الجمعة، 16 أغسطس، 2013

يوتوبيا

يوتوبيا.. حيث الثراء و النفوذ و الأحلام الفارهة.
حيث كل شيء متوفر و رخيص بل و بلا ثمن يذكر..حيث يشعر أبناء الأثرياء بالملل من تلك الحياة الباذخة المرفهة، أبناء الأثرياء الذين يملكون اقتصاد البلد و تدفق عليهم الثروات بلا حساب.
حيث مراد بيه ملك الدواء و منصور بيه ملك الحديد و بقية الشلة وقد صنعوا عالمهم المثالي بعد أن ضاقت بهم الأرض و عافوا مجاورة الفقراء.
في عام ٢٠٢٣ م ستكون مصر قد انقسمت إلى جزءين، جزء مرفه نقي فاحش الثراء يسكن محمية خاصة في الساحل الشمالي يقوم على حراستها جنود متقاعدون من المارينز. و جزء آخر هو بيقية الشعب يعيش في فقر مدقع بلا حكومة أو خدمات تسيطير عليه البلطجة و الأمراض و يبيع كل ما هو متاح. في عالم يوتوبيا كما في خارجها لا قيمة للعلم أو المعرفة و الشيء الوحيد الذي لا يُسرق و لا ثمن له هو الكتب.
و لأن الشباب المدلل في يوتوبيا يشعر بالملل و لم تعد تشبع غرائزه كل الموبقات التي يرتكبها و لا كل المخدرات التي يتعاطاها لأنها أصبحت آمنة و رخيصة و بالتالي فقدت أهم ميزة جاذبه لها و هي الإثارة المصاحبة لها،و لذعة الخوف و الخطر من عواقبها. لذلك يقدم شباب يوتوبيا على عمل أكثر خطورة و يبعث على إثارة حقيقية، يجربون القيام برحلات (صيد) خارج يوتوبيا، يتسللون إلى حيث المدينة القديمة و الفقراء البائسون، يخطفون أحدهم و يعودون به إلى الديار، يتسلون بمطاردته و اقتاصه و لا بأس بتحنيط أجزاء من حثته على سبيل التفاخر!. هنا يقرر إبن مراد بيه أن يجرب حظه مثلهم، أن يغادر يوتوبيا ليذوق متعة الخطر و يعود بصيد من هناك، يصطحب صديقته و ينطلق، يتعثر في أولى خطواته و يكاد يقتل من قبل (الرعاع) قبل أن ينقذه جابر. جابر أحد هؤلاء الرعاع لكنه أكثر تحضراً، جابر يقرأ كثيراً في الكتب التي يجدها في القمامة، جابر مثل بني قومه فقير حاف و مشوه، لكنه لسبب ما يقرر أن ينقذ هذين الأحمقين القادمين من يوتوبيا، يبقيهما في بيته مدعياً أنهما من معارفه، و يدبر لهما خطه لعودة آمنه إلى الديار عبر أنفاق تحت الأرض، و قبل أن يودعهما عند نهايه النفق يقوم ابن مراد بيه بقتله و قطع يده ليصطحبها معه كتذكار يباهي به أفراد الشلة، فرغم كل شيء يظل جابر واحدا من الأغيار الذين لا يستحقون الحياة. يحتفل الشاب بعودته الظافرة لكن ما فعله كان الشرارة التي أشعلت الثورة خارج الأسوار، و خلال أيام تحتشد الجموع الغاضبة على الأسوار تطالب بالثأر، الجموع التي وصفت لزمن طويل بالخراف التي يستحيل أن تثور لكنها الآن و في لحظة نادرة قررت أن تفعل، الصخرة التي تحملت الكثير من الضربات قررت أن تتفتت عند الضربة الخمسين، ليست الضربة الخمسون هي من فعلت ذلك لكنه مجموع الضربات!.

هذا هو ملخص رواية صغيرة الحجم بعنوان"يوتوبيا" صدرت في عام ٢٠٠٨ للكاتب أحمد خالد توفيق، و كانت من الروايات التي تنبأت بثورة قادمة في مصر، رواية لا تخلو من أجواء كابوسية تحمل بصمة جورج أورويل في نسخة معاصرة لكنها صادقة و آسرة في ذات الوقت. لا تخبرنا الرواية بما سيجري بعد الثورة و لا بالمستقبل الذي ينتظر الفريقين و الذي يبدو للأسف أنه سيكون أكثر دموية و إثارة على أرض الواقع!

طبيب الأطفال.. و طبيب الوطن!

قبل أسابيع أصيبت طفلتي الصغيرة بعارض صحي، أخذتها إلى طبيبة في مستشفى حكومي فحصتها فحصا متعجلاً و قالت إن الموضوع بسيط و سيزول تلقائيا. حاولت مناقشتها بأن العارض يحتاج المزيد من التدقيق، و أنها لم تأخذ بالإعتبار باقي الأعراض التي تشتكي منها ابنتي. غضبت و أصرت على تشخيصها كأن كرامتها أهينت، لم أقتنع بتشخيص الطبيبة، خصوصاً و أن الشكوى تفاقمت، أخذت طفلتي إلى طبيب آخر مشهود له بالكفاءة في عيادة خاصة ، بعد إجراءات الكشف المعتادة، و طلبات طويلة من التحاليل و الأشعات، قال الطبيب بأن العارض الصحي ليس بسيطاً أو عابراً و أنه يحتاج تنويما في المستشفى و تدخلاً جراحياً سريعاً قبل أن تطرأ مضاعفات أكثر خطورة قد تهدد سلامة حواس الطفلة الصغيرة. أصبت بالحيرة و أخذت أتأمل الطفلة أمامي و هي تتحرك و تضحك، هل هي بالفعل في خطر؟ هل أغامر حين أعرضها للتنويم و التدخل الجراحي؟ أم أنني أغامر أكثر بصحتها إذا تجاهلت نصيحة الطبيب العاجلة. في غمرة حيرتي تلك أتاني ناصح يحذرني من الانصياع لـ(خرافات) الأطباء، و يوصيني بالذهاب لمعالج شعبي يستطيع علاج الحالة بالأعشاب و التدليك. ازدادت الحيرة و التساولات، هل فعلاً يستطيع التدليك و الأعشاب علاج حالة متقدمة أكدت التحاليل و الفحوصات ضرورة التدخل الجراحي فيها؟ بدا لي ذلك الرجل أشبه بكاتب صحفي شهير يحذر من كل شيء كما أن الحادثه ذاتها بدت لي قابلة للتعميم على نطاق أوسع لتشابه كل قضايا الوطن الملحة و المستعصية: البطالة، الفساد، العنصرية، التطرف..إلخ. ستجد الطرف الذي يميل للتهوين من المشكلة و وصفها بأنها حالة طبيعية في أي مجتمع و أنه لا داعي للمبالغة في التهويل. و ستجد طرفاً آخر يرى المشكلة بوضوح لكنه لا يريد و لا يؤمن بأي حل مكلف أو مؤلم و يفضل الحلول العاطفية الجاهزة، قلة قليلة خافتة الصوت معدومة الحيلة غالباً هي التي تنادي بالحلول الجذرية العميقة و المؤلمة. و في الغالب فلا أحد يستمع لها حتى تتفاقم المشكلة و تستعصي و يصبح الحل أكثر تكلفة و إيلاماً.
تأمل مشكلة البطالة على سبيل المثال، ستجد أصحاب الرد التهويني الذين يشبهون الطبيبة الحكومية: لا تبالغوا، لا تشوهوا سمعة الوطن، نحن بخير، الشباب كسول، و الوقت كفيل بحل المشكلة. و ستجد من يعترف بالمشكلة لكنه يريد حلاً سريعاً غير مكلف كالمعالج الشعبي فيقول لك: إن البطالة موجودة و حلها في زيادة الوظائف الحكومية و رفع الرواتب و ستنتهي المشكلة. قلة فقط الذين يتحدثون عن جذور المشكلة و عن اختلالات أنظمة التجارة و العمل و التعليم و عن تدخلات جذرية لازمة لتصحيح ذلك كله قبل الحديث عن التوظيف. هذه القلة غالباً متهمة بالتشاؤم و السوداوية أو عدم القدرة على الفهم.

كل هذه الآراء المتداخلة كفيلة بالتشويش على متخذ القرار، تماماً كما أصبت أنا بالحيرة مع ابنتي، لكن الله سلم و ألهمني استشارة طبيب بارع آخر أكد لي ضرورة التدخل الجراحي رغم مافيها من ألم، و قال إنه رغم صعوبة القرار إلا أنه ينبغي تنحية العاطفة جانباً و الشروع فيه. وهو ما تم بفضل الله.. اليوم و بعد مرور أسابيع على التجربة المؤثرة مع المرض بكل ما فيها من مواقف أشعرتني بالأسى و القلق على مستقبل و صحة أبنائي، إلا أنني أشعر بقلق أكبر على صحة وطني الكبير و أرجو الله أن يلهم المسؤول القرار الصحيح في علاج أمراضه قبل أن تتفاقم و يصبح العلاج أكثر صعوبة!

الصورة المهتزة في مصر!

كان مشهداً قصيراً من ثلاثين ثانية، صورة بعيدة مهتزة وأصوات مذعورة متداخلة ثم صوت يصيح بانفعال "أيوه أيوه..هوا دا". الصورة المهتزة تتركز على رجل في زي عسكري يقف فوق سطح مبنى مقابل و يصوب بندقيته في اتجاه اليسار، ثوان قليلة و يعود ليتلفت لوسط الكادر، يحدق في بؤرة الكاميرا ثم يوجه بندقيته نحوها، يطلق الرصاص و...و تختفي الصورة!.
هذا هو ملخص المشهد الذي نشره موقع جريدة التلغراف البريطانية يوم (٩-٧-٢٠١٣) ضمن تقرير عن مذبحة الحرس الجمهوري في القاهرة بعنوان"أحمد عاصم..المصور الذي وثق لحظة مقتله".
أحمد سمير عاصم شاب في السادسة و العشرين من العمر، ينتمي لأسرة ناصرية معارضة للإخوان، لكنه و بسبب شغفه بالتصوير التحق بجريدة الحرية و العدالة كمصور ميداني، يحتفظ عاصم حسب تقرير التلغراف بأرشيف صحفي من عشرة آلاف صورة رغم عمره القصير في المهنة، و كان موجوداً في ساحة دار الحرس الجمهوري ليلة المذبحة و صور فيلماً طويلاً مدته عشرون دقيقة يعد أحد الوثائق النادرة التي صورت الحادثة، و نشره الإخوان في موتمر صحفي ليثبت صحة روايتهم.
يضيف التقرير بأن أحد المعتصمين جاء يحمل كاميرا و جهاز هاتف محمول ملطخين بالدماء و سلمهما لصحفي آخر في الميدان و أخبره أنها تخص زميله الذي قتله قناص، كانت الكاميرا تحتفظ باللقطات القصيرة المهتزة التي تصور آخر لحظات من عمر أحمد قبل أن يلقى مصرعه على يد القناص الذي قام بتصويره.
سواء صحت رواية المعتصمين بأن الجيش و الشرطة هاجموهم وقت صلاة الفجر أو لم تصح، فإن سؤالاً يدمي القلب يتردد بصوت مجروح، مالذي يجري في مصر؟ كيف تحولت الثورة البيضاء النظيفة إلى هذا السديم من السواد و القبح؟ كيف يسيل الدم المصري الزكي بأيدي مصرية و لا يشعر أي أحد بالندم تجاه ما يجري؟ بل و تجد من يبرر لذلك الدم و يشمت فيه كأنه دم عدو من أعداء الله و الوطن.
ثمة فتنة قاتمة و غشاوة أعمت الكثيرين و جعلتهم يستهينون بالدماء و يبحثون عن مبرر لإراقتها، مهما كان عداؤك مع الآخر و مها بلغ فسادة و غباؤه في نظرك فإن ذلك لا يبرر إراقه دمه أو السكوت عن تلك الفعله. نحن بحاجة لشخص عاقل يخاطب حزبه بعقلانية و يقول لهم..
(نشوة الانتصار والتعالى والغرور التى نراها الآن بالإعلام الخاص هى ما أنهت سطوة الإخوان وأطاحت بشعبيتهم ونحن الآن نعيد نفس الأخطاء كأن لدينا ذاكرة السمكة.) و الكلام بين الأقواس لباسم يوسف المعارض رقم واحد للإخوان في مصر و الذي يضيف (أستطيع أن أكتب مجلدات فى مدى غباء الإخوان وافسادهم للدين والسياسة ولكن تلك معركة أخرى بأدوات مختلفة. ولكننا نخسر هذه المعركة قبل أن تبدأ لأن مدعى الحرية ومن كانوا يصرخون من فاشية وعنصرية الإخوان يساهمون فى إعادة التعاطف معهم ويمثلون عارا على مبادئ الحرية التى يتشدقون بها. نحن نتجه بامتياز لأجواء التسعينيات حيث ركنا إلى الحل الأمنى والتشويه الإعلامى وتركنا نارا تستعر فى الصدور وتطرفا يتزايد يوما بعد يوم.)”جريدة الشروق،١٦-٧-٢٠١٣".
للأسف مصر الآن تشبه كثيرا فيلم المصور القتيل، صورة مهتزة و قتلة بلا ملامح و أيد مجهولة خلف الكادر و الكثير من الذعر و الغموض يلف الأجواء.. و لازال للفيلم بقية!



قبل أن يعلن الجهاد في مصر!

سواء كنت ترى ما جرى في مصر انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان كما يراه المستشار القضائي القدير طارق البشري، أو كنت تراه ثورة شعبية ثانية كما يفعل معظم الإعلاميين داخل و خارج مصر، أو جتى كنت من القلة التي تراه حادثاً تاريخاً يقع في مرحلة ال(بين بين)، و يحمل شيئاً من ملامح الثورة و شيئاً من ملامح الانقلاب كما يقول المفكر المصري القدير أيضاً د. جلال أمين. سواء كنت تتبنى أي فكرة من تلك الأفكار المتناقضه فإنه ليس بوسعك و قد مر أكثر من أسبوعين على بداية الأحداث أن تنكر أنها أفرزت انقساماً حاداً في الشارع المصري، و أن صدعاً عميقاً آخذ في التفاقم في جدار الوطن الآمن. الاحتقان الحاصل في الشارع اليوم و الحشود المتعاظمة في الميادين و المواجهات الدامية التي أخذت في التتابع تمثل اختباراً حقيقياً لكل الشعارات التي رفعها متظاهروا لتحرير في الثلاثين من يونيو و للحكومة المؤقتة التي بدأت في التشكل و لقيادة الجيش التي أخذت زمام المبادرة و للإخوان و الإسلاميين بكل أطيافهم كذلك.
لقد راهن مناصروا التدخل العسكري على نفاذ صبر الإخوان و تراجع شعبيتهم، راهنوا على تاريخم القصير المخيب في الحكم و على انفضاض الناس عنهم سريعاً خلال أيام. لكنهم لم يعرفوا أنهم أشعلوا فتيلاً كان خاملاً، و أنهم عند قصد مسبق أو بدونه قد أوحوا للمحايدين و لمعارضي الإخوان من المتدينين أن النزاع الدائر هو حرب ضد الإسلام، و أن الثورة التي أرادها البعض ضد أخطاء و حماقات الإخوان تحولت في صورتها الذهنية إلى ثورة ضد الإسلام، لأجل ذلك خرجت الجموع و هي تنادي بالدفاع عن دين الله، و تدعو إلى الرباط في سبيله. ببساطة، لم يعد الموضوع موضوع شرعية مرسي أو فساد حكم الإخوان، تلك كانت مجرد الشرارة التي أوقدت الفتيل، الآن لدينا ملايين الغاضبين الذين يعتقدون أن الإسلام في خطر، و هناك أيد خفية كثيرها يهمها أن تستفز تلك الحشود الغاضبة لتدفعها للعنف و حمل السلاح، رغم إعلانها تمسكها بسلمية احتجاجاتها حتى الآن.أيد تمارس الاستفزاز بالكلمة و الصورة و الاعتقالات و حتى إراقة الدماء في انتظار اللحظة التي تبلغ فيها الحشود نقطة الهيجان.
كل الذي يحتاجه الوضع لينفجر بلا عودة هو مقطع مصور في اليوتيوب و شاب ملثم يقف أمام راية سوداء يتلو بياناً يعلن فيه الجهاد في أرض الكنانة ضد الكفار الذين اغتصبوا السلطة من الحكومة المسلمة و قتلوا الأبرياء و هم يصلون الفجر. صحيح أن مصر ليست العراق أو الجزائر، لكن الصحيح أيضاً أن لها تجربة مريرة في التسعينات مع الجماعات الإرهابية في الصعيد و الأرياف أسالت الكثير من الدماء.
على العقلاء أن يدركو جيداً أن انفجار الوضع ليس في صالح أحد سوى المخربين و اللصوص، على الجميع أن يعودوا لطاولة الحوار قبل أي حديث عن انتخابات أو حكومة، أن يقر العسكر و الليبراليين مشروع مصالحة وطنية شاملة تتراجع عن تعطيل الدستور و تعيد ضمان حرية التعبير و المشاركة للاسلاميين و تجرم من أراقوا الدماء و من حرضوا على ذلك و أن يقر الإخوان كذلك بصعوبة عودة مرسي للحكم مجدداً و أن يقبلوا بدعوة مبكرة لانتخابات رياسية تختبر صلاحيتهم و تفرغ حماسهم بعيداً عن دعوات الرباط أو مقاطع اليوتيوب.


مصر.. بين رمضاء الإخوان و نار الفلول

تنحية أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث حدث جلل،و رغم أن ترشيحه كان موضع تأييد الكثير من القوى المدنية (الشريفة) ضد الفلول في جولة الإعادة رغم خلافهم الجذري مع فكر الإخوان ، إلا أن تلك الشعبية سرعان ما تهاوت بفعل حماقات كثيرة ارتكبها التنظيم، لقد ركب الاخوان الثور الهائج و تم استدراجهم إلى المنحدر بمكر شديد من خصومهم، فأدوا أداء مخيباً في الشؤون الحيوية التي تمس المواطن البسيط و مزجوه بصلف و عناد جعلهم يكسبون عداوة كل الطيف السياسي الذي سبق و أن أيدهم بما فيهم السلفيين أنفسهم. اغتر الأخوان بقدرتهم على الحشد، و بانحياز نتائج الصناديق لهم في كل مرة يلجأون إليها، لأجل ذلك استخفوا بالمعارضة، و لم يأبهوا لكل الصرخات الهادرة التي كانت تشتكي من التجاوزات و الأخطاء فكانت النتيجة توحد المعارضة المكونة من نسيج لا يمكن أن يتجانس بين الفلول و الفاسديين و الشباب الثوري و الاطياف الأخرى ضدهم و هو إنجاز خارق قام به الإخوان في زمن قياسي.الملايين التي خرجت إلى التحرير معظمها لا يهتم بالدستور أو مدنية الدولة أو فاشية الإخوان. لكنهم خرجوا لأن حياتهم صارت أكثر صعوبة و تكاد تكون غير محتملة. في الوقت الذي يصر فيه الإخوان بعناد شديد على أن ما يجري هو أفضل ما يمكن و على رفض الإصغاء لكل نصيحة بحجة أن كل من ينتقد هو فلولي متآمر أو علماني يكره الإسلام و يرفضون حتى إقالة رئيس الوزراء الذي أجمع الجميع على فشله بما فيهم الاخوان أنفسهم.لا ننكر أن مرسي و الاخوان واجهوا حملة شرسة و متربصة و ممولة من الداخل و الخارج، و أن خصموهم التاريخين ركبوا موجة ٣٠ يونيو باحترافية و اقتدار. لكن ينبغي أن نذكرهم كذلك أنهم جعلوا مهمة المتأمرين أسهل بكثير و أنهم حولوا أوزاناً كثيرة من كفتهم إلى الكفة المقابلة نتيجة تصرفات عنيدة و حمقاء. حتى اللحظة الأخيرة كان بإمكان مرسي أن يفوت الفرصة على معارضيه، أن يفكك كتلتهم و ينقذ التجربة الديموقراطية الوليدة بأن يأخد مطالب المعارضين بجدية و واقعية، بأن يبكر بقبول إقالة الحكومة و الموافقة على الاستفتاء أو الانتخابات المبكرة، لا أن يتصلب متمترساً بالشرعية و هو يرى بوادر الانقلاب في الداخلية و القضاء والجيش و حتى مجلس الوزراء. لقد غابت الحنكة السياسية عن الإخوان فلم يقدروا حجم الموجة القادمة التي ابتلعتهم بلا رحمة، و أدخلت البلاد كلها في نفق الحكم العسكري مجدداً.
لكن رغم كل أخطاء الاخوان الجوهرية، إلا أن ما جرى من تدخل الجيش جر البلاد لبؤرة توتر لا يعلم منتهاها إلا الله، كان الأولى ترك الحراك الشعبي يثمر بطريقة سلمية بالضغط على الرئيس لتقديم تنازلات و إجراء استفتاء على بقائه و قد وافق عليها بالفعل يوم الإثنين كما روى فهمي هويدي في مقالته بجريدة الشروق (٣-٧-٢٠١٣) لكن بيان الجيش أجهض تلك المبادرة.
الآن على الجيش أن يواجه ملايين الإسلاميين الغاضبين الذين يعتقدون أن السلطة قد اغتصبت منهم و أنه بعد أن انسد طريق الصناديق أمامهم لم يبق لهم إلا المواجهة التي بانت بوادرها مبكراً.
مصر الآن تحتاج إلى وقفة الحكماء على الجانبين، حكماء يغلبون حقن الدماء على مصالحهم الحزبية الضيقة، و إلا أصبح المصريون كالمستجير من الرمضاء بالنار!



أحكام قتل المخالف!

هذه دراسة شرعية مؤصلة كتبها أستاذان يُدرِّسان في معهد للتعليم الديني و نشرت ضمن مطبوعات المعهد، دراسة أثنى عليها و زكاها عدد من رجال الدين و كتب مقدمتها قاض في المحكمة العليا، بل إن إدارة المعهد دافعت عن مضمون الدراسة بقولها "إن الكتاب يقوم بشرح جاد لمسألة في الشريعة، و إن الباحيثن كانا على قدر المسؤلية.. و كبار الدارسين يعرفون للكتاب مكانته العالية و إسهامه في أدب التشريع في العصر الحالي".
جاء الكتاب مقسماً لستة فصول كلها تتحدث عن أحكام القتل في ظروف مختلفة، بين السلم و الحرب، و لكن أهم النقاط المثيرة في الدراسة هي تلك التي تتحدث عن قتل المدنيين غير المحاربين و عن قتل الأطفال من أبناء الكفار، فتورد الدراسة في خلاصة الفصل الرابع"و على الرغم من ذلك فإن أي فرد ينتمي لشعب العدو يعد عدواً لأنه يساعد القتلة، و بالتالي يحل قتله، فقد وجدنا في الشريعة أن المخالفين بصفة عامة موضع شك و " كما يرى المؤلفان أنه يحل قتل أبناء الزعيم المعادي من أجل الضغط عليه، و إن كان قتل أطفاله سوف يردعه و يمنعه عن الشر فيجب عدم التردد في قتلهم!.
لا يؤتمنون على الدماء و بما أننا في حرب معهم فيحل قتل حتى الأطفال و الرضع الذين لم يقترفوا أي ذنب لأننا إن تركناهم فسوف يشكلون خطراً و سوف يصبحون أشراراً مثل أهليهم
و قد رفض الباحثان إجراء أي مقابلات صحفية لأنهما يرفضان التعامل مع الصحف العلمانية التي لا تلتزم بالشريعة!.
لعلك الآن تتساءل من هما هذان الباحثان؟ و إلى أي فكر متطرف ينتميان؟ و كم هو عدد الجماعات الإرهابية التي استخدمت تلك الفتاوى في جرائمها؟
حسناً لا تندهش إن قلت لك أن الباحثان هما حاخامان يهوديان مقيمان في فلسطين المحتلة، و أن بحثهما كتاب نشر بعنوان "توراة الملك..أحكام قتل غير اليهود"و قد استعرضت استاذة الدراسات التلموذية د. ليلى أبو المجد فقرات من الكتاب في مجلة وجهات نظر المختصة بالكتب (العدد١٣٥) و استعرضت كذلك ردود الفعل تجاهه في المجتمع اليهودي و الضجة التي رافقت صدوره، حيث قامت جماعة من دعاة السلام اليهود برفع قضية ضد المؤلفين في المحكمة بتهمة التحريض على القتل لكن المحكمة لم تلتفت للقضية، رغم أن عدداً من المستوطنين الذين ارتكبوا جرائم قتل ضد الفلسطينيين أقروا أنهم استندوا إلى فتاوى الكتاب و فتاوى مماثلة!.
كيف تتسامح محاكم إسرائيل الديموقراطية مع تيار متطرف بهذا الشكل؟ و كيف تسمح قيمها الغربية المتحضرة التي تتشدق بها بمثل هذه الجرائم الفكرية؟

الجواب يكمن في عبارة بسيطة "فتش عن العنصرية". العنصرية و ليس التطرف هو سبب جرائم العنف و القتل و الاضطهاد في أي مجتمع، سواء كان المجتمع متديناً محافظاً أو ليبرالياً منفتحاً، ديموقراطياً أو دكتاتورياً، غنياً أو فقيراً. العنصرية عندما تتغلغل في مجتمع ما تقوم بنزع الصفة الآدمية عن بعض أفرادة و تعطي تصريحاً ضمنياً للمتطرفين بالبطش بتلك الفئة تحت مختلف التسميات سواء كانت باسم الدين أو العرق أو الجغرافيا. لذا تجد ذلك التطابق المذهل في اللغة و المصطلحات بين المتطرفين في مختلف الأديان و المذاهب لأن دافعهم الحقيقي ليس الدفاع عن الدين بل الدفاع عن أفكارهم العنصرية التي تنكرت في لباس الدين.



ماي لاي و النحاس الأخضر!

ثمة قصتان تستحقان الاهتمام، قصتان متشابهتان إلى حد كبير، رغم تباين الزمان و المكان بينهما، قصتان رغم أن إحداهما لا تخصنا بشكل مباشر، إلا أن كليهما مفيدتان جداً في ضرب المثل على معنى كلمة (صحافة) و (صحفي حر) في مواجهة التضليل و التعمية مهما كان مصدرهما.
نبدأ بالقصة الأحدث،في عام ٢٠٠٤ ، في العراق تحديداً، و بينما يحتفل جورج بوش الإبن بما وصفه النصر الباهر للديموقراطية، و اقتلاع الديكتاتورية من الشرق الأوسط، بدأت سلسلة مقالات و تقارير تنشر في الولايات المتحده عن فظائع ارتكبها جنود الاحتلال في سجن أبو غريب، الفظائع كانت موثقة بال"النحاس الأخضر". كانت تلك التقارير فضيحة مدوية ألقت بأثرها على كل إداره بوش و تسببت في إسقاط رؤوس كبيرة بينها وزير الدفاع ذاته. و جعلت الإدارة الأمركية تنغمس في التبريرات و مواجه استجوابات الصحافة و الرأي العام لفترة طويلة أدت إلى انهيار الدعم الشعبي لعملية الاحتلال و رحيل الجمهورين عن الحكم.
صور و الشهادات، و ما لم يعرفه كثير من الناس أن ذلك التعذيب لم يكن وليد نزوات الجنود المتحمسين بل جزء من خطه منهجية و ضعها وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد من أجل انتزاع الاعترافات و تحطيم مقاومة المعتقلين سبق و أن استخدمت في أفغانستان و جوانتانمو و سميت ببرنامج "النحاس الأخضر". كانت تلك التقارير فضيحة مدوية ألقت بأثرها على كل إداره بوش و تسببت في إسقاط رؤوس كبيرة بينها وزير الدفاع ذاته. و جعلت الإدارة الأمركية تنغمس في التبريرات و مواجه استجوابات الصحافة و الرأي العام لفترة طويلة أدت إلى انهيار الدعم الشعبي لعملية الاحتلال و رحيل الجمهورين عن الحكم.
القصة الثانية حدثت قبل أربعة عقود، عام ١٩٦٩ تحديداً، فرقة غاضبة من الجيش الأمريكي في فيتنام قررت أن تنتقم لبعض خسائرها من الثوار، قام قائد الفرقة بمحاصرة قرية تدعى ماي لاي، من الوهلة الأولى اتضح أن القرية خالية من المقاتلين و أن كل سكانها من النساء و الأطفال و كبار السن لكن ذلك لم يمنع الجنود من اقتحامها بل زاد من سعارهم، جمع الجنود السكان خارج المنازل، ثم قامو بإحراقها، اغتصبوا الفتيات، قتلوا السكان جميعاً، تنوعت أساليب القتل بين الذبح و الحرق و إطلاق النار العشوائي، و مع نهاية الهجوم تمت إبادة القرية بشكل كامل. تم التكتم على الخبر، حتى تمكن صحفي شجاع من جمع خيوط القصة و بادر بنشرها، كانت صدمة مدوية، أثارت ردود فعل عنيفة، و أعطت دفعة قوية للحملة المناهضة للحرب، و أخضع قائد الفرقة للمحاكمة التي قضت بسجنه مدى الحياة.
حسناً، قد يبدو الرابط بين القصتين هو بشاعة و همجية الاحتلال الأمريكي رغم البروباجندا التي تروج له، ذلك صحيح ولا شك ولكن الرابط الأهم و الأعمق هو أن من فضح ذلك الجيش في كلا المرتين هو الصحفي ذاته، صحفي أمريكي يدعى "سيمور هيرش"، صحفي مستقل يكتب في صحافة بلاده، ورغم إحراجه لحكومه و جيش بلاده بتلك الفضائح لم يخون و لم يعتقل، بل تم تكريمه بعدد لا يحصى من الجوائز. سيمور هيرش رغم أنه يعد أقلية وسط التيار السائد إلا أنه يمثل المعنى الحقيقي للصحافة المستقلة كسلطة رابعة، سلطه أمينة على المجتمع تراقب أداء المؤسسات الحكومية و تكشف انحرافها. سلطة بمثابة إشارة مرور حمراء تمنع التجاوزات على الطريق أياً كان مستخدم ذلك الطريق.
إن أهم مقاييس تحضر المجتمعات ليس في نظافة شوارعها أو انسيابية مرورها أو علو و جمال مبانيها،بل هو في قيم احترام الحكومات لضوابط القانون، واحترامها لاستقلالية صحفها التي تراقب تطبيق ذلك القانون.



فساد أم نقص كفاءة؟

أثارت موجة السيول الأخيرة التي غمرت عدداً من المدن في البلاد حملة انتقادات عنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الفساد الذي نتج عنه ضعف البنية التحتية و انهيارها بسبب قطرات من المطر. إلا أن كاتباً اقتصادياً شهيراً، له عدد كبير من المتابعين و له برنامج تلفزوني يذاع في قناة اقتصادية انتقد تحميل الفساد وحده مشكله سوء تصريف السيول و كتب ما مفاده (هل كل مشاكل السيول سببها الفساد؟ أليس هناك اسباب أخرى كانعدام الكفاءه و سوء التدبير؟)
يبدو السؤال للوهلة الأولى وجيهاً، فلماذا نحمل الفساد وحده كل مشاكلنا؟ أليس من الممكن أن تنتج تلك المشاكل بسبب قرارات خاطئه اتخذت بحسن نية؟ قرارات قد يكون سببها نقص الخبرة أو نقص المعلومة أو غياب الإبداع و ليس نية التربح و الإضرار بالآخرين؟ ألسنا نواجه في حياتنا اليومية على المستوى الفردي أمثلة مشابهة؟ ألسنا نغفر لأشخاص زلات و أضرار تسببوا بها لأننا نعرف أنهم اتركبوها بحسن نية؟.
لكن هل يصلح تطبيق هذه الأمثلة على الدول؟ هل يمكن أن تتخذ دولة ما قرارات خاطئة لأن شعبها أقل ذكاء و حكمة من الشعوب الأخرى؟
هذا السؤال المحير طرحه (تيم هارفورد) في كتابه (المخبر الاقتصادي) و ليحصل على جواب شاف قرر أن يقوم بزيارة لأحد أكثر دول العالم فساداً و هي الكاميرون و التي يتراوح تصنيفها بين المركز الأول و الخامس على قمة الدول الفاسدة، يقول هارفورد: بإمكان أي زائر للكاميرون يرى الفقر و سوء الخدمات أن يهز كتفيه و ينسب ذلك إلى حمق شعبها الذي لا يحسن التدبير و لا يملك الكفاءات، لكن الصورة الحقيقة أكثر تعقيداً، ففي الحقيقة الشعب الكاميروني ليس أكثر ذكاء أو أكثر غباء من باقي الشعوب، و مستوى دخل المواطن الكاميروني يتضاعف عشرات المرات بمجرد هجرته و حصوله على عمل خارج البلاد، إذن أين يكمن الخلل؟
يضرب المؤلف مثالاً بمدرسة نموذجية قرر زيارتها هناك، المدرسة تحظى بدعم لا محدود من الحكومة و يدرس فيها أبناء المسؤولين، في وسط الفناء هناك بناء ضخم من طابقين لمكتبه، مكتبه وصفها بأنها أسوأ مكتبة في العالم!.لماذا؟ لأن سقف المبى صمم على شكل كتاب مفتوح يشبه حرف (v) مما جعله مصفاه كبيره لتجميع الأمطار التي تصب بشكل مباشر داخل المبنى و الذي تحولت أرضيته الداخلية إلى مستنقعات و برك و تلفت جدارنه بالكامل. و الأعجب أن مديرة المدرسه قررت بناء المبنى دون حاجة فعلية له حيث أن لديها مبى آخر للمكتبه يتسع لثلاثه أضعاف الكتب الموجودة. لماذا فعلت ذلك؟ لأنها رغبت في تحويل المدرسة إلى جامعه، فقررت بناء مبنى لا تحتاجه، و لأن لا أحد يراقب النفقات أو سلامه المخططات بسبب المحسوبية كانت تلك هي النتيجة، إهدار للموارد و بناء عديم الجدوى دون أن تُحاسب أو تُعاقب المديرة ذات النفوذ
يضيف هارفورد: (المسؤولون الطموحون الذين يشغلون مناصب حكومية و يسعون وراء مصالحهم الخاصة موجودون في كل مكان في العالم، لكن في كثير من البلدان تنجح القوانين و الصحافة و المعارضة الديموقراطية في وضع هؤلاء تحت السيطرة و لكن المأساه في الكاميرون هي أنه لا يوجد شيء يضع المصالح تحت السيطرة)

ترى إلى أي حد نشبه الكاميرون؟ و ما مدى قدرة قوانيننا و صحفنا على كبح جماح الفساد؟ أخشى أن تكون الإجابة مرعبة!


العبارات باللون الأحمر لم تنشر في الجريدة!

لعنة "البروباجندا"!

تفتح جهاز التلفزون، تنطلق الموسيقى الحماسية، و صوت المذيع المتأنق يتخللها و هو يردد، مالذي تنتظر؟ اتصل الآن لتحقق حلمك، الملايين بانتظارك. صور متتابعة لنقود تنهمر من السماء، و وجوه سعيدة منتشية، يفترض أنها لفائزين سبقوك بالاستجابة للنداء الساحر.
أنت تعرف أن تلك المسابقة أقرب إلى عملية نصب فاخرة، لكن الصوت الملحاح يطاردك، الابتسامات السعيدة، و الحلم الذي ربما يتحقق بحصولك على الملايين الكفيلة بحل جميع مشاكلك تجعل قناعاتك تهتز، و كل مره يتكرر فيها الإعلان، ينمو شرخ جديد في قناعاتك الثابتة، حتى تنهار تماماً بعد عدد لابأس به من التكرار، و تجد نفسك متقبلاً فكرة الاتصال التي لا ضرر منها و التي ربما تحقق حلمك البعيد. ذلك السيناريو الذي نتعرض له جميعاً كل يوم هو مثال عملي مصغر لمصطلح "البروباجندا".
و كي لا نخوض كثيراً في التعاريف الجامدة للبروباجندا فيمكنك اعتبارها أي محاولة للتأثير على الأفراد عن طريق الدعاية المضللة أو المنحازة و غير الموضوعية. تلك البروباجاندا قد تكون تجارية محضة كالإعلانات التي تحاصرك كل يوم، وهي رغم فجاجتها تظل أقل ضرراً من الأنواع الأخرى للبروباجندا كالسياسية أو الثقافية أو الدينية، فالأخيرة تتسلل إليك من حيث لا تشعر و تؤثر في قراراتك و أفكارك و توجهاتك، بل و في تحديد مصيرك. تتسلل إليك عبر نشرات الأخبار التي تعاد صياغتها بطريقة احترافية أو.. غبية!، عبر البرامج الحوارية التي يستضاف فيها شخصيات شهيرة تكرر رسائلها بأساليب مؤثرة، عبر عناوين الصحف و المقالات التي تصر على إقناعك بذات الفكرة و أنه لا صواب سواها.
لكن كيف تعرف الفرق بين الحقيقة و بين البروباجندا؟ بين المعلومة التي تزيدك وعياً و العبارة التي تخدرك و تغيب ذلك الوعي؟
يمكنك الاستدلال على البروباجندا بالتعرف على بعض الأساليب التي يمارسها عرابوها، فصانعوا البروباجندا يميلون غالباً إلى مخاطبة العواطف بدلاً من العقل، لذلك تجدهم يجيدون شيطنة و تشويه الأفكار الأخرى، يجيدون التهويل من المصير المظلم لو خالفتهم، يركزون على مهاجمة مصداقية المنافسين بدلا من مناقشة أفكارهم.
صانعوا البروباجندا حريصون على ربط أفكارهم بشخصيات محبوبة و ذات شعبية، و إن عدمت تلك الشخصيات فلا بأس من الاستعانه بالسلطة و تصويرها كداعم لا محدود لأفكارهم و عدو لكل من يخالفها.
مروجوا البروباجندا يفهمون جيداً نفسية الجماهير، لذا يركزون على عبارات الأمن و الأمان، و اختيار الجماعة، و الفرقة الناجية بغض النظر عن من تكون تلك الفرقة الناجية. و لأنهم يركزون على العواطف فهم يفضلون أن يمنحوك إجابات بسيطة و حاسمة لكل الأسئلة، إجابات من طراز أبيض أو أسود معنا أو ضدنا و هذا خير و ذلك شرير.ثم وذلك هو الأهم فإنهم لا يملون تكرار ذات الفكرة، التكرار هو اللمسة السحرية التي تأتي بالعجائب.
تأمل الآن يا صديقي هذه الأساليب و تذكر كم مرة مورست أمامك،تذكر مواقف كثيرة لاتحصى في المشهد المحلي تمت فيها تنحية العقل جانباً و تقديس البروباجندا، مواقف مضت كفتنة تعليم البنات، و فتنة البث الفضائي. و مواقف معاصرة و مواقف ستأتي في المستقبل..

في أحيان كثيرة تكون البروبجندا هي سبب كوارثنا التي نعيشها.. و كم هو سهل أن نتجنبها لو قررنا فقط أن نبتعد قليلاً عن صخب القطيع و أن نستخدم المادة الرمادية التي تسكن جماجمنا في الحكم على المواقف و الأحداث!