الأحد، 28 فبراير، 2010

النقابات المهنية.. من يعلق الجرس؟




كادر المهندسين يتعثر منذ أكثر من ثلاث سنوات!!




قضايا المعلمين تتفاعل في المحاكم و ديوان المظالم و لجان عليا للنظر في تحسين مستويات التعيين!!





ترى ما الذي يجمع كل هذه العناوين المتباعدة؟




على الرغم من تباين القطاعات المعنية بتلك العناوين إلا أن بينها رابطاً محورياً واحداً هو الظلم و التجني الإداري على موظفي القطاع،

و يبرز ذلك الظلم بشكل واضح في تراخي الجهات الحكومية ذات العلاقة في اتخاذ الخطوات المناسبة للقطاع المهني، أو في اتخاذ خطوات مضرة و معرقلة لتطور ذلك القطاع و لمصلحة منسوبيه.

و في كل الأحوال لا تجد تلك الجهات سواء كانت وزراة الخدمة المدنية أو المالية أو التربية و التعليم أو الصحة، لا تجد من يجبرها أو يطالبها بعدم اتخاذ ذلك القرار أومن يحثها على أتخاذ قرار آخر أفضل منه، فتكون في أغلب الأحيان هي الخصم و الحكم، و من ثم قد ترتكب أخطاء قاتلة تضعها في موقف قانوني محرج كما في قضية مستويات المعلمين المهضومة. أو موقف متعال و مكابر كما في قضية كادر المهندسين الذي لم يقر، أو كادر الأطباء الذي لم ينفذ، و في أسوأ الأحوال في موقف متسلط كما في الأنباء التي تسربت عن اتفاقية منع الأطباء من الانتقال بين القطاعات الحكومية. فتلك القطاعات ارتكبت ولا زالت ترتكب المزيد من الأخطاء القانونية بحثاً عن الحلول السهلة على حساب الطرف الغائب و هو للأسف صاحب المهنة( مدرس، طبيب،مهندس...إلخ) دون النظر إلى الضرر الذي تلحقه بالمصلحة العامة على المدى البعيد.

و بالطبع فإن نمو القطاع المهني في الأجهزة الحكومية و ترهل الإدارة و الروتين و الفساد الإداري يعمي تلك القطاعات عن مسؤليتها في الالتزام بالنظام تجاه منسوبيها عندما يكون الحق في صالحهم، فلا نجد في تلك القطاعات أي نزعة حياء في التعدي على حقوق صريحة للموظفين و لي أعناق النظام و تعطيل بنوده تحت حجج واهية من قبيل عدم توفر الميزانية، أو الحاجة الماسة، أو عدم اكتمال الإجراءات، أو الأدهى من ذلك قولهم حسب توصية اللجنة...و لا تسأل لو سمحت عن تلك اللجنة و من تكون.


ما أود الإشارة أليه هنا أن ما جرأ تلك القطاعات على مخالفة النظام حيناً و إعتساف أنظمة تسلطية حيناً آخر هو غياب (النقابات المهنية )عن ساحة العمل العام، ففي كل أنحاء العالم تنتظم أي جماعة حرفية أو مهنية تحت نقابة تتحدث بإسمها و ترعى شؤونها و تدافع عن أعضائها. و لا يقتصر دور النقابة في رعاية أعضائها و حسب بل يمتد إلى تطوير نظام المهنة والدفاع عن حقوق أعضائها في الحصول على الأجر العادل و ساعات العمل العادلة و باقي الحقوق الوظيفية كاملة مهما اختلف القطاع الذي يعمل فيه منسوب النقابة. كما تعمل النقابة على تلافي السلبيات و معاقبة المخطئ و مكافأة المحسن. و الطريف في الأمر أن أقسى عقوبة قد ينالها أي مهني في بلد نقابي هي حرمانه من عضوية النقابة. فبمجرد حرمانه من العضوية و بدون محاكمات و بدون لجان شرعية و بدون سفسطة فارغة يصبح الشخص ليس محروما من الامتيازات التي توفرها النقابة لأعطائها بل و عاطلا عن العمل و غير مرغوباً به في أي بلد آخر و تسجل نقطة سوداء في تاريخه يصعب التخلص منها إلى الأبد، لذلك يحرص كل مهني على اتباع أنظمة النقابة و عدم مخالفتها في مقابل الانضواء تحت المظلة النقابية



بوادر حراك


المشاكل الحالية التي تواجهها مخلف القطاعات المهنية مع الوزارات الحكومية بدأت تبرز الحاجة إلى وجود تلك النقابات و أهميتها، و ربما يجدر الالتفات هنا إلى الحراك المنظم الذي قادة المعلمون و المعلمات ضد وزراتهم و وزارة الخدمة المدنية احتجاجاً على الظلم الذي لحقهم لسنوات، و أجمل ما في ظاهرة شكوى المعلمين هو تنظيمها المميز و اتباعها الطرق القانونية و النفس الطويل في معالجة الموضوع حتى نهايته و هو ما بدأ يثمر عن انفراجات مبشرة في قضيتهم. لكن أفضل ما حققه المعلمون بالفعل هو أنهم أسسوا عملياً لقاعدة عمل نقابي منظم، يتحدث باسم المهنة و يطالب بحق جماعي و يتابع الخطوات القانونية و لا يرضخ للضغوط حتى ينال مرادة رغم ما قد توحي به تلك الضغوط من ترهيب و تخويف في مرحلة من المراحل.



و بعد..



أعتقد أن الوقت قد حان كي تناقش أجهزة الدولة التشريعية نظاماً للنقابات المهنية، قد ينبني على أنظمة موجودة لطوائف الصناع و التجار كبداية، لكنه يتطلب الكثير من المرونة و التنازلات من قطاعات تعودت الاستفراد بقرارات ليست من حقها و حان الوقت لوضع حد لتجاوزاتها التي أحرجت الدولة و أشغلتها باستحقاقات سابقة و لاحقة لا تموت.



بقي نقطة أخيرة تثار كلما جاء ذكر النقابات المهنية وهي تسيس النقابات و احتمالية تحويلها إلى أحزاب سياسية من قبل بعض الفئات، و هذه حجة يتخذها البعض ذريعة لوأد مشروع النقابات من أساسه و لخويف الناس و أصحاب القرار. لكن و على الرغم من اقرارنا بستيس بعض النقابات المهنية في دول شقيقة إلا أن التجربة لا تقتضي بالضرورة السير في ركابها، و كما بدأت الدولة تجربة المجالس البلدية بنجاح و بدون سياسة رغم أنها مسيسة في معظم دول العالم فإن بدء التشريع لنظام النقابات المهنية أصبح ضرورة فعلية لوقف تراكمات أخطاء الماضي و لمواجهة استحقاقات المستقبل....فقط أين الشجاع الذي يعلق الجرس؟

السبت، 20 فبراير، 2010

في يومها العالمي: أي مستقبل ينتظر القصة القصيرة؟

المقال مشاركة في استطلاع موسع أجرته جريدة الجزيرة السعودية بمناسبة يوم القصة العالمي الموافق للرابع عشر من فبراير.



تصدر دارمارينر كتاباً سنوياً في نهاية كل عام باسم «أفضل القصص الأمريكية القصيرة» ويقوم محررها الرئيسي بمتابعة النتاج القصصي الحديث في الولايات المتحدة ثم ينتخب منه قائمة طويلة يقدمها إلى المحرر الضيف الذي عادة ما يكون من كبار الكتاب العالمين والذي ينتخب المجموعة المفضلة لدية ويقوم بكتابة مقدمة الكتاب التي توضح سبب تفضيله لتلك المجموعة. وعلى الرغم من الحفاوة التي يبديها المحررون بالقصص ومؤلفيها وإشادتهم بالتجديد الحاصل في الأسلوب والفكرة واستثارة العاطفة، إلا أن «ستيفن كينج» خرج في مقدمته التي كتبها للعام2007 عن ذلك التقليد وأشار في تلميح ساخر إلى الانحسار الذي تعانيه القصة القصيرة كأدب مقروء، فعلى الرغم من إقراره بأن الكتاب لا يزالون يكتبون أدبا جيداً ومتميزاً إلا أن الإقبال على القصة القصيرة كفن له شعبية بدأ يتضاءل، واستشهد بزيارة قام بها لإحدى المكتبات الكبرى في المدينة وسأل عن المطبوعات الأدبية المتخصصة في فن القصة القصيرة، فأشار له البائع إلى رف سفلي انحشرت فيه المطبوعات بإهمال ووصف كيف انه اضطر إلى الركوع أرضا والزحف قليلاً لبلوغ مراده وأن امرأة حسناء كانت تقف بجواره لتطالع مجلات الزفاف استرابت من حركاته وقررت الابتعاد غاضبة. في الحقيقة ما ذكره «ستيفن كينج» ليس جديداً تماما فكثيراً ما يعاد طرح قضية الإقبال على القصة القصيرة، وهل هي في طريقها للانحسار؟ وهل أثرت عليها طبيعة العصر التقنية والاجتماعية؟ هل تتلاشى القصة القصيرة بشكلها الحالي لتحل محلها «القصة القصيرة جداً» كبديل أكثر رشاقة؟ أم تفسح المجال للرواية الأكثر سلاسة وقبولاً في عصر الانفتاح والميديا؟. ربما تكون القصة أكثر الفنون مراوغة، وأكثرها قدرة على البقاء والتأثير رغم كل ما يثار، القصة التي انتقلت إلينا من زمن حكايات الجدات ثم تلبست كل أنوع الفنون الأخرى، لا تبالي كثيراً بثنائية الانتشار والانحسار بقدر ما تهتم بما تحدثه من نقش في عمق الوجدان، وحدها القصة القصيرة تملك تأثير «الرصاصة» عندما تكون متقنه ومصوبة تجاه القلب، صغيرة وخفيفة لكنها نافذة ومدوية، قد يكتب كاتب عظيم مئات الكتب لكن قصة-رصاصة واحدة قد تبقى وحدها من خلفه تحدث دويها الهائل في وجدان من يقرؤها في دقائق فتلازمه جراحها لسنوات،. قد يخفت وهج القصة قليلا أمام الصخب لكنها وفي ذكرى يومها العالمي تطل بروية وهدوء على منجزها السابق والذي يكاد يشمل التراث الإنساني كله. تحضر احتفاليتها بدون تعالٍ ولا خجل. ثم تمضي واثقة لا تبالي.

الخميس، 11 فبراير، 2010

أرثر كونان دويل: لعنة صاحب الغليون!

كان من الممكن أن يذكر التاريخ السير آرثر كونان دويل بصفات كثيرة من شخصيته المتعددة الإنجازات، كان من الممكن أن يوصف كطبيب، أو كسياسي مدافع عن حقوق الشعوب المحتلة، أو ككاتب مبرز في مجال التاريخ والخيال العلمي أو حتى كباحث متعمق في مجال الروحانيات. لكن شيئاً ما فعله السير آرثر جعل التاريخ يتناسى كل ذلك السجل المشرف ولا يذكر منه شيئاً. شيء جلب له الشهرة والمجد، لكنه سرق منه روحه وحياته، كما قال هو فيما بعد. كان ذلك عندما خط السطور الأولى لملامح شخصية المتحري الإنجليزي (شيرلوك هولمز)، الذي تحوَّل إلى أشهر متحر في العالم، وعلى مدار التاريخ، بشكل فاق كل توقعات الطبيب الأسكتلندي الذي بدأ كتابة مغامرته الأولى على سبيل التسلية في عيادته الخالية من المرضى، مستوحياً شخصيته من أحد أساتذته في كلية الطب، ومستحضراً بعض أجواء (إدجار ألان بو) التي أحبها كثيراً. لكن شيرلوك هولمز كان أشبه بالمارد المحبوس في عالم الخيال، الذي انتظر الكاتب الغافل ليمسح الفانوس؛ ليتحرر، وقد كان. ففي غضون أشهر قلائل أحب الناس ذلك المتحري البارد الذي لا يخفي غروره واحتقاره لمحققي اسكوتلاند يارد، والمهووس بتدخين الغليون والكيمياء، الأنيق كقطة منزلية، واللامبالي بالمال والنساء، والبارع - رغم كل شيء - في عمله، القادر على استخلاص الحقيقة الغامضة من دلائل بديهية لم يلاحظها أحد من قبله. لم يكن شيرلوك هولمز مجرد إضافة لقصص المغامرات البوليسية؛ كانت شخصيته ذات عمق أبعد بكثير مما ظنه مؤلفها، كانت عقلاً محضاً متوحشاً على المدنية الحديثة التي بدأت تفرض طابعها على مشارف القرن العشرين، عقلاً يجامل المدنية بزيه الأنيق وغليونه الفخم، لكنه يتمرد على زيفها وادعائها الكاذب باحتقاره لرموزها وفنونها المستحدثة، وكأن كشفه للجرائم الغامضة بقليل من المنطق العلمي الصارم الذي يتبعه يكرر قول عبارته الشهيرة لصديقه واطسن «يا صديقي استبعد الخرافة، استبعد المستحيل، ومهما بدا الباقي غريباً فهو الحقيقة»!