الأحد، 14 يونيو 2026
لماذا أفعل ذلك ياجدتي؟
لا أذكر كم كان عمري وقتها بالتحديد، بإمكاني أن أخمن لكنني لست متحمساً لأفعل، رغم أنني أتذكر عمر أخي الأصغر بوضوح، كان ضئيل الحجم و قصيراً لا يتجاوز الثامنة من العمر.. أو ربما السابعة. كان الليل يوشك على الانتصاف ومنزل جدتي مضاء بالكامل، كل حجرات الدار مفتوحة تغص بالزائرين و بعض من فاضت بهم الدار افترشوا الارض المقابلة للمنزل وجلسوا في سكون. كان من الممكن للمنظر أن يبعث البهجة في نفوسنا كأطفال، فوجودنا في بيت جدتي وحده كفيل بخيالات كثيرة عن المرح القادم و الحلوى المخبأة في دولاب المطبخ و النقود المطوية بحرص في حقيبتها و التي تكتسي برائحة الفوفل و اللبان والتي تفوح عندما نتشممها في سعادة.
كل شيء كان من الممكن أن يوحي بالبهجة مع الجموع الكثيرة التي ملأت البيت و الوجوه الودودة التي تبتسم في وجهنا و تربت على رؤسنا و تمنحنا بعضاً من المال أيضاً. لكنها اليوم لا تفعل!
إنهم يربتون على رأسي ورأس أخي اليوم بحنان أكبر لكن بوجوه متجهمة خالية من الابتسامة يتمتمون بكلام مبهم عن الله الذي سيتولانا ثم يشيحون بوجوههم.
أنا أعرف ما يعنون و أعتقد أن أخي يفهم قصدهم كذلك، إنهم يعنون أبي الراقد في حجرة الضيوف منذ العصر. لقد جاؤوا به من المستشفى و مددوه هناك.. عندما دخلت لرؤيته وسط نحيبهم وجدته نائماً في سكينة، عيناه مغمضتان في استسلام، و ملامحه تعطي انطباعاً بالراحة كأنه يقضي قيلولته بعد عودته من عمل شاق، قبلت جبهته فأحسست ببرودة جسده واستغربت من القطن و الشاش الذي لف حول رأسه.
كنت كثيراً ما أتباهى أمام أخي بأنني الكبير و بأنني أفهم أمور الكبار أكثر منه.. لكنني بدوت في تلك اللحظة عاجزاً عن الفهم.. كان الحدث أكبر بكثير من أن أستوعبه بمشاعري كان عليه أن يتكرر بعد ذلك في وجداني ملايين المرات لأستوعب فداحته، لذلك لم تستجب مدامعي بشكل كاف للمفاجأة. صحيح أنني بكيت كثيراً عند رأس أبي النائم، و أن شخصاً ما ناولني مصحفاً وطلب مني قراءة القرآن عليه بدلاً من البكاء.. أذكر أنني ظللت أقرأ وسط دموعي و دموع الآخرين من حولي لكن عقلي لا زال ينكر ماحدث، لا بد أن تأتي ساعة و ينفض السامر و نعود إلى منزلنا البعيد، لقد اشتقت لحجرتي و سريري اشتقت لدراجتي و كرتي. لابد ان يتنتهي هذه الفوضى بطريقة ما و نعود إلى منزلنا.
سحبتني يد مشفقة إلى خارج الحجرة و وجدت نفسي في الشارع مع أخي و عدد من الصبية من أبناء الأقارب و الجيران الكل ساهر رغم تأخر الوقت انتظاراً للذهاب إلى الحرم لأداء الصلاة و الدفن.
سرعان ما تجمع حولنا الصبية يبدون تأثرهم و تعاطفهم كان بعضهم يحدق في الأرض و يتمتم "الله يرحمة"
الباقون اكتفوا بالنظرات الشاردة. ولأننا أطفال لم نستطع الاحتفاظ بجو الحزن طويلاً، فسرعان ما ابتعدنا عن أنظار الرجال المتجمهرين في الشارع و أخذنا في اللعب.. بدأنا نركل علبه مشروبات غازية باستحياء ثم دبت فينا الحماسة فأخذنا نركض خلفها في خطوات أوسع ثم بدأت أصواتنا تعلو شيئاً فشيئاً حتى اندمجنا تماماً في المباراة. كانت مباراة غريبة بعض الشيء فأنا لا أشعر بالحزن بقدر ما أشعر بعوارض خطر ما قادم، خطر عاتٍ و مدمر لكنني عاجز عن تفاديه كنت أشعر أنني أطارد العلبة البرتقالية وسط الشارع و شاحنة كبيرة قادمة من بعيد توشك أن تدهسني، لكنني لا أفكر في الابتعاد و أصر بحماسة غريبة على مطاردة العلبة، أعرف أنني سأموت و سأتفتت إلى قطع صغيرة و ربما سأمر بألم بشع لا يطاق لكنني عاجز عن الابتعاد، عاجز عن إيقاف المطاردة بل ربما و بشكل غامض تمنيت أن تكون هناك شاحنة حقيقية و أن تدهسني بالفعل ربما كنت سأتخلص من ذلك الثقل الذي أحاط بي.
بعد جولة قصيرة من الركض كنا على أعتاب المتجر العملاق الذي لا يغلق أبوابه أبداً و كانت زيارته في الأيام الخوالي إحدى المتع التي نجنيها من زيارة جدتي كان منظر بوابته الفخمة المضيئة و الرفوف الممتدة بلا نهاية إلى الداخل و البضائع الزاهية الألوان فوقها كل ذلك كان انتهاكاً صارخاً لحزني الوليد.. قدم عملاقة تدهس الرضيع الصغير بلا رحمة و لا أحد يلحظ صرخاته المكتومة. استغرق الامر لحظات قصيرة لكنها موجعة حتى صمت الحزن الوليد و قبضت يد خفية عملاقة على معصمي و قادتني إلى الداخل.
في الداخل كان كل شيء يستفز الألم مجدداً الثلاجة الكبيرة بالمشروبات الباردة التي تستعرض اسقامة قوامها في فخر. الثلاجة الأرضية و أقماع الايسكريم المتلاصقة ..الرفوف الحمراء و الخضراء و الزرقاء و أطنان الحلويات بقراطيسها الزاهية. كانت تلك المباهج أكبر من احتمالي حتى لو لم استوعبها بشكل واضح..تراجعت عن ذلك العرض المبتذل و سبقت البقية الى باب الخروج قابلت أخي الأصغر وهو يهم بدفع ثمن حلوى حامضة يحبها كثيراً التقت عينانا بنظرة محملة بالإثم..تمتم بصوت منكسر "بابا مات" هززت رأسي موافقاً و أشرت له بيدي كي يتم الشراء مددت يدي الى الحامل القريب و التقطت النسخة المصرية من مجلة ميكي. لست أدري حتى اليوم لم فعلت ما فعلت ترى أكانت رغبة في مشاركة أخي ذلك الشعور بالإثم بشكل عملي؟ أم تصرفاً لا شعورياً للهروب من الواقع
.........
.........
كانت ليلة طويلة تلك أطول كثيراً من قدرتنا على السهر.. لذلك كانت افكارنا مشوشة عندما أيقظونا على عجل للذهاب .. تولت خالتي مساعدتي على تغيير ملابسي و ارتداء الثوب الأبيض، كنت أحتفظ بالمجلة مطوية بين ثيابي لذلك اعرضت عنها و القيت المجلة خلف دولاب قريب بسرعة على أمل أن لا تلاحظني ربما لاحظت ذلك لكنها لم تعلق و عندما فرغت مني و التفتت الى أخي لتنزع ملابسه وجدته يدس في كفي خلسة قرطاس الحلوى و يسحب يده سريعاً قبل أن تلاحظ خالتي.
.....
.......
مابقي من الرحلة ظل حتى اليوم فوق قدرتي على الاستيعاب استعيده في كل يوم عشرات المرات وكأنه حزن طازج لا يندمل، يتوارى قليلاً خلف حدث صغير عابر و يوهمني بالنسيان لكنه يعود ليتفجر فجأة كمئات البراكين الثائرة في قلب جبل جليدي.. كل دقيقة من المشهد تعاد بكامل تفاصلها من مختلف الزوايا كأنها عملية مونتاج لفلم صوره مخرج بارع لا يرغب في فقد أي من لقطاته .. الظلام الذي غمر الشارع و الجثمان الذي يركب الاسعاف و الصوت الحاد الذي يهتف وحدوووووووه والهمهات الخافته بـ لا إله إلا الله.. صراخ النسوة و نحيبهم و إطلالة جدتي من خلف الباب تراقبنا و نحن نبتعد بالجثمان. الشيخ بن حميد و هو يصلي على أبي و شعوري نحوه بالامتنان لأنه أطال الصلاة خصوصاً بعد التكبيرة الثالثة. الركض نحو المقبرة والنعش الذي يحمل أبي يمضي سريعاً و أنفاسي الصغيرة تتهدج عاجزة عن اللحاق بالناس أرجوك يا أبي لا تسرع و انتظرني قليلاً كما كنت تفعل دائماً. اختراق السوق المسقوف و مبنى البريد و حلويات ابو نار كل تلك المشاهد كانت تطبع في شريط ذكرياتي للمرة الأولى لتبقى إلى الأبد .. القبر المفتوح و العامل الاسيوي الذي يرتدي الإزار و يقف مفرجا بين ساقيه على حافتي القبر..الزحام الشديد و أحدهم يسأل عن البرسيم و الورد..النعش يقترب من الفتحة و يد حنونة تجذبني بعيداً إلى ما خلف الحشود لكنني أسمع الحوار الكئيب عن إنزال الجثمان و توجيهه نحو القبلة و وحدووووه هادئة و أقل حدة هذه المرة... قبلات و دموع وشمس بدأت ترسل شيئاً من تعاطفها للصبي الغافل..كان المشهد كله أشبه بجرعة من السم البطيء ..البطيء جداً و الذي يتغلغل في الخلايا خلية خلية حتى ينشر الألم .. ولا زال يفعل ذلك كل يوم و على مدى السنوات.. تقول جدتي بأننا قد كبرنا و أصبحنا رجالاً و تجاوزنا سن اليتم.. تقول بأننا نشأنا أفضل من كثير من الأولاد الذين لم يفقدوا آباءهم..لكن جدتي لا تخبرني لماذا رغم الشيب الذي احتل رأسي أشعر بالخوف من المشي في شارع غزة و لماذا أشعر انني طفل صغير تائه كلما دخلت باب المعلاه ولا تخبرني لماذا امتنع أخي عن تناول الحلوى الحامضة التي يحبها منذ ذلك اليوم .. ولا لماذا أشعر برغبة حارقة في البكاء كلما شاهدت النسخة المصرية من مجلة ميكي معروضة في أي مكان....ترى لماذا أفعل ذلك يا جدتي؟
الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019
هل أنت راضٍ عن ذاتك؟
ما هو رأيك في نفسك؟ تأمل انعكاسك قليلاً في المرآة، لا تلتفت لنضارة بشرتك وتسريحة شعرك والتجاعيد الصغيرة التي ظهرت مؤخراً تحت عينيك. تجاهل كل ذلك قليلاً وانظر في وجهك مباشرة كأنك تخاطب إنساناً آخر منفصلاً عنك، حدق في تلك العينين خلف الزجاج، وتساءل بينك وبين نفسك، ما هو رأيك في ذلك الواقف هناك؟ هل يبدو لك أهلاً للثقة؟ هل هو شهم كريم صادق يقول كلمة الحق ولو على نفسه؟ هل هو شجاع لا يتردد عن مواجهة الخطأ؟. لا تتسرع في الحكم من فضلك، فكلنا نملك صورة إيجابية عظيمة عن أنفسنا، كلنا نرى أنفسنا نقية كريمة وشجاعة، ونجد مختلف المبررات لأفعالنا في أي موقف يواجهنا، علماء النفس يقولون إن ذلك شيء طبيعي كي يسمح لنا بأن نتعايش مع الحياة ونملك الدافع لمكابدتها والمنافسة على مكاسبها شريطة أن لا يؤدي ذلك لتضخم الذات والانفصال عن الواقع والدخول في دوامة الوهم.
تأمل ذلك الوجه المحدق عبر الزجاج مرة أخرى، استرجع آخر مأزق خضته مؤخراً، استرجعه بحيادية كأنه لا يخصك ويخص ذلك الواقف هناك، اسأله هل كان ما فعله مبرراً أخلاقياً؟ هل تلك التجاوزات الصغيرة التي ارتكبها مقبولة كي ينجو من الضرر أو كي ينال المنفعة؟ ربما تقول وما المانع من تجاوزات صغيرة، كذبة بيضاء على رئيسك في العمل، تخطي إشارة حمراء لا رقيب عليها، واسطة عند أحد المعارف لتسريع معاملة قبل الآخرين، وربما غض النظر عن تجاوز هنا وتجاوز هناك في المقابل، وتمضي الحياة بلا عقد.
قد يكون ذلك صحيحاً من الوهلة الأولى، لكن إن تأملته بتدقيق أكبر ربما يصبح مزلقاً مراوغاً يصعب الإفلات منه، تراكم التنازلات الصغيرة عن المبادئ يجعل التمييز لاحقاً بين ما هو صغير وما هو كبير أكثر صعوبة، ويجعل المرء في حالة رخاوة مزمنة لا يقوى بعدها على الصمود عند امتحان ثباته على المبادئ الكبرى.
ثمة قصة جميلة كتبها الكاتب الإنجليزي روبرت بولت عن حادثة حقيقية وقعت في إنجلترا في القرن السادس عشر، كان هنري الثامن هو الحاكم في ذلك الوقت، وكانت زوجته عاجزة عن إنجاب ولي للعهد ووريث للعرش، ولأن الكنيسة الرومانية التي تتبع لها إنجلترا لا تجيز الطلاق في ذلك الوقت لجأ هنري الثامن إلى مستشاريه طالباً النصيحة. فأشاروا عليه بخلع التبعية لروما وإعلان نفسه كمرجعية دينية للبلاد وليطلق ويتزوج كما يشاء. أعجب الحاكم بذلك الرأي وبدأ يطالب أصدقاءه ورجال البلاط بتأييد القرار، كان من بين الحاشية فرسان شجعان، وقادة جيوش وقضاة ونبلاء وقساوسة وتجار وكلهم كانوا يعرفون أن ما يفعله هنري الثامن هو تجديف وعبث خطير بالقيم بمقاييس ذلك الزمان، لكنهم جميعاً آثروا الصمت بل والمباركة والتأييد، شخص واحد فقط خرج عن الدائرة هو قاضي القضاة والصديق المقرب للملك، رجل وديع مسالم لا يملك سوى سمعته وإيمانه بمبادئه، حاول الملك في البداية أن يغريه بالمناصب فاعتذر بأدب، عزله عن وظيفته وأملاكه فواصل الصمت، لم يكن في أي لحظة داعياً للمعارضة أو للخروج على الحاكم لكنه في نفس الوقت كان يحترم مبادئه ويتحفظ عن تأييد ما حصل، لكن حتى ذلك الصمت لا يعجب حاشية الملك التي باعت مبادئها مبكراً وباتت تشعر أن موقف القاضي محرج لها وفاضح فتقرر كسر إرادته بشتى الطرق، يتم استدعاؤه للتحقيقات، لكن لا جريمة في القانون تجرم الصمت فيتم اختراع قانون عجيب يلزم كل المواطنين بأداء القسم بأن هنري الثامن هو المرجعية الدينية للبلاد فقط؛ كي يجدوا مبرراً لسجنه عندما يمتنع، لكنه حتى في سجنه يصيبهم ثباته بالجنون، يحاولون الضغط عليه بأفراد عائلته الذين يحبهم، يمنحونه الوعود بالخروج واستعادة ما مضى بمجرد أن يوافق لكنه رغم هزاله وضعفه الشديدين ورغم شخصيته الهادئة المهذبة يمتنع عن التراجع أو التنازل، تتهمه ابنته بأنه يلقي بنفسه للتهلكة بحثاً عن بطولة زائفة، فيخبرها أنه لا يفكر لحظة واحدة في ذلك، وأنه لم يخلق ليكون بطلاً، و لو استطاع أن يهرب من السجن لهرب وطار نحوهم، لكنه لا يستطيع أن يبات ليلة واحدة وهو خائن لضميره، وهو الشيء الوحيد الذي يجعله يتحمل البقاء.
وبالفعل تضيق الأرض بما رحبت بكلمة صدق واحدة مهما كانت خافتة، ولا يستطيع النفاق بكل جيوشه وجبروته أن يتجاهل رجلاً وحيداً يقول لا. فيقرر الجميع إعدام الخائن وقطع رأسه على المقصلة أمام الجماهير، لتسيل دماء الرجل الوحيد الذي قرر ألا يخون مبادئه مداناً بالخيانة العظمى.
تأمل مرة أخيرة وجه صاحبك في المرآة، واسأله هل هو صادق وشجاع فعلاً؟ ترى ما هو الثمن الذي لديه استعداد كي يدفعه للدفاع عن مبادئه عندما تمتحن؟
لا تنتظر الإجابة الآن لأنها صعبة، أطفئ النور وانصرف في هدوء.
في هدوء وكثير من التواضع من فضلك!
الأربعاء، 14 أغسطس 2019
كي لا تكون تعيساً مثل "ماتيلدا"
ثمة قصة قصيرة شهيرة وممتعة للكاتب الفرنسي موباسان، يعرفها معظم محبي القصص حول العالم، تحكي القصة حكاية ماتيلدا، الزوجة الجميلة ذات الطموح، التي لا يعجبها أحوال زوجها المادية، وتتمنى أن تعيش عيشة الأثرياء أصحاب الجاه والنفوذ، يحاول زوجها أن يرضيها، ويشبع رغباتها قدر استطاعته، وينجح ذات يوم في أن يحصل على بطاقة دعوة إلى حفلة في منزل الوزير، لا تشعر ماتيلدا بالسعادة لتلك الدعوة، لأنها لا تملك ثوباً فخماً يليق بالحفل، فيجتهد زوجها ويشتري لها ثوباً فاخراً، يُرضي غرورها الأنثوي، لكن تبقَّت لديها مشكلة المجوهرات، فهي لا تملك مجوهرات ثمينة مثل باقي النساء المدعوات من المنتميات إلى الطبقة المخملية، هنا تتذكر إحدى صديقات طفولتها الثريات، فتطلب منها أن تعيرها شيئاً من حليها لتحضر بها الحفل، تعرض صديقتها «صندوق جواهرها» لماتيلدا، فتختار عقداً ماسياً في علبة مخملية فخمة الصنع، وتكتمل سعادتها بحضور الحفل في أبهى زينة، وتلفت لها أنظار الجميع في سهرة امتدت حتى اقتراب الفجر، ولكنها تكتشف عند عودتها إلى المنزل أنها فقدت العقد الثمين من صدرها، يجن جنونها، وينزل زوجها للبحث عن العقد في الطريق، وفي عربات الأجرة، وفي كل مكان، دون جدوى، و»يسقط في أيديهما» إذ لابد أن يعود العقد إلى صاحبته، وبعد أن يفشلا في العثور عليه، يقرران شراء عقد شبيه بالأول، ويفاجئهما ثمنه المهول، الذي يفوق قيمة مدخراتهما بأضعاف مضاعفة، لكنهما يشتريانه بدين ذي فائدة فاحشة، ويعيدانه إلى صاحبته دون أن تلاحظ الفرق، وتبدأ رحلة الشقاء لسداد الدين الكبير، فيتخلَّيان عن شقتهما الواسعة، ويسكنان في غرفة متواضعة «فوق السطوح»، وتتخلى ماتيلدا عن الخادم، وعن مظاهر الرفاهية، وتعمل في أعمال يدوية متعددة مع زوجها لسداد الدين، ونتيجة لذلك الشقاء تفقد جمالها، ورقتها القديمتين، وتصبح امرأه خشنة أشبه بالعمال. وذات يوم، وبعد عشر سنوات من الشقاء، قابلت ماتيلدا صديقتها القديمة، التي أعارتها العقد صدفة في السوق، وبعد أن أبدت صديقتها عجبها من حالها المزري، الذي آلت إليه، حكت لها ماتيلدا قصة العقد المفقود، والخراب الذي حلَّ بها وزوجها بسببه، هنا فغرت صديقتها فاهها دهشة، وسألتها: هل اشتريتِ عقداً ماسياً بديلاً لعقدي الضائع؟ فأجابتها ماتيلدا: نعم. أجابت صديقتها بدهشة: ولكنه عقد من الماس الصناعي الرخيص، ولا يساوي إلا فرنكات قليلة يا ماتيلدا!.
طبعاً لا شيء يمكن أن يصف مقدار الحسرة والألم الذي ستعيشه ماتيلدا، وهي تكتشف أن عمرها وشبابها ومالها قد ضاعوا على عقد مزيف لا يستحق، وأنها أفنت عشر سنوات من حياتها تكد وتتعب دون داعٍ.
تكمن رمزية القصة وجمالها في أن كل واحد منا لديه عقد شبيه بعقد ماتيلدا، ربما يكون في معتقد خاطئ، أو علاقة فاشلة، أو وظيفة غير مناسبة. كلنا يخوض يومياً عشرات المعارك الصغيرة والكبيرة، ويستهلك كثيراً من طاقته وعافيته ووقته وماله دون أن يسأل نفسه: هل ما أدافع عنه حقيقي؟ هل هو ذو قيمة فعلية؟ وهل يستحق الثمن الذي أدفعه لأجله؟
ربما قد حان الوقت لنجلس جلسة فحص دقيق لكل ما نملك من أفكار وعلاقات ومشاريع، ونتأكد أيها الحقيقي الذي يستحق، وأيها المزيف الذي حان التخلص منه قبل أن يصبح مصيرنا مثل مصير ماتيلدا صاحبة العقد
السبت، 2 مايو 2015
الجمعة، 1 مايو 2015
رعب الصفحة البيضاء
هذا رعب من نوع
خاص.. رعب لا علاقة
له بالظلام والأشباح والأرواح الهائمة.
رعب لا تشاهده في الأفلام المصنفة
للكبار فقط و لا تقرأ عنه في الروايات
وقصص المغامرات المثيرة.
رعب لادماء فيه ولا أسلحة ولا أمعاء
تتمزق ولا صرخات فزع أو احتضار..
رعب نظيف هو..رعب
ناصع البياض..لكنه
البياض الذي يهز عمود تماسكك الداخلي
ويصيبك بذعر أقرب للشلل.
رعب الصفحة البيضاء
ينتقي الكتاب والمبدعين تحديداً، ويصيبهم
جميعاً في أوقات مختلفة ودرجات متفاوته
فلا يكاد ينجو من قبضته أحد، و إن كانت
بطشته قاتلة في بعض الأحيان ولا شفاء
منها.
أصعب لحظات الإبداع
و الكتابة هي تلك اللحظة التي يواجه فيها
الكاتب مرآة الصفحة الخالية أمامه، عندما
يقرر أخيراً أن يحول كل ما يدور في ذهنه
وقلبه من صور وخيالات وأحلام وهواجس إلى
نص مكتوب.. لحظة
خاصة جداً يتداخل فيها الشغف والحماسة
والتوجس والخوف والقلق والرعبة الحارقة
في البوح. خليط
حاد وحارق من المشاعر يعرف إحساسه وطعمه
كل كاتب مارس الكتابة ذات يوم..
تلك اللحظة الخاصة جداً رغم حدتها
واشتعالها هي ما يمنح الكاتب-
أي كاتب- شعوره
الداخلي بالغرور والرضا عن النفس.
ذلك التوازن الدقيق بين الرهبة و
الرغبة ولحظات التردد و الحيرة ثم انفجار
السد وجريان النهر واسكاب المعنى في قوالب
الكلمات هي لحظات الإبداع التي تُشعر من
يجترحها أنه اقتربَ و دنى وذاقَ الثمرة
المحرمة التي لم يطعمها سواه إلا قليل.
لكن تلك اللحظات
على سحرها لاتخلو من مكر و لؤم.
فهي لا تسلم قيادها لمن اعتقد أنه
يملكها فتهجره و تتوارى عنه في اللحظة
التي يعتقد أنها أصبحت من عاداته و طوع
بنانه. يواجه
الكاتب صفحته البيضاء و ينتظر ذلك الدفق
الحارق في العروق و السيل الجارف من
الأفكار..ينتظر..وينتظر
..و يطول انتظاره
و لاشيء يأتي. يخادع
نفسه قليلا، يخط سطوراً باردة لعلها تستحث
البقية لكنه يدرك سريعاً أنه يخادع نفسه
و أن مايكتبه مجرد زجاج بارد لا جواهر
حقيقية صهرتها نار الإبداع.
يعود ليمزق ماكتب، يتعاظم بياض الصفحة
أمام عينيه ليصبح حائطاً مهولاً يستحيل
اجتيازه، تزحف قبضة باردة لتعتصر قلبه
ببطء، يشعر أنه سجين معزول عن العالم وأن
كل تلك الحظات الحميمة صارت وهماً بعيد
المنال و أنه سيبقى هنا خلف الجدار الأبيض
حزيناً بائساً لا يدري أحد بمدى غربته
وفقره وعوزة وقلة حيلته.
كم تستمر أوقات
الرعب تلك؟ هل يصمد الكاتب أمامها حتى
تأتي لحظة الفرج وينهار السد الأبيض؟ أم
أنه سيستلم و يتوارى هرباً من رعب الصفحة
البيضاء؟
سعداء الحظ من
الكتاب وحدهم من يملكون ترف الإجابة!
في طريق الأذى
لم يكن المشهد
السياسي معقداً و ملتبساً بهذا الشكل في
ذلك الوقت، لم تكن هناك ثورات و ثورات
مضادة. لم تكن
هناك دول مفككة وجماعات مسلحة ورهائن
يذبحون على الشاشة ثم يتطور الذبح ليصبح
عملية شواء تبث مباشرة عبر الشاشات.
كانت الأمور أكثر بساطة و أقل تشابكاً
قبل أن تبدأ أحجار الدومينو في التهاوي
في سلسة سريعة بدأت في ذلك اليوم المشهود..يوم
الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ والذي لم يعد
عالمنا بعده كما كان قبله أبداً، ولن
يعود.
مكالمة غامضة على
هاتف جوال لصحفي تلفزوني بدأ يشق طريق
الشهرة ببرنامجه الناجح على قناة مثيرة
للجدل، يلتقط الرجل بحسه الصجفي طرف الخيط
من مكتبه في لندن، اتصال ثم رسالة فاكس
أكثر غموضاً، ثم رحلة عبر المجهول إلى
كراتشي في باكستان، كانت أشهر قد مرت على
حادثة سبتمبر، والعالم يراقب لهاث
المخابرات الأمركية وهي تبحث عن طرف خيط
يدلها على الفاعلين بلاجدوى.
يصل الصحفي إلى المطار و يتوجه إلى
فندقه وينتظر، مكالمات غامضة وتوجيهات
أقرب لأحداث فيلم سيء الإخراج، سيارة
مجهولة تقتاده إلى مكان مجهول وعصابة
تغطي عينيه، ثم يجد نفسه فجأة في عرين
الأسد وجها لوجه مع من خططا ودبرا أحداث
الحادي عشر من سبتمبر ليقضي معهما يومين
كاملين، ويصور بكاميرا غير احترافية أول
لقاء يتحدث فيه مباشرة من قاموا بتلك
المهمة الصادمة.
كان ذلك هو يسري
فودة الصحفي بقناة الجزيرة وهو يقابل
رمزي ابن الشيبة و خالد شيخ محمد أخطر
مطلوبين للاستخبارات الأمريكية ويقضي
ليلته في ضيافتهما و يعود إلى لندن محملاً
بكنز من المعلومات لم تكن تملكه اجهزة
استخبارات أقوى دولة في العالم وحلفاوها
مجتمعين.
في كتابه"
في طريق الأذى"
الصادر حديثاً عن دار الشروق، يروي
يسري فودة تفاصيل تلك الرحلة المثيرة و
يكشف عن خبايا وتداعيات ماحصل بعد ذلك
وكيف تسرب الخبر للاستخبارات الأمريكية
عبر قناة الجزيرة، وكيف قابله أمير قطر
شخصياً ليطلب منه أشرطة التسجيلات التي
قام بها. وكيف
انقلبت الدنيا عليه بعد ذلك عندما تم
القبض على خالد شيخ ورمزي ابن الشيبة في
وقت مقارب لتاريخ بث المقابلة والبرنامج
و تم اتهامه بشكل مباشر بالإيقاع بهما.
تفاصيل ممتعه
ومثيرة يرويها الكتاب في جزئه الأول قبل
أن يخوض في سياق مغامرة أخرى خاضها المؤلف
في عام ٢٠٠٦ في جزئه الثاني عندما حاول
العبور إلى بغداد عبر سوريا على خطى
المجاهدين و مقابلة زعيم إحدى التنظيمات
المقاتلة في العراق لكن الرحلة كادت أن
تودي به نحو الهلاك فعاد أدراجه بعد أن
جاب نصف العراق برفقة الدليل و بعد أن مرت
فوق رأسه طائرة وزير الدفاع الأمريكي
ذاته وأوشكت على قصف السيارة التي يستقلها.
كتاب جميل يستحق
القراءة والاقتناء، لكنه لا ينفك يثير
التساؤل عن مصير يسري فودة نفسه وأين أصبح
بعد كل تلك القصص المثيرة والواعدة!
أبعدَ الأربعين اغترارُ؟
ثمة شيء ما يتعلق
بسن الأربعين، كأنه نقطه يفقد المرء فيها
اتزانه لبعض الوقت، يدرك متأخراً أنه
تجاوز مرحلة الصبا والشباب دون أن يشعر،
أن القطار المزدحم بالأمنيات و الأحلام
قد أبطأ من سرعته و أن محطة الوصول قد
اقتربت كثيراً. يدرك
أن كلمة "المستقبل"
لم تعد شيكاً مفتوحاً في وجه القادم
من الأيام وأن ما لم يحققه أكثر بكثير مما
حققه و أقل بكثير مما كان يحلم به.
ذلك الرقم المميز تحديداً أصاب
الشعراء والأدباء جميعاً بالصدمة، كلهم
ارتطموا بحائط الأربعين الخشن الذي يعترض
درب أحلامهم وجموحهم، كلهم خربشوا شيئاً
من خواطرهم على أحجاره الصلبة، خربشات
قلقة وساخطة أحياناً كثيرة، وهادئة
ومتأملة أحياناً أقل.
لكنهم جميعاً يُجمعون على الإحساس
بالخديعة، بالدهشة و الاستلاب، وكأن
الشباب كان حقاً أبدياً لهم و أستيقظوا
فجأة ليجدوه قد فارقهم بلا عودة، فتجد
فاروق جويدة يناجي أمه:
الطفل يا أماه
يسرع نحو درب الأربعين..
أتصدقين؟
ما أرخص الأعمار
في سوق السنين!.
و ها هو غازي
القصيبي يقف حائراً أمام بوابة الأربعين:
وها أنا ذا أمام
الأربعين .. يكاد
يؤودني حمل السنين
تمر الذكريات رؤى
شريط .. تلون
بالمباهج والشجون
إذا ما غبت في طيف
سعيد .. هفت عيني
إلى طيف حزين
......
......
أطالع في المودع
من شبابي .. كما
نظر الغريق إلى السفين
وارتقب الخبء من
الأماسي .. بذعر
الطفل من غده الخؤون
و ليست مناجاه
الأربعين حكراً على الشعراء المعاصرين
وحدهم فها هو أبو فراس الحمداني يتحسر
على أيام الشباب و الغزل التي ولت بعد
بلوغه الأربعين فيقول متسائلاً في مطلع
قصيدة طويلة يسرد فيها بطولات شبابه مع
الحسان:
وقوفك في الديار
عليك عارُ .. وقد
رُدَّ الشبابُ المستعارُ
أبعد الأربعين
محرمات .. تماد
في الصبابة، واغترارُ؟
لكن لحسن الحظ
ليست كل الوقفات أمام الأربعين متشائمة
بهذا الشكل فنجد "عباس
العقاد" يلخص
حاله في الأربعين بكلمات متزنه مقطرة
بالحكمة:
"كنت
في العشرين كالجالس على المائدة وهو يظن
أن أطايب الطعام لا تزال مؤخرة محجوزة
لأنه لم يجد أمامه طعاماً يستحق الإقبال...فهو
لهذا يزهد فيما بين يديه ويتشوق لما بعده
حتى إذا أشفق أن ينهض جائعاً تناول مما
بين يديه باعتدال فأمن الجوع وأمن فوات
المقبل الموعود"
ولا شك أن أجمل و
أبرع وأشمل و أرق وصف وصفت به سن الأربعين
هو ماذكره العلي القدير في كتابه الكريم
حين قال ".. حتى
إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب
أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى
والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في
ذريتي إني تبت إليك وإنني من المسلمين"
فهي سن اكتمال
الرشد والقوة و ذهاب الطيش وتجديد التوبة
و استشعار نعمة الله فيها وهي سن يتلذذ
المرء بالجمع فيها بين بر الوالدين و
تربية الذرية وطلب صلاحها ومن ثم إدراك
فضل التواضع في الانتماء لجماعة المسلمين
دون تعالٍ أو غرور.
في ذكرى صاحب الحلم

"لدي
حلم بأن يأتي يوم يعيش فيه أطفالي وسط شعب
لا يُحكم فيه على الناس بلون بشرتهم بل
بما تنطوي عليه أخلاقهم"
وسط جمع هادر وتحت
سماء غائمة وقف يخطب بلا وجل، يخطب في شعب
مقهور يعاني الظلم والاضطهاد منذ عقود
ويتوق للانتقام واستعادة حقوقة بأي ثمن.
لكنه اختار طريقاً صعباً، صعباً على
أصدقائه وعلى أعدائه في ذات الوقت.
لقد اختار أن يناضل وأن يطالب بحقوقه
و حقوهم بلا عنف وبلا دماء، وقف يخطب خطبته
الحلم أمام أكثر من ربع مليون متظاهر
خرجوا يشتكون ظلم الدولة الكبرى التي
حاربت في كل أركان الأرض دفاعاً عن الحريات
لكنها ظلمت أبناء شعبها واضطهدتهم.
"لدي
حلم بأنه في يوم ما سيستطيع أبناء العبيد
السابقين الجلوس مع أبناء أسياد العبيد
السابقين على منضدة الإخاء"
لم يكن يستحضر في
ذهنه ليال السجن و أيام الاعتقال، لم يكن
ليبالي بالتهديدات والاستفزازات، لم
يلتفت ولو قليلاً لحملات التشويه والتشكيك
التي لحقت به و بمن معه من المناضلين.
كان العنف و الدم
والترهيب يلاحقه في كل خطوة يخطوها، في
كل موعظة يلقيها، في كل مظاهرة أو تجمع
أو اضراب. ألقوا
القنابل على بيته وكنيسته و مدارس أطفاله.
حرقوا ونهبوا ممتلكات الفقراء من
أتباعه، لعله ينهار أو ينزلق نحو العنف
فيسهل القضاء عليه لكنه ظل صامداً حتى
النهاية.
"لدي
حلم بأننا سنكون قادرين على شق جبل اليأس
بصخرة الأمل. سنكون
قادرين على تحويل أصوات الفتنة إلى لحن
إخاء عذب..بهذا
الإيمان سنكون قادرين على العمل معاً
والصلاة معاً والكفاح معاً والدخول إلى
السجون معاً والوقوف من أجل الحرية معاً
عارفين بأننا سنكون أحراراً يوماً ما"
كانت قضيته واضحة
وضوح الشمس، رفع الظلم عن الملونين،
وتحقيق المساواه بين الأبيض والأسود.
ورغم بداهة وبساطة ماطالب به إلا أنه
-صدق أو لاتصدق-
كان يعتبر جريمة في أمريكا بلاد
الحرية قبل خمسين عاماً فقط!.
هذه الجريمة قادته
إلى السجن بتهم عدة منها تأليب الرأي
العام، وتعطيل العمل و مصالح الدولة.
كما أن مدير جهاز المباحث الفيدرالية
تفرغ لمطاردته والتجسس عليه وتشويه سمعته،
ولفق له تهماً بأنه شيوعي وزير نساء.
ولكن كل الطرق فشلت في حجب صوت الحقيقة
الذي ينادي بها عندها كان لابد من إسكاته
بالطريقة التي لاتخيب أبداً...الاغتيال.
في الرابع من
أبريل عام ١٩٦٨ أطلق قناص عنصري النار
على مارتن لوثر كنج وهو يهم بإلقاء إحدى
خطبه ليروي بدمائه آخر فصول كفاحه العظيم
ضد العنصرية ويجبر حكومة الولايات المتحدة
على توقيع قانون يجرم التفرقة بين المواطنين
بناء على لونهم أو جنسهم وليتردد صدى
أمنيته الكبرى..
"دعوا
الحرية تدق..من
كل قرية و كل ولاية..عندها
سيكون اقترب اليوم الذي يغني فيه كل
الأطفال مهما اختلفت أجناسهم أغنية الزنجي
القديمة.. أحرار
في النهاية..أحرار
في النهاية شكراً يارب العالمين..
نحن أحرار في النهاية!”
الخميس، 16 أبريل 2015
أحزان الشيطان!
جدلية العلاقة بين الإنسان والشيطان واضحة ومحسومة بنص القرآن الكريم، فإبليس عدو لآدم وذريته، احتقره وأبى أن يسجد له وجعل مهمته التي قبل أن يدخل النار بسببها هي إغواء بني آدم ودفعهم إلى سبيل الهلاك. وللأدباء على مختلف مشاربهم التقاطات بارعة في تناول شخصية الشيطان الذهنية وتطويعها لتكون نصاً أدبياً مدهشاً ولافتاً، تحضرني هنا روايتان تناولتا شخصية الشيطان بطريقتين مختلفتين جداً لكنهما تتفقان في ذات المغزى، الرواية الأولى للكاتبة البريطانية ماري كورللي، التي تتحدث عن أديب بالغ الفقر ولم يكن يجد قوت يومه، فتهبط عليه فجأة ثروة من السماء، وفي ذات الوقت يظهر شخص غامض في حياته ويصبح مرافقاً شخصياً له، ذلك الشخص الغامض بالغ الثراء والوسامة، ويقدم له نصائح مالية مربحة جداً، لكنه في ذات الوقت يزين له فعل أمور مشينة بطريقة غير مباشرة، وشيئاً فشيئاً يتدخل في كل تفاصيل حياته حتى يصبح شخصاً آخر مختلفاً تماماً عن الفقير الحالم الذي كان، ورغم الثراء والجاه الذي حازه إلا أنه يكتشف أنه تعيس جداً وأنه فقد موهبته الأدبية وأن زوجته تكرهه بعنف، وعندما يبدأ بلوم صديقه الغامض يصارحه الأخير بالحقيقة، فيقول له أنا لا سلطان لي عليك، أنت الذي تختار وأنت الذي تقرر، كل رذائلك هذه كانت مخبوءة داخلك وقد أظهرها المال فقط للعيان كي تعرف حقيقة نفسك، لكنني أمنحك فرصة أخيرة للتراجع. هل تنوي التراجع لتعود كما كنت قبل أن تعرفني؟ ورغم حيرة البطل لكنه يختار الإيمان، فيختفي صديقه الغامض وتتبخر الثروة معه فيعود فقيراً مُعدماً، لكنه سعيد باسترجاعه إنسانيته. في الرواية الأخرى (الجسم الكروي) الأكثر عصرية التي كتبها المؤلف الشهير مايكل كرايتون صاحب رواية «الحديقة الجوراسية» يكتشف سلاح البحرية الأمريكي سفينة فضاء غارقة في قلب المحيط، وتدل طبقات النباتات والتربة التي نمت فوقها أنها ترقد هناك منذ أكثر من 300 عام، أي قبل أن يخترع البشر أول طائرة بمحرك، فضلاً عن أن يفكروا في غزو الفضاء، يقوم فريق علمي بالغوص داخل الأعماق والتجول داخل السفينة، هنا يجدون حاسوباً كبيراً متطوراً على شكل كرة عملاقة، ويتفاجأون بقدرة الحاسوب على التجاوب معهم ومحاورتهم، وفي ذات الوقت تتكرر معهم حوادث مريبة داخل السفينة، وبتطور الأحداث يكتشفون أن ذلك الجسم الكروي يستطيع قراءة أفكارهم والتلاعب بهم، بل ولديه القدرة على تجسيد خيالاتهم الشريرة على أرض الواقع، فإذا تمنى أحدهم في خياله أن يحدث مكروه لزميله داخل السفينة فسرعان ما ينفذ الحاسوب ذلك، أي أن الحاسوب عاد هنا ليجسد فكرة الشيطان الذي يحمِّله البشر وزر خطاياهم، في حين أنه لا يفعل شيئاً سوى مساعدتهم على الغواية الموجودة في داخلهم منذ البداية. وتنتهي الرواية بنجاة الفريق بصعوبة بعد أن اكتشفوا مدى خطورة ذلك الشيء الشيطاني الذي على الأغلب تخلص منه أهل المستقبل بإرساله إلى الماضي اكتفاءً لشره.
في الروايتين نجد أن الشيطان يتجسد كصديق لطيف وجذاب، وأنه يستدرج البطل نحو كوارث لم يكن يتوقعها، وعندما تحين لحظة الحقيقة يتملص الشيطان من مسؤليته تجاه تلك الكوارث ويحمِّل إثمها لمرتكبها الحقيقي وهو الإنسان الذي سرعان ما يتوب ويتراجع.
نفس القصة القديمة منذ بدء الخليقة تعاد مراراً، لكن وحده الأدب الحقيقي هو ما يجعلنا نتناول الوجبة ذاتها باستمتاع تام في كل مرة كأنها وجبة جديدة وطازجة!
في الروايتين نجد أن الشيطان يتجسد كصديق لطيف وجذاب، وأنه يستدرج البطل نحو كوارث لم يكن يتوقعها، وعندما تحين لحظة الحقيقة يتملص الشيطان من مسؤليته تجاه تلك الكوارث ويحمِّل إثمها لمرتكبها الحقيقي وهو الإنسان الذي سرعان ما يتوب ويتراجع.
نفس القصة القديمة منذ بدء الخليقة تعاد مراراً، لكن وحده الأدب الحقيقي هو ما يجعلنا نتناول الوجبة ذاتها باستمتاع تام في كل مرة كأنها وجبة جديدة وطازجة!
حروب أهلية ودول رخوة!
هل هناك قاسم
مشترك بين الدول التي عانت من الحروب
الأهلية و الدول التي تمخضت عن ثورات
شعبية؟ ثمة فوارق كبيرة ولا شك بين تلك
الدول، فوارق في الجغرافيا و التنوع
السكاني والدخل والثروة.
فبلد صغير متعدد الطوائف مثل لبنان
خاض حرباً أهلية طاحنة منذ القرن الماضي
و لازال يعاني من آثارها حتى اليوم لا
يمكن أن يقارن ببلد بدأ يخوض في وحل الحرب
الأهلية مثل ليبياذات المجتمع الموحد
مذهبياً و الغني بموارده النفطية و لكنه
رغم ذلك يسير على ذات الطريق الوعر؟ ولكن
ماذا عن مصر؟ ماذا عن تونس؟ وهل هناك تشابه
بينهما وبين الوضع في سوريا؟ ولماذا نذهب
بعيداً ونتجاهل جارتنا اليمن والتي وقعت
ضحية انقلاب جرها لحرب شوارع وجرت المنطقه
من خلفها لصراع إقليمي مشتعل.
هل ثمة عامل مشترك
بين لبنان المتنوع الطوائف وسوريا ذات
القبضة الأمنية العاصرة وليبيا الغنية
واليمن الغارقه في التناحر والفقر منذ
سنوات؟ بعض تلك الدول تمتعت بانفتاح
إعلامي وحزبي كبير قبل أن تغرق في بحر
الدماء وبعضها لم يكن أحد يجرؤ على ذكر
إسم النظام حتى يتلفت عن يمينه ويساره و
يتلو المعوذات، ورغم ذلك كانت النتائج
متشابهه إلى حد كبير في الفشل وفقدان
الحكومات السيطرة على مفاصل الدولة
والحكم.
الكاتب والمفكر
المصري د. جلال
أمين يرى أن هناك خيط اجتماعي يربط تلك
الدول المتباينه بعوامل مشتركة يمكن
ملاحظتها بوضوح، وقد جمع تلك العلامات
تحت مصطلح فريد أطلق عليه اسم "الدولة
الرخوة". أهم
العلامات المميزة لمجتمع الدولة الرخوة
هو التباين الطبقي الحاد بين أفراد
المجتمع، حيث فئة فاحشة الثراء تسيطر على
القرار و الاقتصاد و الإعلام وفئة تعاني
من الفقر والحاجة.
الفئة بالغة النفوذ تصوغ القوانين
وتضع القواعد لحماية مصالحها تحت غطاء
من الديموقراطية الكاذبة، وبالطبع هي
لاتنفذ أي من تلك القوانين لأنها فوق
القانون، وفي المقابل تلجأ الطبقة الفقيرة
للرشوة والفساد لتجاوز القانون الذي تراه
ظالماً ولاينصفها.
في النهاية نجد أن المجتمع كله لا
يحترم القانون ولا يطبقه إبتداء من إشارة
المرور وانتهاء بمؤسسات القضاء ذاتها.
قد تسمح لك الدولة الرخوة بالنقد
والتعبير عن السخط لكنها لن تلتفت لك أو
تسمع ما تقول وستدعي في ذات الوقت أنها
ديموقراطية أمام الآخرين لأنها لا تمنع
المجتمع من التعبير عن رأيه، رأيه الذي
لا يمكن أن تسمح له بأن يتحول إلى واقع.
في الدولة الرخوة يفقد الناس أول ما
يفقدون الإحساس بالمساواة ثم يفقدون
الثقة في مؤسسات الحكومة الخدمية ثم يمتد
فقدان الثقة إلى المؤسسات الأمنية
والعدلية، ليبقى عامل الخوف وحده هو الذي
يمنع الثورة والانهيار القادم.
ولكن التيار يحتشد بكثافة خلف السد
يوماً بعد يوم لينهار حاجز الخوف فجأة
فينطلق السيل الهادر ليجرف الجميع بلا
رحمة!
الجمعة، 19 سبتمبر 2014
استضافة في برنامج حديث الخليج على قناة الحرة
تشرفت بإطلالة تلفزونية في ضيافة الدكتور سليمان الهتلان عبر برنامجه الحواري "حديث الخليج". و تناولت الإطلالة مواضيع متنوعة عن الشأن المحلي و الإقليمي كالتحريض الطائفي و تكلفة التأخر في اتخاذ القرارات السيادية و المخاطر المحدقة بالمجتمع السعودي. كما تناول الحوار قضايا الفساد و فشل هيئة مكافحة الفساد في محاربته و اختتم الحديث بفتح ملف الخدمات الصحية المتعثرة في البلاد و كيف يمكن تصحيح هذا التعثر.
تمت إذاعة الحلقة على قناة الحرة يوم الجمعة ١٢ سبتمبر ٢٠١٤.
فراس عالم يتناول تنامي الطائفية في «حديث الخليج»
يحل القاص والكاتب في «الشرق» الدكتور فراس عالم، ضيفاً على الدكتور سليمان الهتلان، في حلقة مساء اليوم من برنامج «حديث الخليج»، الذي يبث الساعة 11:00 مساء على قناة «الحرة».
ويتناول اللقاء عدة مواضيع، منها: فشل الديموقراطية في بلاد العرب، وتنامي الطائفية والتحريض الطائفي في المجتمع، ومدى خطورته على اللحمة الوطنية، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في كشف السلبيات التي ظل الإعلام التقليدي يجملها أو يتجاهلها.
كما يتطرق الحوار كذلك لقضايا الفساد، وهيئة مكافحة الفساد، ولماذا يعتقد عالم أنها فشلت في تحقيق هدفها؟.
ويفتح الحوار ملفات الرعاية الصحية المثيرة للجدل، ومرض «كورونا»، والدور الذي لعبته في تغيير وزير الصحة ليحل المهندس مكان الطبيب لأول مرة في تاريخ الوزارة.
ويتناول اللقاء عدة مواضيع، منها: فشل الديموقراطية في بلاد العرب، وتنامي الطائفية والتحريض الطائفي في المجتمع، ومدى خطورته على اللحمة الوطنية، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في كشف السلبيات التي ظل الإعلام التقليدي يجملها أو يتجاهلها.
كما يتطرق الحوار كذلك لقضايا الفساد، وهيئة مكافحة الفساد، ولماذا يعتقد عالم أنها فشلت في تحقيق هدفها؟.
ويفتح الحوار ملفات الرعاية الصحية المثيرة للجدل، ومرض «كورونا»، والدور الذي لعبته في تغيير وزير الصحة ليحل المهندس مكان الطبيب لأول مرة في تاريخ الوزارة.
الثلاثاء، 24 يونيو 2014
فراس عالم: أنا وأصدقائي وقعنا ضحية تصريحات «الثقافة» الرنانة حول استقلالية الأندية
مكة المكرمة- صلاح القرشي
الحياة ١٩-١-٢٠١٤
أكد القاص والكاتب فراس عالم أن الاحتشاد الذهني الذي تتطلبه الكتابة الإبداعية تسرقه الكتابة الأسبوعية التي تبدو له أحياناً «أشبه بتنين فاغر فاه يلتهم الأفكار بشراهة ولا يشعر بالشبع أبداً، وربما أكون في حاجة إلى الموازنة بين الاثنين كي لا يطغى جانب على آخر». وأوضح أنه ليس منشغلاً عن الكتابة القصصية التي يمارسها، «فمجموعتي الوحيدة (المشبك الخشبي) ظلت حبيسة الأدراج قرابة الـ10 أعوام قبل أن أجد الجرأة لنشرها»، وفي رده على سؤال «الحياة» حول ابتعاده عن الكتابة القصصية، وهل من أثرٍ تركه نشاطه في وسائل التواصل الاجتماعي؟ أشار إلى أنه ربما لارتباطه بالكتابة الأسبوعية أثر في الابتعاد أكبر من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال: «أستطيع تسمية تجربة الكتابة الأسبوعية بالورطة اللذيذة، إن صح التعبير. عندما بدأت الالتزام بالمقالة لم أكن أتخيل أنني سأكمل العام، خصوصاً أن البحث كل أسبوع عن فكرة وصياغتها وترويضها لتنحشر في حيز المقالة الضيق مساحة وسقفاً ليس بالأمر الهين، لكنني ولسبب لا أعلمه تحديداً أتممت عامي الثاني مع أرشيف يزيد على 100 مقالة. تراودني كثيراً فكرة التوقف، ويلح علي السؤال الأبدي هل هناك من يقرأ؟ وهل ستجدي الكتابة شيئاً؟ لكن ما يمنحني الدافع هو رهاني الخيالي على ذلك القارئ المجهول، قارئ افتراضي أتخيله في قرية صغيرة، أو على مقعد طائرة ربما تغير الكلمات شيئاً من قناعاته أو تفتح له نافذة جديدة تجعله يعيد النظر في أفكاره السابقة وربما تغير نظرته للعالم من حوله.. أقول ربما!».
فراس عالم شارك في انتخابات الأندية الأدبية من خلال انتخابات نادي مكة، ورفض في وقت لاحق دخول المجلس بعد استقالة بعض الأعضاء.. حول كيفية نظره للأمر الآن، وهل يفكر في المشاركة مجدداً؟ قال لـ«الحياة»: «بغض النظر عن التفاصيل، أعتقد بأنني وأصدقائي الذين غامرنا بخوض التجربة وقعنا ضحية تصريحات ووعود وزير الثقافة الرنانة التي بشرت بكسر الجمود وباستقلالية الأندية بتحويلها إلى مؤسسات أهلية منتخبة. لكن الواقع الذي اصطدمنا به كان يقول العكس. ولا تبدو أن التجربة الآن وبعد أن مرت عليها أعوام، جعلت الأندية أفضل حالاً عن وضعها قبل 30 عاماً. ليست المشكلة في اللوائح والأنظمة بقدر ما هي في العقلية التي تدير وتحكم».
وبخصوص كيف ينظر إلى المشهد الأدبي السعودي، وهل فكر في كتابة الرواية التي تتصدر هذا المشهد؟ لفت إلى أنه ليس متابعاً جيداً للمشهد المحلي «ولا أقرأ إلا النزر اليسير مما يقع تحت يدي، لذلك لا أستطيع أن أصدر حكماً على شيء لا أملك تصوراً كافياً عنه، أما بالنسبة لكتابة الرواية فلا أعتقد بأنني مؤهل لخوض غمارها، أنا ابن بار للقصة القصيرة، للقطة المكثفة واللمحة العابرة تلك التي تأتي خاطفة وتمضي سريعاً بعد أن تحدث الفوضى في ما حولها، حتى لو لم تكن في صدارة المشهد».
وحول ما إذا كان نجح في الكتابة وطب الأسنان، كما يطمح، أوضح قائلاً: «بأمانة شديدة ما زلت أشعر بأنني في بداية الطريق، وأنني ما زلت أتلمس خطاي فأنجح حيناً وأخفق حيناً آخر، لكنني أجرب وأتعلم وأستمتع بخبراتي وتجاربي الصغيرة التي اكتسبها كل يوم من المحيطين بي. تلك المباهج الصغيرة هي التي تمنحني الأمل والدافع لمواصلة المسير».
رابط الحوار:
الثلاثاء، 27 مايو 2014
كائن لا تحتمل فتنته!
هل تعرف أم كلثوم؟سؤال ساذج ولا شك. من الذي لا يعرف كوكب الشرق، ذلك الصوت العميق المثقل بالأحاسيس.
«إنت عمري، ألف ليلة وليلة، أغداً ألقاك، ويا فؤادي لا تسل أين الهوى..».
ذلك الثوب طويل الأكمام والنظارة السوداء التي تقيها وهج مصابيح المسرح الباهرة والمنديل المزركش الذي تعتصره وتلوِّح به وهي تغني وسيل الآهات المتواصل الذي لا ينقطع من الجماهير المنتشية..
هل تعرف أم كلثوم حقاً..؟
ستكتشف أنك لا تعرفها بالفعل عندما تقرأ هذا الكتاب، ليس سيرة ذاتية لها، فلا شيء من أحداث حياتها لم يُروَ، لكنه قصة عن العاشق الذي صنع مجدها ورضي أن يتوارى في ظلها العظيم بلا أمل.
غصة خانقة في حلقك.. شعور بالعجز والمرارة يتزايد مع كل صفحة تقلِّبها. لا تعرف إن كنت ترثَى لحال المسكين الذي يروي الحكاية أو تعتب عليه، ذلك الذي وقع ضحية حب قاهر لا يجرؤ على إتمامه ولا التخلي عنه. ألم الوقوف خلف الباب الموارب أملاً في الدخول.. لكن العمر يمضي ولا شيء ينبئ بالسماح.. يعتاد تلك الوقفة الحائرة بين الخوف والرجاء.. ثم الركون والرضا بما هو كائن حتى وإن كان قاتلاً.
تحار كذلك مع حال تلك الفاتنة الطموح، القادمة من «طماي الزهايرة» متنكرة في زي فتى لتقرأ التواشيح والأشعار في الموالد، وكيف تحولت إلى كائن متطلب لا يشبع، يسخِّر كل مشاعره وذكائه وعلاقاته لأجل شيء واحد هو خدمة موهبته.
لم يكن أحد مفتوناً بحنجرة أم كلثوم أكثر منها، ولم يكن أحد يعشق غناءها بشغف و شهوانية أكثر مما تفعل هي.
هل أحبَّت أحمد رامي؟ هل أحبت رجلاً ما يوماً؟
أم إنها استخدمت الجميع قنطرة طويلة لتعبر فوقهم تجاه المجد الذي حلمت به وتحقق لها في نهاية المطاف؟
هذه رواية عن تلك الأشياء التي تحسُّ ولا تقال.. عن تلك الأحداث التي يعتقد الجميع أنهم يعرفونها جيداً، لكنهم في الحقيقة لا يدركون منها إلا السطح الظاهر فقط.
عن السيدة القاهرة والعاشق المتبتِّل.. عن فتنة التعلق بالمستحيل.. عن ألم انتظار ما نعرف يقيناً أنه لن يأتي.
لكننا نواصل الانتظار..!
بانوراما فاتنة لحياة حافلة يرويها العاشق الذي لم ينل منها سوى الوجع والدموع، رواية باذخة كتبت على لسان أحمد رامي، يحكي فيها بلغة شاعرية رقيقة وحزينة قصة الحب المستحيل بينه وبين فاتنته وكيف ظل هو وغيره من الرجال رهباناً في محراب موهبتها تُمنِّيهم جميعاً بقرب الوصال ويعلمون يقيناً أنهم لن ينالوه، لكن سلواهم هي اقترابهم من الحِمى لصاحبة الصوت الذي هز أركان قلوبهم وأركان الدنيا من خلفهم ومازال يفعل حتى اليوم.
صدرت الرواية للمرة الأولى باللغة الفرنسية للروائي سليم نصيب تحت عنوان «أم» وهو الاسم المختصر لأم كلثوم في فرنسا، وترجمت للعربية بعنوان «كان صرحاً من خيال».
لقد كان خيالاً بالفعل.. لكنه أكثر قوة وحضوراً وإيلاماً من كل من صنعوه على أرض الواقع ورحلوا!.
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٩٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٤)
رسالة إلى صديقي الملحد!
(إلى
صديقي المؤمن الذي كان يصلي و يصوم و يتابع
حلقات عمرو خالد، ثم هاجر إلى بلاد بعيدة
و عاد ليكتب لي أنه لم يعد يؤمن بالأديان
السماوية!)
صاحبي..
مالذي غيرك؟
مالذي خدر الحلم
في صحو عينيك..
من لف حول حدائق
روحك هذا الشرك؟*
....
....
يا صديقي..
كنت قد و عدتك أن لا أتدخل في اختياراتك،
أن لا أناقشك في ما تراه شأناً يخصك وحدك.
طلبت مني أن أتعامل معك كما يفعل هؤلاء
الغربيون المحترمون الذين لا يسألون
أحداً عن دينه، و لا يعاقبون أحداً بسبب
اعتقاده. و ها
أنا أخلف وعدي لأنني أحبك!
لن أناقشك بمطق
عقلاني، و لن أسوق لك الحجج و البراهين
في انتظار أن تأتيني بحجج مضادة، لكنني
سأطرح عليك بعض التساؤلات الصادقة و
الصادرة من أعماق قلبي.
ألم تحدثني طويلاً
من قبل عن قسوة الحياة؟ عن قبحها و ظلمها
و جورها على الضعفاء و المساكين؟ عن قسوتها
التي لا ترحم؟ عن الوحشة الهائلة التي
تملأ فراغ هذا الكون الفسيح؟
أخبرني فقط – و
أنا أتساءل هنا بكل صدق الدنيا و فضولها-
كيف يمكن لحياة كهذه أن تغدو محتملة
بلا إيمان؟ بلا يقين بأن هناك قوى عليا
رحيمة بنا نلجأ إليها بالدعاء؟ بلا اعتقاد
راسخ بأن هذه الحياة القاسية ليست سوى
فصل من الرواية لا الرواية كلها؟
كيف يمكن أن يحتمل
القلب كل هذا الفراغ و الوحدة و البرودة
و الصلف في الكون الشاسع لو لم يؤمن بأن
هناك من يرافق القلب و يرعاه و يهدهد
وحدته؟
أخبرني كيف استطعت
أن تمحو من وجدانك بلا ألم كلمات مثل خشوع،
و تضرع و إخبات و مناجاة و توبة؟
أي قوة اكتسبت
لتصنع تلك الحجب الكثيفة بينك و بين
السماء فحرمت نفسك من نظرة حالمة نحوها
في ساعة رجاء؟
يا صديقي أنا لا
أحدثك هنا عن المذهب الصحيح أو المذهب
الخاطئ، لا أحدثك عن العبادة أو الصلاة،
لا أحدثك عن الجنة أو النار.
أنا فقط أتساءل..
هل يستطيع قلبك المرهف أن يصمد وسط
هذه العواصف دون أن يشعر بالخذلان؟ بأن
لا أحد يأبه به سواء ظَلَمَ أو ظُلِم،
أعطى أو أخذ، جنى أو تجنى.
سواء كان نسمة رقيقة أو دخاناً أسود؟
لا تجبني الآن..
و لا تناقشني..فقط
اخل بقلبك و اسأله مالذي يفتقد..
و لماذا يشتاق؟ و أرجو أن تكون قويا
بما فيه الكفاية لتمنحه ما يريد!
ـــــــــــــــــــــــ
*الأبيات
من قصيدة وضاح للشاعر محمد الثبيتي.
في عتاب من رحلوا..!
لم
تكن القسوة من طبعكم يوماً..
لكن
كأن حبكم و لطفكم كان سداً يحجز سيل الأسى
الجارف الذي انطلق هادراً بمجرد رحيلكم.
أي
قسوة تلك التي تجعلكم تغلقون في وجوهنا
أبواب غرف قلوبكم الدافئة، تحملون مفاتحها
و ترحلون..و
تتركوننا لبرد الانتظار الذي لا يرحم.!
ترحلون
بلا سابق تمهيد و لا تلويحة وداع..
تحملون
حقائب البهجة و أثواب السعادة معكم و لا
تتركون لنا سوى مرارة الذكريات.
ترحلون
فتتركون في زجاج الروح شرخاً و في رغيف
القلب قضمة و في محجر العين دمعة لا تنطفئ.
تحملون
بعضاً منا معكم فنظل في حيرة الفقد و فتنة
السؤال و متاهة البحث عن ضمادة توقف نزيف
الجرح الذي لا يندمل
ما
عادت الدنيا من بعدكم كما كانت..
تشرق
الشمس وتتفتح الأزهار و تغرد العصافير و
لكن لا بهجة ضياء هناك و لا طرب ألوان
و نغم هنا.
ثمة
شيء قد ذهب، شيء سلب الحواس قدرتها على
تذوق النشوة، على الاستمتاع و البهجة،
كل الألوان تضاءلت لتصبح بين الأسود و
الرمادي، و كل الأنغام تلاشت لتصبح أقرب
لنواح مرير لا ينقطع.
مالذي
فعلتموه بنا بذلك الغياب الأقرب للخديعة؟
لستم أنتم من بدلتم الدار و السكن؛ بل
نحن..
نحن
الذين أصبحنا غرباء و أيتام في دار تبدو
كأنها ذات الدار، و شوارع تتظاهر بأنها
ذات الشوارع و زوايا لم نعد نعرفها رغم
أنها تتدعي العكس.
كل
شيء تنكر لنا برحيلكم و أصبح نائياً و
بارداً، و ها نحن نعود أطفالاً صغاراً
ضلوا الطريق في يوم مزدحم و ينتظرون أباهم
كي يعود و يجدهم..لكننا
نعرف أن لا أحد سيعود..
و
أن غربتنا و اتظارنا دائمين كلعنة لا
تزول!
.......
.......
لا
شيء في الدنيا يشعرني بمدى ضعفي و يتمي و
قلة حيلتي مثل "المعلاة"*..
فرغم
الشيب الذي يغزو قلبي لازلت أشعر كلما
دخلتها أنني ذات الطفل التائه الذي دخلها
قبل ثلاثة عقود و هو يركض جاهداً للحاق
بجنازة أبيه و يتخبط بين السيقان و لا
يشعر به أحد.
لا
زلت أشعر بذات الغصة و ذات الحيرة وذات
الفقد ..بذات
العتب على أبي الذي مضى سريعاً و تركني
بعيدا خلفه لا أكاد أدركه.
رغم كل تلك
السنوات، لازلت أخشى المعلاة..لازلت
أستشعر قسوتها و وحشة رمالها، فكلما
وطأتها بقدمي أعود و قد فقدت بعضي في
جوفها ..
أخرج
أشكو ألم الجراح الغائرة..
الجراح
التي التي على عمقها و اتساعها....لا
يكاد يراها أحد!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
المعلاة:
مقبرة
لأهالي مكة قرب الحرم
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


