الخميس، 17 نوفمبر، 2011

الاعتذار لصندوق (واصل)




يقبع على باب بيتي صندوق معدني تعيس، قد اعوج ظهره، وتدلت أحشاؤه منذ سنوات، أطالعه في كل يوم أكثر من مرة، يكسوه الغبار حيناً, وتغسله الأمطار حيناً, ويستخدمه المارة لوضع بقايا الخبز الملقاة أرضاً فوقه, إكراماً للنعمة حتى لا تدهس.
ذلك الصندوق الحزين لم يسكن جدار منزلي بإرادته، و لا برغبتي، استيقظ ذات نهار ليجد نفسه مصلوباً على جدار بيتي، ولأجده هناك يطالعني بذات الدهشة التي أطالعه بها، ولأنني مواطن صالح فلم أعترض على وجوده، وإن كنت غير مرحبٍ به ولا أعرف كيف سأستخدمه، وربما لذلك السبب لم أبالِ كثيراً بعد أيام عندما وجدته قد تعرض لهجمة من بلطجي مجهول في حارتنا تركته بلا حول ولا قوة، و ظل الحال بيننا كذلك لسنوات، نظرات باردة متبادلة كل صباح، وتجاهل أكثر برودة في المساء، حتى جاء يوم زرت فيه صديقي الذي يسكن حياً راقياً، فوجدت صندوق (واصل) لديه يتألق لمعاناً ويفيض بهجةً، فسألته عن حال صندوقه السعيد فأخبرني أنه قد فعّل الخدمة، وأن الرسائل تصله إلى باب داره كل يوم، ولولا أنني استوقفته لهمّ بأن ينظم قصيدة شعر في مدح صندوقه المبتهج. وبالفعل لم يتأخر الاتصال، وجاء الموظف الهمام ليصلح الصندوق، ويسلمني المفتاح وبيانات العنوان، شكرته بحرارة وأنا لازلت غير مصدق، ابتسم بثقة، وردد نحن في الخدمة في أي وقت، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي أرى فيها وجهه أو وجه أيٍ من موظفي البريد، فقد تعرض الصندوق لهجمة جديدة بعدها بشهر واحد, وعندما قدمت طلباً لإصلاحه لم يجبني أحد حتى هذا اليوم, ظللت لفترة طويلة مستاءً من هذا الصندوق الكسيح, ومن مستوى الخدمة الهزيل الذي “يفشل” في صناعة صندوق متين قابل للحياة كصندوق صحيفتي المجاور له، وظللت مستاءً من خدمة ذات موقع براق على الإنترنت وفي المطويات لكنها بلا فعالية في الشارع، خدمة لا تصمد إلا في الأحياء الراقية وبين علية القوم وتنهار بمجرد احتكاكها بمن دونهم.
لكنني وفي لحظة تأمل جامحة اكتشفت كم أنا متجن على هذا الصندوق المسكين، وكم أحمله من الأوزار والأحمال ظلماً، بل إنه في الحقيقة نعمة كبرى أرسلها الله لي دون أن أفقه فضلها، فما فعله الصندوق الخجول المؤدب، هو أنه ضحى بنفسه ليعطيني مثالاً حياً على وضع البلد بشكل عام، كان في كل يوم يمنحني إشارة خافته وبليغة في نفس الوقت، لكنني لم ألتقطها للأسف إلا مؤخراً، فالصندوق الشهم يمثل في يوم ماطر قرارات سعودة سوق الخضار الحازمة التي غسلتها أمطار النسيان وفقدت شهامة المسؤول. والصندوق الكسير يمثل قرارات تأنيث المحلات النسائية التي دأبت قبضات متحمسة على تكسيرها في كل مرة. والصندوق الضعيف في الشارع هو مستوى مخرجات التعليم لدينا التي لم تصمد للأسف أمام امتحان البطالة،لكنه يتحول بقدرة قادر إلى منتهى القوة والإنتاجية إذا وجد (جداراً) فخماً يستند إليه!.. والصندوق الذي رُكب ذات يوم أمام بيتي دون علمي ودون رأيي هو مجلس الشورى الذي لا يمثلني حتى الآن، ولا أعرف حتى متى، والصندوق الجريح الذي تنصل منه مرجعه هو حال كل من يلهث خلف سريرٍ أو موعدٍ في مستشفى ولا يجد رداً.. و الصندوق الذي حظي بدعاية باذخة وميزانية ضخمة ثم انتهى محطماً بلا فائدة هو مشروع المستشفى والمدرسة والنفق والمتعثرة جميعاً لسبب لا يمكن معرفته على وجه الدقة، تماماً كما لا أعرف على وجه التحديد لماذا يتحطم صندوق واصل فورَ تركيبه بضربة واحدة، ولا يتأثر صندوق الجريدة الرابض إلى جواره منذ سنوات!!
عزيزي صندوق واصل…تقبل اعتذاري

الخميس، 3 نوفمبر، 2011

"حياتي": يالها من حياة!


إسم الكتاب: حياتي
المؤلف: أحمد أمين
الناشر: دار الشروق المصرية


علي أن أعترف بدايةً أنني حين شرعت في قراءة هذا الكتاب لم أكن أعرف من هو أحمد أمين و لم يسبق لي قراءة أي شيء من كتبه، و أن الدافع الوحيد الذي دفعني لقراءة هذا الكتاب هو ما كتبه عنه إبنه د.جلال أمين في كتابيه عن سيرته الذاتية (ماذا علمتني الحياة) و (رحيق العمر) و الذي تعرض فيهما للكثير عن والده و أشار في أكثر من موضع إلى هذا الكتاب بالاقتباس حيناً و بالإيضاح و التحليل أحياناً أخرى. و لقد توجست في بداية مطالعتي للكتاب من تاريخ كتابته القديم و سمعة كاتبه الأزهرية وخلفيته الدينية فتوقعت كتاباً جافاً صعب الأسلوب مليئاً بالتقعر في اللغة و الإطناب في البيان كدأب كتاب ذلك الزمان. لكن مجرد مطالعة الصفحات الأولى كشفت لي كم كنت مخطئاً و بينت لي أنني وقعت على كنز تاريخي نادر. فالكتاب أبعد ما يكون عن الإطناب و التقعر و لغة أحمد أمين أقرب ما تكون إلى لغة عصرية سلسة و انسيابية حتى و إن بدت ثقيلة في بعض المواضع النادرة. لكن أجمل ما يميز الكتاب هو وصفه البانورامي لكل مرحلة من مراحل التغير السريع التي مر بها المجتمع المصري و عاصرها الكاتب منذ كان طفلاً و حتى تقاعده و عينه الدقيقة الحساسة في وصف أحوال الناس و حياتهم اليومية و العلاقات البشرية في الحارة و الكتاب و الأزهر و القصر و النظرة التحليلية العميقة في بعض المواضع لأحداث و تفاعلات حلت بالبلاد و ربطها بالمتغير اليومي في بيت الكاتب إبان طفولته و شبابه. ولعل وصفه لمنزلهم و حارات القاهرة و المدرسة النظامية ثم الأزهرية التي دخلها و علاقته بوالده و علاقة والده بوالدته و اخوته تعد صورة بديعة ونادرة جداً عن المجتمع المصري في تلك الفترة لا تكاد تتخيل وجودها ولم يسبق أن قرأت وصفاً لها بهذا التماسك و هذه الحميمية.
و على الرغم من أن الكتاب عن السيرة الذاتية إلا أنه حافل بإنكار الذات و غارق في النظرة الموضوعية التحليلية للأحداث و التي جعل الكاتب نفسه فيها مراقباً و محللاً و ناقداً لنفسه و للمجتمع دون انحياز للأنا و لا تضخيم للذات بل تُفاجأ أنه يتعاطى مع أحداث جسام مرت به أو شارك في تكوينها بسطور قليلة تكاد تشعرك أن لا فضل له فيها على الإطلاق من شدة تجرده و إنكاره لذاته بل حتى المظالم التي تعرض لها من قبيل حرمانه من لقب الدكتوراه بسبب مواقف حزبية يذكره بتجرد هادئ و بدون انفعال صاخب أو مبالغ فيه. أو ذكرة لقصة تأليفه لنتاجه العظيم فجر الإسلام و ضحى الإسلام و ظهر الإسلام فهو لم يفرد لها فصلاً منفرداً ولا حتى صفحات مستقلة بل ذكر عرضاً قصة تشكل الفكرة في ذهنة ثم في سطور قليلة منهجه الذي اتبعه في الكتابة و عرج بحياء شديد في عبارة واحدة على ( القبول الذي حظيت به السلسلة) هكذا بلا تفاخر ولا تباه رغم الضجة الكبيرة و ردود الفعل و الحفاوة الواسعة التي استقبل بها الناس تلك السلسلة من المؤلفات و النقاش الذي دار حولها.
ولعل أجمل فصول الكتاب هي فصوله الأخيرة التي أجمل فيها الكاتب رأيه في نفسه و شخصيته و حياته فكتب صفحات بديعة هي مزيج من الأدب و التحليل النفسي و درس عميق في التواضع و إنكار الذات مقترناً في نفس الوقت بالثقة بالنفس و الإعتداد بالرأي و الاستعداد للقتال في سبيله متى ما رآه حقاً. و الكتاب مليء بالحكم و العبر المنثورة في صفحاته و قصص الناس و الأحداث في تلك الفترة الزاخرة من عمر مصر. و ربما يعاب على الكتاب تشتت بعض فصوله التي تحدث عن رحلات المؤلف لخارج البلاد و وصفه لتلك البلدان و الذي جاء في بعضها قوياً و عميقاً وفي البعض الآخر سطحياً و بلا إضافة حقيقية للكتاب.
عموماً. لن تستطيع بعد قرأة كتاب(حياتي) إلا أن تطلق تنهيدة عميقة و تتحسر على رحيل جيل العمالقة الأوفياء للعلم و الإبداع في صمت و تجرد و تقول رحمك الله يا أحمد أمين