الأحد، 25 مارس، 2012

نابليون دائماً على حق

و المقصود بنابليون هنا ليس القائد الفرنسي المعروف بل نابليون آخر هو بطل رواية جورج أورويل الشهيرة (مزرعة الحيوانات). تلك الرواية القصيرة و المكتوبة بلغة بسيطة و ساخرة و التي لا تكاد تحترم أي من الشروط النقدية المعقدة التي يضعها النقاد شرطاً لاعتبار الرواية عملاً فنياً يستحق القراءة، رغم ذلك احتلت مكانها في قائمة أفضل مئة رواية في التاريخ.
كتب جورج أورويل روايته بهدف السخرية من النظام الشيوعي. و صور حبكتها على لسان حيوانات مستأنسة داخل مزرعة يملكها رجل عجوز قاس مدمن للخمر يدعى مستر جونز. تبدأ الرواية باجتماع ليلي بين حيوانات المزرعة و الخنزير الحكيم المسن (ماجور) و الذي يحدثهم عن رؤيا رأها و قد تخلصت المزرعة من البشر و أصبحت خالصة للحيوانات، و يصور لهم روعة الحياة بعد طرد الإنسان المستبد الذي يستعبدهم و يسرق لبنهم و صغارهم و يذبحهم عندما يمرضون. و يحثهم على التفكير في الثورة على المستر جونز في أقرب فرصة بل و يلقنهم نشيداً ثورياً يبدأون في ترديده في حماس، بعد فترة يموت الخنزير الحكيم و تقرر الحيوانات أن الوقت قد حان للثورة على مستر جونز خصوصاً و أنه قد بالغ في إهمالهم و تجويعهم. تثور البقرات و الحصان الضخم (بوكسر) و تقود الخنازير الذكية المعركة القصيرة حتى تطرد الفلاح السمين منها و تخلو المزرعة للحيوانات التي أصبحت حرة لأول مرة في التاريخ. تنتشي الحيوانات في سعادة تنطلق في مرح فوق الحقول الممتدة و تستشعر جمالها للمرة الأولى.
سرعان ما تبدأ التحديات لكن الخنازير الذكية دائماً ما تملك الحلول، و تطرح جميع القضايا للنقاش يوم الأحد و يتم التصويت عليها من قبل حيوانات المزرعة. كان الخلاف دائما ما ينشب بين خنزيرين لامعين هما سنوبول و نابليون و في يوم من الأيام اقترح سنوبول إقامة طاحونة كبيرة في المزرعة لتحقيق الرفاهية للحيوانات و تقليل ساعات العمل و ما إن بدأ في شرح فكرته حتى فاض غضب نابليون و أطلق وراء سنوبول مجموعة من الكلاب الشرسة -كان يدربها سراً- و طرده من المزرعة، و قرر نابليون يومها أن سنوبول عميل لمستر جونز و أن مقترحاته هدفها تدمير الثورة، و قرر كذلك حفاظاً على الثورة إلغاء اجتماع الأحد و قصره على تلاوة نشيد الثورة و تلقي الأوامر دون نقاش. تذمرت الحيوانات قليلاً لكن الكلاب المفترسة زمجرت في المكان لتخمد أي همهة محتجة. بعد فض الاجتماع انطلق المساعد الجديد لنابليون بين الحيوانات ليقنعهم بصواب رأي قائدهم الجديد و ليحذرهم من مؤامرة قادمة يقودها مستر جونز بالتواطؤ مع سنوبول، و أن أي خلاف يدب بينهم سيسهل عودة المستر جونز، و لأن الحيوانات تخشى عودة مستر جونز فقد رضخت لنابليون و قراراته الجديدة. و تتوالى الأحداث داخل المزرعة، تزداد و تيرة الأعمال و مشقتها و يتحمل الحصان القوي بوكسر معظمها في حين تنعم الخنازير بالراحة معظم الوقت و تكتفي بالإشراف على العمل، تقل الحصص المخصصة من الطعام و يزداد الجوع بين الحيوانات و تزداد الخنازير سمنة و شبعاً لكن الإحصاءات التي يقدمها مساعد نابليون دائماً ما تقول العكس. يزداد نابليون سلطة و يقرر بناء الطاحونة التي كان يراها مؤامرة من خصمه السابق و لكن مساعده يبرر ذلك بأن الطاحونة كانت في الأصل فكره نابليون لكن سنوبول الشرير سرقها!. و تشرع الحيوانات المخلصة في العمل الشاق و رغم كل التذمر و التساولات يظل الحصان الصلب بوكسر مصراً على أن نابليون يعرف أفضل و أنه دائماً على حق، و يقرر التفاني في العمل حتى لا يرهق دماغه بالوساوس.
تنتهي الرواية بشمهد صادم للحيوانات عندما تشاهد الخنازير و قد احتلت منزل مستر جونز و بدأت تمشي على قدمين فقط و تستعمل طاولة الطعام و تأكل في الأواني الفخمة بل و تلعب الورق مع جيرانها من البشر الأعداء، و تحتار الحيوانات في التفريق بين البشر و الخنازير نتيجة التشابه الشديد في الملامح بينهما.
ما تقوله الرواية بذكاء أن كل الطغاة يتشابهون إذا توفرت لهم ذات الظروف، أتباع جهلة يقبلون التنازل عن حقوقهم، و آلة عسكرية و إعلامية تواصل تخدير الأتباع طوال الوقت بالأكاذيب و الحديث عن المؤامرات الخارجية.
لكنها تتوقف عند هذا الحد و لا تخبرنا إن كان ثمة أمل في أن تتخلص حيوانات المزرعة من نابليون الذي كانت تراه دائماً على حق!
 صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١١١) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٤-٠٣-٢٠١٢)

الأحد، 18 مارس، 2012

الرجل الذي رفض دخول الحظيرة




الزمان: ٢٢ أكتوبر ٢٠٠٣ (قبل الثورة بأكثر من سبع سنوات)

المكان: دار الأوبرا المصرية بالقاهرة

الحدث: حفل تسليم جائزة الإبداع الروائي

وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت يقف وإلى جواره رئيس المجلس الأعلى للثقافة استعداداً لتسليم الجائزة للفائز الذي سيعلن اسمه بعد لحظات.

في الحقيقة كان الفائز قد أُخبر سراً بالنبأ وتمت دعوته للحضور والتأكيد عليه خوفاً من رفضه الجائزة نظراً لمواقفه غير الودية تجاه الحكومة. لكنه ولسعادة الوزير وافق على الحضور وأعطى اللجنة معلوماته الشخصية اللازمة لاستكمال كتابة شيك الجائزة البالغة قيمتها مائة ألف جنيه مصري إضافة إلى صور التكريم الأخرى. كانت سعادة الوزير بالغة وهو يستعد لمنح الجائزة للمعارض العتيد والشيوعي القديم الذي أمضى جزءاً لا يستهان به من سنوات شبابه في المعتقل وتعرض فيه للتعذيب والإهانات ولكنه خرج من المعتقل أكثر شراسة وصلابة في نقد الحكومة، ورغم عزلته شبه الكاملة فإن رواياته كانت توجه نقداً موجعاً لكل شيء تقريباً في البلاد، ولم تفلح السنون المتتابعة في كسر حدة النقد الذي تمرره الروايات ولا في جعله أكثر خفوتاً، بل على العكس كان المحارب القديم يزداد حنكة ومهارة مع الزمن وتزداد شعبيته وتتسع دائرة تأثيره مع كل كتاب يطبعه. لذلك كانت غبطة الوزير كبيرة عندما علم بنبأ قبول المقاتل العتيد جائزة الدولة، واعتبرها هدنة نجحت وزارته في توقيعها مع أحد خصومها الشرسين، ومقدمة لاستقطابه إلى فضائها عبر طرق كثيرة يتقنها مساعدوه المهرة.. قطع عليه سيل أفكاره صوت رخيم يعلن اسم الفائز بالجائزة، تلاه تصفيق حار يليق باسم الفائز ويؤمن على حسن الاختيار. تقدم المناضل العتيد نحو المنصة، نحيلاً ضامراً هدته السنون، لكنها منحته كذلك نظرة نافذة ذكية يسهل تمييزها في التماعة عينيه الصغيرتين خلف نظارته السميكة التي جعلته مع شعره الأشيب الكث والأشعث أشبه برجل أسطوري قادم من عالم الخيال. تقدم الرجل بخطوات هادئة نحو المنصة وطلب أن يلقي كلمة قصيرة بهذه المناسبة، تقدم نحو الميكروفون وبدأ حديثه بصوت منخفض وغير واضح لكن وقعه كان مفاجئاً ومدوياً كالقنبلة.

«أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة لا تملك في نظري مصداقية منحها، من حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء (في مصر) في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب».

وأضاف بذات الصوت المبحوح: «لا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيقة بوطننا، وهي لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية ولا على الإملاءات الأمريكية ولا على العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية وإنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا».

وتابع: «لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب، لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل، تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان وللضرب والتعذيب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته».

عمت لحظة صمت بدت كأنها الدهر كله، وبدا كأن وقع المفاجأة أصاب الجميع بالشلل، ثم وفجأة أيضاً انفجرت القاعة في تصفيق مدوٍّ، تصفيق حار ملتهب ومتواصل يختلف في صداه ونغمته عن أي تصفيق سمعته جدران القاعة من قبل. ارتبك الوزير وارتبك رئيس المجلس الأعلى للثقافة. تبادلا النظرات، نظرات الخذلان والعتاب، تقدم الوزير نحو المنصة، حاول التظاهر بالتماسك، قال إن المحتفى به كان على علم بنبأ فوزه ولم يعترض، ورغم ذلك فما حدث اليوم يدل على مدى الديمقراطية التي بلغناها! كان الرجل النحيل قد ترجل عن المنصة عالماً بمدى الضرر الذي سيلحقه والحرب الشعواء التي ستشنها عليه الصحف الرسمية، لكنه كان سعيداً من الداخل بعد أن بلغ رسالته، ولم يكن يعلم أن صدى صوته الواهن المبحوح سيتحول إلى صرخات هادرة ترددها ملايين الحناجر في ميدان التحرير بعد بضع سنين حتى تزيح أركان عرش الفساد الذي واجهه اليوم وحيداً.

كانت تلك قصة الرجل الذي رفض دخول الحظيرة: قصة «صنع الله إبراهيم»

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٤) صفحة (١٧) بتاريخ (١٧-٠٣-٢٠١٢)

الأحد، 11 مارس، 2012

البكاء بين يدي «حافظ»!


أشعر اليوم برغبة في تسجيل اعتراف خطير، اعتراف يدور في خلدي منذ سنوات وقررت أن أبوح به الآن، أما لماذا الآن، فلا أعرف السبب تحديداً لكنها عدة عوامل متراكمة عجلت بهذا الاعتراف المهم.
هناك يا سادتي «مؤامرة كبيرة» تحاك ضد اللغة العربية. مؤامرة قديمة جداً، لا أعرف متى بدأت بالتحديد لكن المتآمرين فيها كُثر، وقد اكتشفت مؤخراً أنني أحد أعضاء المؤامرة الفاعلين عن سبق إصرار وترصد.
نعم، هذه هي الحقيقة التي كنت أتهرب من مواجهتها لسنوات، ويبدو أنه قد حان الوقت للاعتراف بها، أنا أحد أركان المؤامرة على اللغة العربية، وكل نص كتبته من قبل ونشرته في أي مكان لم يخل من عدة طعنات نجلاء أصابتها في مقتل وشوهت حسنها وجمالها. واستلزم الأمر في كل مرة تدخلاً نحوياً عاجلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورغم تلك التدخلات العاجلة فإن المؤامرة نجحت في تسريب الكثير من الكوارث النحوية والتشوهات اللغوية الفادحة إلى نوافذ المدونات وصفحات الجرائد وأسماع المستمعين، فكانت جرعة من ضمن ملايين الجرعات السامة التي تحالف المتآمرون الآخرون على نشرها حتى يقتلوا ما بقي من غيرة ونخوة تجاه اللغة المسكينة.
لقد تحالفت عوامل عدة على صنع المتآمر الصغير، قبل أن تحوله لمتآمر كبير، فالمتآمر الصغير مثلي لم تنجح في تقويم لسانه وتهذيب ذائقته مئات الساعات الدراسية التي تلقاها في المدرسة ولا مناهج (قواعد النحو والصرف) التي بدأ دراستها منذ الصف الرابع الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، فضلاً عن مناهج الجامعة الإلزامية، لقد تبخرت كل تلك الشروحات والأمثلة والقواعد كأنها لم تكن، تداخل المبتدأ والخبر والفعل والفاعل والمفعول، تزوجت إن وكان وأخواتهما واختلطت أنسابهما فما عاد يُعرف من فيهما التي تنصب الفعل أو تجر الفاعل… عفواً! لا توجد أداة تجر الفاعل؟ شكراً للتنبيه!
لم يكن الوضع أفضل خارج المدرسة، لم يستطع التلفاز أو الراديو بكل برامجهما ومسلسلاتهما أن يصلحا ما أفسدته المدرسة، كانت «القوة الناعمة» كما يسميها المتحذلقون تسير في ذات الركب، كل شيء فيها يمجد العامية ويعلي شأنها وعندما يضطر المذيع للتحدث بالفصحى ارتجالاً فإن (سيبويه) يتقلب في قبره عدة مرات في الدقيقة لهول ما جاد به المذيع حتى تقول الرفات: ليته سكت!
كنت أعتقد أنني نسيج وحدي في التآمر، وأن أخطائي الفادحة عيب كبير يجب أن أسعى جاهداً للتخلص منه؛ كي أنضم إلى ركب المثقفين والكتاب الذين يمثلون صفوة المجتمع وقدوته، لكنني -كالعادة- اكتشفت مدى جهلي وسذاجتي عندما رأيت ما يكتب هؤلاء (الصفوة) بشكل مباشر على هواء (تويتر) بدون مونتاج (المصحح) ومؤثرات (المدقق). كانت الكوارث تتوالى بشكل لا يصدق، والأخطاء تجاوزت النحو لتبلغ الإملاء، وضاعت الفوارق بين الواو والضمة وبين الكسرة والياء، فلا بأس لديهم في أن تحل إحداهما محل الأخرى، أما عن الهمزة -و آه من الهمزة- فأرجوك لا تسأل لأن الهمزة بالذات تبدو في كتابات الصفوة كأنها اقتباس من اللغة العبرية يجتهد كل واحد في وضع قواعد جديدة خاصة بها!
في كتابها (تاريخ الدعوة إلى العامية) ترجع الدكتورة (نفوسة سعيد) أصول تلك الدعوة إلى جهود المستشرقين في القرن التاسع عشر، وترى أنها جزء من مؤامرة الاستعمار على العالم العربي لتفكيكه والسيطرة عليه عبر الدعوة إلى تبني العامية في الفن والآداب كلغة بديلة للفصحى (ألا يذكرك ذلك بالشعر النبطي؟).
وتتبع في بحثها الشيق تطور تلك الدعوات التي بلغت حد أن اقترح عبدالعزيز فهمي استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية في الكتابة، وأحمد لطفي السيد تمصير الأدب عبر كتابته بالعامية المصرية. بل إن المستشرق ويلهم سينا سبقهما بتأليف كتاب «قواعد العربية العامية في مصر» منذ عام ١٨٨٠! ولعل حافظ إبراهيم قصد هذه الدعوات عندما كتب قصيدته الشهيرة عن اللغة العربية، خصوصاً عندما قال:
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً
من القبر يدنيني بغير أناة!
وأسمع للكتاب في مصر ضجةً
فأعلم أن الصائحين نعاتي!
ترى ما الذي كان سيقوله ذلك الشاعر العظيم إذا رأى ما يكتبه (مثقفونا) في تويتر وفيسبوك هذه الأيام؟


نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧) صفحة (١٧) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٢)

فراس عالم لـ الشرق: لغز الخطوط الحمراء يضع الصحافة المحلية في مأزق أبدي




مكة المكرمة – الزبير الأنصاري

قال الكاتب والقاص فراس عالم إن هامش الحرية المتاح في الصحافة السعودية «من أكبر الألغاز التي مرت علي»، مؤكداً أن «الخطوط الحمراء شيء صعب القياس جداً، ولا تخضع لأي لائحة أو قانون». وأضاف «تندهش أحياناً من جرأة وقوة بعض المقالات والتحقيقات، وتتساءل: كيف مرت بين أنياب الرقيب؟ وتندهش أكثر، عندما يطاح برئيس تحرير، بسبب نشر تقرير صحفي أقل من عادي، وما لم يحل لغز الخطوط الحمراء ستظل الصحافة السعودية في مأزق أبدي». وقال عالم لـ»الشرق»، على هامش أمسية قصصية أحياها في المقهى الثقافي في «أدبي» مكة مؤخراً: «مهما كانت إدارة التحرير منفتحة في الصحيفة، فإن حريتها مرتبطة بالمناخ العام للصحافة ككل».

التدوين والصحافة

وحول ممارسته التدوين والفرق بينه والكتابة الصحفية، قال عالم: «بدأت التدوين في مدونتي الخاصة في منتصف عام 2008»، وهي «مغامرة من أجمل مغامراتي في عالم الكتابة».
وأضاف أن التدوين يمنح المدون فضاء رحبا، عبر قالب مراوغ غير مسبوق في الكتابة، يكون فيه الهاجس الوحيد للكاتب أن يكون كما يريد، دون مراعاة «إلا قيود النحو والإملاء فقط»، يستخدم فيه الصورة والكاريكاتير ومقاطع الفيديو، وكتابة سطور مقتضبة أو مقالة مطولة، أو نصاً بالغ السخرية، أو الجدية، أو مزيجا من هذا وذاك. فالمدون حر في فعل ما يشاء، دون أن يحمل هماً للرقيب، أو الناشر، أو حتى القارئ. وأوضح أن الكاتب الصحفي مقيد بعامل الزمان والمساحة، ولديه «عدد معين من الكلمات، وهامش محدود للحرية، وساعة صفر في كل أسبوع» يجب أن يكون مقاله جاهزاً قبلها، لافتاً إلى أنه ما زال يجرب، حتى الآن، ويبحث عن القالب المناسب الذي يمنحه ثنائية الفائدة والمتعة في المقال الصحفي. وفي رده على سؤال عن انتقال المدونين إلى الصحافة، قال إن «التدوين عالم مختلف ومحفز على التجديد والإبداع في قوالب وأنماط الكتابة، والمدونون الجدد نجحوا في فرض أسمائهم وحشد شريحة كبيرة من المتابعين بعيداً عن الإعلام التقليدي»، مشيراً إلى أن ما «يحصل الآن هو أن الإعلام التقليدي، يخطب ودهم، طمعاً في تجديد الدماء من ناحية، ورغبة في استغلال تلك الشعبية للترويج للمطبوعات التي يستكتب فيها هؤلاء المدونين»، معتبرا الأمر ظاهرة إيجابية، «لكن من المبكر الحكم على نجاحها أو فشلها».

النقد وحده لا يكفي

وعن إسهامات الاتجاه النقدي للمقالات الصحفية في تقويم عمل المؤسسات الحكومية، أشار عالم أنه لا يعرف إن «كان يسهم في تغيير المؤسسات. لكنه بالتأكيد يغير المجتمع، يمنح الناس جرأة أكثر في النقد والحديث عن الفساد والقصور. كما أنه يساهم في زيادة شعبية الكتاب ويحولهم إلى نجوم مجتمع، ويزيد من مقروئية الصحيفة»، موضحاً أنه لا يعتقد بأن المقالات تسهم فعلاً في الإصلاح، «فالإصلاح يحتاج لقوانين رادعة أكثر بكثير من سطور ناقدة».

تجربة ولياقة

أما عن تجربته في كتابة المقال، فقال إنها «لا تخلو من تحد واستدارج»، مؤكداً أن «على الكاتب أن يشحذ فيها أدواته، ليكون يقظاً ومنتبها طوال الوقت، ولكن ينبغي عليه أيضاً أن لا ينزلق إلى الثرثرة والتكرار». وأوضح أن «كثيراً من المبدعين استفادوا من الصحافة، حيث منحتهم لياقة القلم وسلاسة الأسلوب، بسبب تمرين الكتابة المنتظمة».

مشاهد بصرية

ويكتب فراس عالم، وهو طبيب أسنان، القصة بنفس مغاير لما يفعله مجايلوه، كما يظهر لقارئ مجموعته اليتيمة «المشبك الخشبي». وتتميز كتاباته القصصية بالمشاهد البصرية، وعن ذلك يقول: «إن مشاهداتي السينمائية ومشاهداتي للطبيعة أثرت علي في هذا الجانب، كذلك ميلي للملاحظة أكثر من الاستماع… أيضا هناك بعض الكتابات التي قرأتها في شبابي، وفي صغري لكتاب يهتمون بالوصف والحركة، مثل إرنست هيمنجواي… كذلك قناعاتي الفنية التي تشكلت منذ الصغر بأن القصة يجب أن لا تعطي المستمع والقارئ حكما جاهزا، ولكن تنقل له توصيف المكان والزمان».

الطب والكتابة

ورغم حضور «الطبيب» في كتاباته الصحفية، إلا أنه يغيب عن قصصه، لأن المفروض هو هذا، كما يقول، «فالمقالات مرتبطة بحدث آني وبمشكلة وبمعاينة، فكتابة المقال لابد أن تستمد بشكل أو بآخر من يوميات الحياة، أما النص فتحكمه ظروف ومعطيات كثيرة جدا»، موضحا أنه ليس حريصا على إظهار عمله كطبيب بشكل فج في النصوص، ولا يعتقد أن النص الفني يحتمل هذا الأسلوب في الكتابة.


نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧) صفحة (٣٤) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٢)





السبت، 3 مارس، 2012

الأندية الأدبية بين الاستقلال و الممانعة

كتب الدكتور عبدالله حامد مقالاً نارياً في المجلة الثقافية لجريدة الجزيرة يوم ١-٤-١٤٣٣ بعنوان (ماذا حدث في انتخابات أبها..من فوبيا الأوراق إلى قمع الوزارة). هاجم فيه صراحة و بدون مواربة وزارة الثقافة و الإعلام ممثلة في وكيلها الدكتور ناصر الحجيلان و مدير الأندية الأدبية عبدالله الكناني. و يحسب للدكتور حامد دقته في توصيف و توثيق الحادثة التي بنى عليها رأيه و تعهده بإكمال الحديث في مقالات لاحقة ربما تثير الكثير من الجدل.
و لا أعتقد أننا نخالف الحقيقة كثيراً إذا عممنا رأي الدكتور حامد على شريحة كبيرة من المثقفين و التي شعرت بخيبة أمل كبيرة من انتخابات الأندية الأدبية تتوازى الطموح الكبير الذي رافق ولادة التجربة. و بغض النظر عن الممارسات السلبية من قبل أعضاء الجمعيات العمومية و ما أفرزته من ظواهر محبطة للكثيرين كالتكتلات خلف الاسم القلبي أو التحزب للمنصب الأكاديمي أو الديني. فكل تلك السلبيات كانت متوقعة بدرجة أو بأخرى كآثار جانبية لبدايات الممارسة الديموقراطية و من الممكن تخفيفها أو تجنبها بالكامل في المراحل اللاحقة من الانتخابات. لكن ما كان صادما حقاً هو ذلك التباين الكبير في الرؤية و التعاطي بين قمة الهرم الإداري متمثلاً في الوزير و بين المسؤليين الذين يلونه في تسلسل الهرم الذين حددهم الدكتور حامد في مقاله.
فالوزير د. عبدالعزيز خوجة كان عراب مشروع لائحة الانتخابات، و هي رغم كل التحفظات الوجيهة على بعض بنودها لائحة تقدمية إذا ما قورنت بلائحة المجالس البلدية مثلاً أو لائحة مؤسسات الطوافة، فمجالس الأندية الأدبية منتخبة بالكامل و لا يحق للوزير تعيين أي شخص في المجلس بالتزكية و للمرأة كامل الحق في الترشح و الانتخاب و للمجلس كامل الحرية في تحديد الرئيس و النائب و التصرف في ميزانية النادي بالطريقة التي يراها مناسبة. و يقتصر دور الوزارة على الإشراف و المراقبة و التمويل فقط.
هذه اللائحة لم تكن لترى النور لولا رؤية واضحة و بعيدة المدى من قبل الوزير خوجة و قناعته بأن الثقافة لا تزدهر إلا في مؤسسات مستقلة حتى لو أتى ذلك على حساب تقليص صلاحياته المباشرة على تلك الموسسات،. لكن تلك الرؤية تصادمت أكثر من مرة مع ما نستطيع تسميته (الممانعة البيروقراطية) و التي مثلها وكيل الوزارة د. ناصر الحجيلان بامتياز في أكثر من موقف. و تلك الممانعة تأتي من قناعة المسؤول بأنه لازال يمارس سلطته كرئيس يقود مرؤوسين لا مراقب يتابع عملية انتخاب مستقلة، و عليه أن يلتزم حدود اللوائح و القوانين و لا يتعداها.
من الأمثلة المبكرة على ذلك الصدام بين الممانعة و الاستقلال التعميم الشهير الذي أصدره دكتور الحجيلان بتاريخ١٤-٦-١٤٣٢ (قبل أيام قليلة من بدء انتخابات نادي مكة) و الذي طلب فيه من الأندية قصر الترشح على الرجال دون النساء في مخالفة صريحة للائحة الجديدة، و لم تمض ساعات على انتشار خبر التعميم حتى عاد الوزير خوجة عبر صفحته في الفيس بوك و تويتر ليؤكد حق المرأة في الترشح و رفض إصدار تعميم جديد ليؤكد علو اللائحة على أي تعميم يخالفها. و لم تكن تلك آخر الممانعات فقد حرص د. الحجيلان على تكريس مبدأ الممانعة في كل مرة تحدث مواجهة أو مطالبة من الجمعيات العمومية بشيء تقره اللائحة و لا يقره هو ، و لعل إصراره على تطبيق التصويت الإلكتروني رغم معارضة معظم الجمعيات العمومية له أحد أبرز الأمثلة على تلك الممانعة. و تجلت أمثلة ممانعة أخرى أكثر تغولاً كتجاهل الرد على طعون أعضاء جمعية نادي أبها و تدوير المناصب في نادي مكة و غيرها من المواقف الفردية الصغيرة التي لا تدل بحال من الأحوال على أي تجانس في الرؤية بين معالي الوزير و سعادة الوكيل.
ختم الدكتور عبدالله حامد مقاله بالتلويح بالجوء للقضاء و سبقه د. المورعي برفع قضية احتجاجاً على إزاحته من منصبه. و القضيتان في نظري بغض النظر عن ملابساتهما تحققان مكاسب كبرى للثقافة و المثقفين إذ تؤسسان لبداية عهد جديد يكرس استقلال المثقف عن الوزارة و يلغي تبعيته لها و تجبر الوزارة على احترام القوانين كوسيلة و حيدة للتعامل بينها و بين الأندية كما أنها تعكس صورة جديدة للمثقف خلاف الصورة السائدة بأنه تابع للوزارة تنعم عليه بالدعوات و الانتدابات حين ترضى عنه و تحرمه منها حين تغضب عليه.