السبت، 23 أبريل، 2011

مجرد سؤال(٩):لماذا يحتقرنا أصحاب المقام الرفيع؟

مرة أخرى و أخرى نقول شكراً من الأعماق لقطار التقنية الهائل، الذي ترك في صحراء جهلنا تحفته الفريدة العجيبة المسماة بالإنترنت قبل أن يعبر في إباء. تلك الأداة التي كشفت ما يعتري نفوس أصحاب المعالي و السعادة تجاهنا نحن المستضعفين من المواطنين، فضيقهم من غبائنا و جهلنا، و إكثارنا في الطلبات و الأسئلة، و تبرمهم من إلحاحنا و قلة حيائنا أصبحت مشاهد مسجلة يتداولها الملايين لأخذ دروس عملية في فنون التعامل مع أصحاب المعالي.
فأصحاب المعالي و السعادة المدراء و الوكلاء و الوزراء و السفراء و من في حكمهم أناس مشغولون بمسؤليات عظيمة و مهام جسيمة لا تسمح لهم بتضييع و قتهم مع العوام من الشعب الذين لا يملون السؤال و لا يستحون من الإلحاح في الطلب!
و يتعجب المتعجبون من تصرفات أصحاب المعالي مع أمثالنا من الرعاع و كيف يعبس في وجهنا معاليه لأننا طلبنا مقابلته و ينصحنا بكل صلف بأن لا نكون مثل (الحريم) و أن نقصد الطرق الرسمية عبر مراجعنا! و يأبى بكل ترفع عن أن يقبل خطاباً للشكوى بين يديه!
في حين يسخر سعادة السفير من شكوى/اقتراح مواطنة من العوام تطلب أن يزيد معاليه عدد الطائرات التي تقل (مواطنيه) من بلد في حالة فوضى وقد افترش معظم هؤلاء المواطنين أرض المطار لأيام!
و يغضب معاليه الآخر بشدة و يزمجر و يقطع مؤتمراً صحفياً و يغادر تاركاً الناس مجتمعين لمجرد أن صحفياً من الدهماء تجرأ و سأل معاليه عن الإجراءات التي اتخذتها وزارته تجاه تكاثر الأخطاء الطبية. و رغم ذلك يظل معاليه ألطف بكثير من معاليه الآخر الذي أمر بسحب كاميرات الصحفيين و طردهم من الموقع الذي يزوره. أو صاحب المعالي الآخر الذي لا يرى فرقاً بين الناس و الذباب و لم يلتفت يوماً في حياته للرد على أي تساؤل أو استفسار من مواطن رغم سنوات عمره المديدة في رحاب الكرسي الوثير.
هناك من وصف أصحاب المعالي في لحظة غضب بالمتعجرفين، و وصفهم البعض الآخر بالجهلة الذين لا يتقنون فن التعامل مع الناس و لم يفهموا أبجديات العصر الجديد. و هناك من عزى هذه التصرفات إلى طول الأمد الذي قضاه أصحاب السعادة في مناصبهم حتى نسوا طبيعة عملهم الأساسية.
و على الرغم من وجاهة معظم تلك الأسباب إلا أنها مجحفة بعض الشيء في حق أصحاب المقام الرفيع و لا تخلوا من شيء من الجور على شخصياتهم العظيمة.
فليس كل أصحاب المعالي ممن اشتهروا بالعجرفة و سوء الخلق قبل توليهم المنصب بل على العكس من ذلك فقد كانت الناس تستبشر ببعضهم عند توليه بدء توليه المنصب بسبب ما اشتهر به من دماثة الخلق و التواضع بين الناس قبل أن يصدموا بالتحولات العجيبة التي حلت به.
كما أن أصحاب المواقف الشهيرة في احتقار المواطن يتباينون بشكل كبير في خلفيتهم البيروقراطية و التعليمية فلا يكاد يربط بينهم رابط ففي حين يبرك بعضهم على كبد وزارته لعقود لم يتم البعض الآخر مدته الأولى في الوزارة و في حين لا تكاد تعرف المؤهل الحقيقي لبعضهم يتفاخر البعض الآخر بدرجات الماجستير و الدكتوراة التي حصلوها من أرقى الجامعات الغربية.
و يبقى السؤال، مالذي يجمع هذه الشخصيات المتباينة حد التناقض على الاتفاق على أمر واحد هو إهانة المواطن و احتقاره؟
لماذا لا يتورع المسؤول عن التعدي اللفظي على المواطن رغم أنه معين لخدمته كما يفترض؟
الجواب في نظري ينبع من سبب واحد لا غير..
سبب ليس له علاقة بشخصية المسؤول ولا بتعليمه ولا بأخلاقه ولا بخبرته
السبب ببساطه يكمن في آلية تعيين و محاسبة المسؤول
فالمسؤول في الدول الديموقراطية يعين بالانتخاب من قبل الشعب، و تعرض أسماء جميع الوزراء و السفراء على البرلمان لتزكيتها أو رفضها، و يظل أداء الموظف العام تحت مجهر الصحافة و البرلمان طوال الوقت و يحرص المسؤول على تجنب أي خلل أو سوء تصرف في إدارته حتى لا يتعرض للمحاسبة و يتعرض حزبه للإزاحه في الإنتخابات القادمة، لذا تراه يحسب ألف حساب لشكوى المواطن/الناخب خوفاً من أي زلل يتحول سريعاً ليصبح شيئاً أشبه بالفضيحة!
أما في البلاد الأخرى ذات الخصوصية المحمودة فالمسؤول أياً كان منصبه يعرف أن الذي عينه و الذي يملك إقالته شخص واحد فقط لا غير، و بالتالي فإن الوظيفة الأساسية لذلك المسؤول هي إرضاء و تنفيذ أوامر من عينه بغض النظر عن اتفاق تلك الأوامر أو ذلك الرضى مع مهام تلك الوظيفه فضلاً عن رضى الدهماء أو غضبهم، فهم هنا لا يشكلون أي ثقل في معادلة الحفاظ على الوظيفة أو الإزاحة عنها.
كما أن محاسبة الموظف العام لا تخضع لأي قوانين ملزمة، فقول معاليه نظام يسري على أي نظام، و كلماته المباركة من طراز اعتمدوا، و لا مانع ، حسب المفاهمة. تعلوا على أي قانون أو نظام ولا يجرؤ أحد أن يقول له لم فعلت هذا و لم تركت ذلك؟
و حتى يتغير نظام تعيين المسؤولين و محاسبتهم أنصحكم بالكف غيبتهم و اتهامهم في أخلاقهم أو كفاءاتهم لأنهم لا يهتمون برأيكم فيهم ولا يأبهون سوى برضى من وضعهم على كراسيهم تلك.
وحتى يتعطف معاليه و يلتفت لطلباتكم أو تدركه دعواتكم فيزاح من منصبه بناءً على طلبه يمكنكم تفريغ شحنات غيظكم في تبادل مقاطع اليوتيوب على الإنترنت!

الأربعاء، 13 أبريل، 2011

كوابيس جدة: حيث لا مكان للحب!


عنوان الكتاب: كوابيس جدة
المؤلف: هيلاري مانتل  Hilary Mantel
ترجمة: د. فاطمة نصر
الناشر: سطور الجديدة ٢٠٠٩
العنوان الأصلي للكتاب:


علي أن أعترف في البدء أن الذي استدرجني لشراء هذه الرواية هو فخ عنوانها فليس من المألوف و أنت تتجول ببصرك على رفوف مكتبة أن تجد رواية أجنبية تتحدث عن جدة، بل و تسبقها بالكوابيس، و أن تكون الرواية لكاتبة حاصلة على جائزة "بوكر مان" فهذا يجعل الأمر أكثر إغراء و يغري بدفع قيمة الكتاب و المغامرة بقراءته لاحقاً. فيما بعد اكتشفت أن العنوان كان فخاً متقناً بالفعل فالرواية الحقيقية لا تحمل ذات الإسم بل اسماً أكثر حيادية هو "ثمانية أشهر في شارع غزة" لكنني لسبب ما لم أشعر بالضيق لأن العنوان الذي على غلاف الترجمة لم يكن هو العنوان الأصلي، بل شعرت أن المترجمة(د. فاطمة نصر) وفقت إلى حد كبير في اختيار العنوان البديل، على الأقل لتخرج من اللبس الذي سيوحي به إسم غزة في العنوان الأصلي.
تدور أحداث الرواية في مدينة جدة في بداية الثمانينات الميلادية و تحكي قصة عائلة بريطانية (زوج و زوجة) انتقلا للإقامة فيها لإتمام مشروع بناء عملاق لإحدى الوزارات، حيث يعمل الزوج مهندساً للإنشاءات و تظل الزوجة حبيسة المنزل بلا عمل.
منذ بداية الرواية لا تتحرج هيلاري مانتل في نقل مشاعر الريبة و التوجس التي تشعر بها (فرانسيس) الزوجة و راوية الأحداث. فهي و على الرغم من اغترابها الدائم عن وطنها بريطانيا، و على الرغم من إقامتها في بلدان فقيرة في أفريقيا لعدة سنوات إلا أنها لا تشعر بالارتياح للذهاب للسعودية حيث ينبغي عليها تغطية رأسها طوال الوقت و الامتناع عن احتساء الخمر و الأسوأ من ذلك هو بقاؤها بلا عمل في المنزل حيث أن تخصصها كرسامة خرائط غير مرغوب به هناك.
تسجل الرواية بدقة و عين خبيرة تفاصيل المكان و خلفيته الجغرافية و التاريخية، و تسهب في وصف الأماكن و الشوارع و الأسواق و أحوال الطقس في جدة في تلك الفترة، كما أن النقاشات التي يديرها البريطانيون و الأجانب عموماً فيما بينهم تتناول الأحداث الساخنة في تلك الفترة بلا تحفظ فتجدهم يتحدثون عن علاقة السعودية بالولايات المتحدة في تلك الفترة و عن أعمال الشغب التي حدثت في عام ١٩٧٩ في الحرم المكي و عن الشغب الذي رافق افتتاح التلفزون و أن الملك اضطر لقتل ابن شقيقه قائد المتمردين على افتتاح التلفزون. و على الرغم من كل تلك الدقة و الوصف الحميم إلا أن المؤلفة حرصت أن تنقل لنا الإنطباع الخاص ب(فرانسيس) بطلة الرواية و الزوجة العاطلة عن العمل بأن هناك حاجزاً زجاجياً سميكاً يفصلها عن الحياة الحقيقية في جدة، و أن كل ما تراه و تسمعه هو غرائبي و غير منطقي و مزيف بشكل ما.
كانت أزمة فرانسيس الحقيقية في جدة أنها لم تستطع أن تلمس شيئاً حقيقياً في حياتها الجديدة. فكل ما تعرفه عن طريق نصائح الغربيين الآخرين يبدو لها متناقضاً و متحيزاً إلى حد كبير، لكن محاولاتها البحث عن واقع حقيقي كانت تبوء بفشل متكرر أيضاً. فالصحيفة الوحيدة المتاحة لها هي (السعودي جازيت) و هي أقرب ما تكون إلى صحيفة البرافدا السوفيتية التي لا تنشر إلا الأخبار الزاهية أو البورباجندا الفجة عن البلد و تصور كل ما يجري من أحداث بأنه مؤامرة على الإسلام و المسلمين.
ترفض فرانسيس السكن في مجمع مغلق خاص بالأجانب نفوراً من بعض زملاء زوجها و تفضل السكن في عمارة مكونة من أربع شقق يجاورها فيها ياسمين الباكاستانية المسلمة و زوجها الذي يعمل في مكتب الأمير و في الدور العلوي تسكن سميرة السعودية و زوجها عبدالناصر الذي لا يتحدث مع أحد و يعمل في وزارة ما لا تعرفها. و هناك تلك الشقة المغلقة التي تدور حولها الإشاعات بأن أحد أقارب الوزير يستخدمها في لقاءات حميمة مع عشيقة سرية له.
تحاول ياسمين إقناع فرانسيس باعتناق الإسلام و تهديها ترجمة لمعاني القرآن الكريم و تحاول أن تبرر لها بعض الممارسات التي تحدث باسم الدين و بأن الإعلام هو من يتجنى على الإسلام و تقارن بمبالغة تراها فرانسيس مضحكة بين الفساد الحاصل في الغرب و الاستقامة الموجودة في جدة!
ياسمين تبدو عصبية على الدوام و كأن هناك ما يقلقها ولا تجرؤ على البوح به و على النقيض منها كانت سميرة الزوجة السعودية، فلم تجد فيها فرانسيس على الرغم من اتقانها الانجليزية إلا شخصية سطحية تعشق المسلسلات واقتناء الملابس الفاخرة، و على الرغم من ذلك نجد أن فرانسيس في مذكراتها التي تكتبها تبدي تعاطفاً واضحاً مع معظم الشخصيات النسائية التي تقابلها في الرواية و تتخذ موقفاً صارماً و حدياً من معظم الشخصيات الرجالية خصوصاً التي تنتقد المجتمع المحلي و تبدي نحوة ميولاً عنصرية بل و تغضب و تغادر إحدى حفلات الكريسماس لأن صديقاً لزوجها تمادى في شتيمة عنصرية لسكان البناية
لكن ذلك الموقف الناقد لتفكير الغربيين المقيمين في جدة لا يقابله تعاطف عام مع سكانها السعوديين، بل معاناه مستمرة في محاولة لكشف الأقنعة للوصول للهوية الحقيقية للناس، للتواصل مع مجتمع حقيقي دون جدوى، تتحول تلك المعاناة لاحقاً إلى أزمة نفسية تعيشها البطلة خصوصاً مع تسارع الأحداث و ازدياد كثافة الغموض الذي يحيط بها فياسمين صديقتها الوحيدة تبدأ في الغياب لفترات طويلة و لا تخبرها عن الذي تفعله إلا بعبارات غامضة، و تلمحها مختبئة في سطح البناية دون مبرر، كما تبدأ في ملاحظة تحركات مريبة في شقة الغرام السري و التي يتضح لاحقاً أنها ليست كذلك و أن كل ما راج عنها مجرد غطاء لشيء أكثر غموضاً لم تستطع كشفه حتى رحيلها.
تنتهي الرواية نهاية دموية عندما يتعرض (فيرفاكس) ضيف فرانسيس وزوجها القادم من الوطن في زيارة عمل قصيرة و لمحة الضوء الصريحة و المنفتحة الوحيدة في وسط غابة الشخصيات التي شوهتها النقود و العنصرية من حولها يتعرض لحادث غامض يؤدي إلى وفاته في صبيحة اليوم الذي تلى عشاء هادئاً في منزلهم و تشك فرانسيس في أن سبب وفاته ملاحظة أبداها بخصوص شيء غامض لاحظة في الشقة العلوية عندما خرج في منتصف الليل بحثاً عن هواء نقي.
و تزيد الأحداث غموضاً و دموية عندما يتعرض زوج ياسمين مرافق الأمير لإطلاق نار في ذات الفندق الذي سكنه فيرفاكس البريطاني القتيل و تثور الشائعات بأنه كان برفقة ضابط كبير في حين يؤكد آخرون أنه برفقة عملاء شيعة!
و تشاهد فراسيس عبر نافذة السيارة ياسمين و هي تركب سيارة أخرى برفقة عبدالناصر زوج سميرة الصامت دائماً و برفقتهما شخص ثالث لمحته فرانسيس يدخل العمارة أكثر من مرة بصفته عامل بناء!
مالذي يحدث بالفعل؟
هل هذه جرائم عنف عادية؟
هل هي غطاء لأحداث كبرى لا يعرفها أحد؟
هل ياسمين بريئة أم متآمرة؟
هل هي متدينة أم جامحة؟
لا تعطينا الرواية أية إجابة
و السبب هو أن المدينة كلها متآمرة لإخفاء الحقيقة
المدينة ذات السماء الصافية و الأجواء الحارة تنقلب فجأة لترعد و تمطر بغزارة تغرق البيوت و تسد الشوارع وكأنها تعطي إنذاراً لفرانسيس بأن تتوقف عن محاولتها كشف المستور و رفع الحجب
كأنها تخبرها أن فترة الضيافة انتهت و أن عليها الرحيل قبل أن يزداد غضب هذه المدينة الملتبسة
و هو ما تفعله بالفعل فتغادر و في قلبها و عقلها الكثير من الذكريات المنهكة التي تعلم يقيناً أنها لن تشفى منها قريباً وربما لا تشفى أبداً