الثلاثاء، 27 مايو، 2014

كائن لا تحتمل فتنته!

هل تعرف أم كلثوم؟
سؤال ساذج ولا شك. من الذي لا يعرف كوكب الشرق، ذلك الصوت العميق المثقل بالأحاسيس.
«إنت عمري، ألف ليلة وليلة، أغداً ألقاك، ويا فؤادي لا تسل أين الهوى..».
ذلك الثوب طويل الأكمام والنظارة السوداء التي تقيها وهج مصابيح المسرح الباهرة والمنديل المزركش الذي تعتصره وتلوِّح به وهي تغني وسيل الآهات المتواصل الذي لا ينقطع من الجماهير المنتشية..
هل تعرف أم كلثوم حقاً..؟
ستكتشف أنك لا تعرفها بالفعل عندما تقرأ هذا الكتاب، ليس سيرة ذاتية لها، فلا شيء من أحداث حياتها لم يُروَ، لكنه قصة عن العاشق الذي صنع مجدها ورضي أن يتوارى في ظلها العظيم بلا أمل.
غصة خانقة في حلقك.. شعور بالعجز والمرارة يتزايد مع كل صفحة تقلِّبها. لا تعرف إن كنت ترثَى لحال المسكين الذي يروي الحكاية أو تعتب عليه، ذلك الذي وقع ضحية حب قاهر لا يجرؤ على إتمامه ولا التخلي عنه. ألم الوقوف خلف الباب الموارب أملاً في الدخول.. لكن العمر يمضي ولا شيء ينبئ بالسماح.. يعتاد تلك الوقفة الحائرة بين الخوف والرجاء.. ثم الركون والرضا بما هو كائن حتى وإن كان قاتلاً.
تحار كذلك مع حال تلك الفاتنة الطموح، القادمة من «طماي الزهايرة» متنكرة في زي فتى لتقرأ التواشيح والأشعار في الموالد، وكيف تحولت إلى كائن متطلب لا يشبع، يسخِّر كل مشاعره وذكائه وعلاقاته لأجل شيء واحد هو خدمة موهبته.
لم يكن أحد مفتوناً بحنجرة أم كلثوم أكثر منها، ولم يكن أحد يعشق غناءها بشغف و شهوانية أكثر مما تفعل هي.
هل أحبَّت أحمد رامي؟ هل أحبت رجلاً ما يوماً؟
أم إنها استخدمت الجميع قنطرة طويلة لتعبر فوقهم تجاه المجد الذي حلمت به وتحقق لها في نهاية المطاف؟
هذه رواية عن تلك الأشياء التي تحسُّ ولا تقال.. عن تلك الأحداث التي يعتقد الجميع أنهم يعرفونها جيداً، لكنهم في الحقيقة لا يدركون منها إلا السطح الظاهر فقط.
عن السيدة القاهرة والعاشق المتبتِّل.. عن فتنة التعلق بالمستحيل.. عن ألم انتظار ما نعرف يقيناً أنه لن يأتي.
لكننا نواصل الانتظار..!
بانوراما فاتنة لحياة حافلة يرويها العاشق الذي لم ينل منها سوى الوجع والدموع، رواية باذخة كتبت على لسان أحمد رامي، يحكي فيها بلغة شاعرية رقيقة وحزينة قصة الحب المستحيل بينه وبين فاتنته وكيف ظل هو وغيره من الرجال رهباناً في محراب موهبتها تُمنِّيهم جميعاً بقرب الوصال ويعلمون يقيناً أنهم لن ينالوه، لكن سلواهم هي اقترابهم من الحِمى لصاحبة الصوت الذي هز أركان قلوبهم وأركان الدنيا من خلفهم ومازال يفعل حتى اليوم.
صدرت الرواية للمرة الأولى باللغة الفرنسية للروائي سليم نصيب تحت عنوان «أم» وهو الاسم المختصر لأم كلثوم في فرنسا، وترجمت للعربية بعنوان «كان صرحاً من خيال».
لقد كان خيالاً بالفعل.. لكنه أكثر قوة وحضوراً وإيلاماً من كل من صنعوه على أرض الواقع ورحلوا!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٩٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٤)

رسالة إلى صديقي الملحد!

(إلى صديقي المؤمن الذي كان يصلي و يصوم و يتابع حلقات عمرو خالد، ثم هاجر إلى بلاد بعيدة و عاد ليكتب لي أنه لم يعد يؤمن بالأديان السماوية!)

صاحبي.. مالذي غيرك؟
مالذي خدر الحلم في صحو عينيك..
من لف حول حدائق روحك هذا الشرك؟*
....
....
يا صديقي.. كنت قد و عدتك أن لا أتدخل في اختياراتك، أن لا أناقشك في ما تراه شأناً يخصك وحدك. طلبت مني أن أتعامل معك كما يفعل هؤلاء الغربيون المحترمون الذين لا يسألون أحداً عن دينه، و لا يعاقبون أحداً بسبب اعتقاده. و ها أنا أخلف وعدي لأنني أحبك!

لن أناقشك بمطق عقلاني، و لن أسوق لك الحجج و البراهين في انتظار أن تأتيني بحجج مضادة، لكنني سأطرح عليك بعض التساؤلات الصادقة و الصادرة من أعماق قلبي.
ألم تحدثني طويلاً من قبل عن قسوة الحياة؟ عن قبحها و ظلمها و جورها على الضعفاء و المساكين؟ عن قسوتها التي لا ترحم؟ عن الوحشة الهائلة التي تملأ فراغ هذا الكون الفسيح؟
أخبرني فقط – و أنا أتساءل هنا بكل صدق الدنيا و فضولها- كيف يمكن لحياة كهذه أن تغدو محتملة بلا إيمان؟ بلا يقين بأن هناك قوى عليا رحيمة بنا نلجأ إليها بالدعاء؟ بلا اعتقاد راسخ بأن هذه الحياة القاسية ليست سوى فصل من الرواية لا الرواية كلها؟
كيف يمكن أن يحتمل القلب كل هذا الفراغ و الوحدة و البرودة و الصلف في الكون الشاسع لو لم يؤمن بأن هناك من يرافق القلب و يرعاه و يهدهد وحدته؟
أخبرني كيف استطعت أن تمحو من وجدانك بلا ألم كلمات مثل خشوع، و تضرع و إخبات و مناجاة و توبة؟
أي قوة اكتسبت لتصنع تلك الحجب الكثيفة بينك و بين السماء فحرمت نفسك من نظرة حالمة نحوها في ساعة رجاء؟
يا صديقي أنا لا أحدثك هنا عن المذهب الصحيح أو المذهب الخاطئ، لا أحدثك عن العبادة أو الصلاة، لا أحدثك عن الجنة أو النار. أنا فقط أتساءل.. هل يستطيع قلبك المرهف أن يصمد وسط هذه العواصف دون أن يشعر بالخذلان؟ بأن لا أحد يأبه به سواء ظَلَمَ أو ظُلِم، أعطى أو أخذ، جنى أو تجنى. سواء كان نسمة رقيقة أو دخاناً أسود؟
لا تجبني الآن.. و لا تناقشني..فقط اخل بقلبك و اسأله مالذي يفتقد.. و لماذا يشتاق؟ و أرجو أن تكون قويا بما فيه الكفاية لتمنحه ما يريد!

ـــــــــــــــــــــــ
*الأبيات من قصيدة وضاح للشاعر محمد الثبيتي.



في عتاب من رحلوا..!

لم تكن القسوة من طبعكم يوماً.. لكن كأن حبكم و لطفكم كان سداً يحجز سيل الأسى الجارف الذي انطلق هادراً بمجرد رحيلكم
أي قسوة تلك التي تجعلكم تغلقون في وجوهنا أبواب غرف قلوبكم الدافئة، تحملون مفاتحها و ترحلون..و تتركوننا لبرد الانتظار الذي لا يرحم.!
ترحلون بلا سابق تمهيد و لا تلويحة وداع.. تحملون حقائب البهجة و أثواب السعادة معكم و لا تتركون لنا سوى مرارة الذكريات.

ترحلون فتتركون في زجاج الروح شرخاً و في رغيف القلب قضمة و في محجر العين دمعة لا تنطفئ.
تحملون بعضاً منا معكم فنظل في حيرة الفقد و فتنة السؤال و متاهة البحث عن ضمادة توقف نزيف الجرح الذي لا يندمل
ما عادت الدنيا من بعدكم كما كانت.. تشرق الشمس وتتفتح الأزهار و تغرد العصافير و لكن لا بهجة ضياء هناك و لا طرب ألوان و نغم هنا. ثمة شيء قد ذهب، شيء سلب الحواس قدرتها على تذوق النشوة، على الاستمتاع و البهجة، كل الألوان تضاءلت لتصبح بين الأسود و الرمادي، و كل الأنغام تلاشت لتصبح أقرب لنواح مرير لا ينقطع.
مالذي فعلتموه بنا بذلك الغياب الأقرب للخديعة؟ لستم أنتم من بدلتم الدار و السكن؛ بل نحن.. نحن الذين أصبحنا غرباء و أيتام في دار تبدو كأنها ذات الدار، و شوارع تتظاهر بأنها ذات الشوارع و زوايا لم نعد نعرفها رغم أنها تتدعي العكس. كل شيء تنكر لنا برحيلكم و أصبح نائياً و بارداً، و ها نحن نعود أطفالاً صغاراً ضلوا الطريق في يوم مزدحم و ينتظرون أباهم كي يعود و يجدهم..لكننا نعرف أن لا أحد سيعود.. و أن غربتنا و اتظارنا دائمين كلعنة لا تزول!
.......
.......
لا شيء في الدنيا يشعرني بمدى ضعفي و يتمي و قلة حيلتي مثل "المعلاة"*.. فرغم الشيب الذي يغزو قلبي لازلت أشعر كلما دخلتها أنني ذات الطفل التائه الذي دخلها قبل ثلاثة عقود و هو يركض جاهداً للحاق بجنازة أبيه و يتخبط بين السيقان و لا يشعر به أحد.
لا زلت أشعر بذات الغصة و ذات الحيرة وذات الفقد ..بذات العتب على أبي الذي مضى سريعاً و تركني بعيدا خلفه لا أكاد أدركه.
رغم كل تلك السنوات، لازلت أخشى المعلاة..لازلت أستشعر قسوتها و وحشة رمالها، فكلما وطأتها بقدمي أعود و قد فقدت بعضي في جوفها .. أخرج أشكو ألم الجراح الغائرة.. الجراح التي التي على عمقها و اتساعها....لا يكاد يراها أحد!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المعلاة: مقبرة لأهالي مكة قرب الحرم