة ليراها أحفادك الصغار عندما يكبرون. ما أجمل أن يروا جدهم بمشلحة الأسود و غترته البيضاء المكوية بعناية و هو يبتسم بجوار المسؤل الكبير في الحفل المهيب!

تشتري ارضاً بلاخدمات في آخر الدنيا و يتستبد بك البنك فينهب راتبك حتى الموت و تدور في حلقة مفرغة لا تجد بضعة أحجار ترصها فوق بعض في أرضك النائية ثم تغني بفخر مع محمد عبدة "ارفع راسك...انت سعودي".

مطر..مطر..مطر

تنهمر الامطار و تجري السيول و يتكشف الغلاف المزيف عن القبح و العفن و الفساد. يجرف المنازل و السيارات و يقتل الأطفال و النساء و الرجال. تضج السماء بأرواح القتلى الصاعدة بلا عدد و المتزاحمة على أبوابها، تجلس أنت تمصمص شفتيك و تقول "لا حول ولا قوة إلا بالله" في بلادة شديدة لا يرضاها الله أبداً. تميل على جنبك و تفتح التلفاز على قناة محلية تتابع الكلام السخيف عن أن الكارثة من قدر الله و أنها تحدث في أي مكان في العالم..ثم يتمادى المتحدث فيقول " إن الموتى هم المخطئون" و كان عليهم أن لا يسكنو هنا، وكان الأحرى به أن يقول كان الأحرى بهم أن لايموتوا بيننا بهذه الطريقة المخجلة التي أحرجتنا. ألا يعرف هذا المواطن التعيس أن يموت في صمت كما كان يعيش في صمت؟ ينبغي تأديب هذا المواطن الذي يموت بهذة الطريقة الغير وطنية بالمرة والتي أحرجت الوطن أيما إحراج.

و أنت تهز رأسك في سلبية و لا تجرؤ على التعقيب، تمد يدك إلى الصحيفة المجاورة لمجلسك فتجد رئس التحرير و كتاب الأعمدة يمارسون نفس التخدير بنفس العبارات "التعقل ضروري"،"المشكلة قديمة و متراكمة"، "السيول فاجأتنا"،" وعي المواطن"...إلخ إلخ إلخ. لا يبدو عليك الاقتناع لكنك لا تفعل شيئاً, أقصى ما تفعلة أن تقلب الصفحة و تبحث عن موعد مبارة برشلونة و ريال مدريد، و تتمتم بأن المواطن مسكين دون أن تعرف بالضبط من هو المواطن هذا؟ و ما هو الوطن أساساً.

بعدها ببضعة أيام...

يصدر قرار مجلس الوزراء عن ضرورة المحاسبة و أن الغرقى أمانة في عنق الدولة...إلخ إلخ إلخ. تبتهج و تنفخ رئتيك و تقول" بالفعل هذا هو الصواب". تفتح التلفاز فتجد ضيوفاً متصلبين يتحدثون بصوت واحد عن الفساد المنتشر و عن هدر المال العام و عن سرقة بيت المال..إلخ إلخ.

تمد يدك إلى العدد الجديد من ذات الصحيفة فتجد رئيس التحرير نفسة و كتاب الأعمدة أنفسهم يتحدثون عن الأرواح البريئة و محاسبة المقصرين و فضح الفاسدين إلخ إلخ إلخ.

تلقي الصحيفة جانباً بعد ان تتأكد أن برشلونة فاز على ريال مدريد كما كنت تتمنى، تحك رأسك قليلاً في حيرة، تشعر بشيء يتلاطم في داخل رأسك وخلايا مخك تحاول يائسة أن تحشر المعلومات الجديدة مكان القديمة دون أن يحدث تعارض لكن الخلايا لا تتحمل هذا الضغط فتتلف..تشعر بصداع بسيط ثم بشيء من الارتياح العميق..لقد حلت المسألة و قبض الغرقى ثمن موتهم

تتمدد على فراشك في سعادة و تتغطى ببطانية سميكة اتقاءً للبرد والرياح كما حذرت مصلحة الأرصاد...بعد الكارثة بالطبع.

لكن خلية متمردة من خلايا مخك تظل ترسل سؤالاً ملحاً...

من الذي قتل الغرقى؟

و يسبح الجواب مبهما في ثنايا مخك التالف دون أن تستوعبه

لقد قتلهم السيل مرة..

و قتلتهم أنت مرتين.

أحلاماً سعيدة...أيها المواطن الطيب