الخميس، 31 مارس 2011

موسم الهجرة إلى... الشاشة!



لا زلت أتذكر ذلك اليوم جيداً بكل انطباعته العميقة في وجداني..بكل الزلازل الصغيرة و الكبيرة التي أحدثها في قرية أفكاري الصغيرة و التي لم تعد بعدها أبداً كما كانت، و لم يعد العالم كله بعدها لما كان عليه و يبدو ان القادم بحاجة إلى كاتب عبقري من طراز جورج أورويل ليتوقعه..
كنت وقتها طالباً في الجامعة، و أسكن في السكن الطلابي الذي تشمل قائمة الممنوعات فيه كل شيء تقريباً من التلفزون و الفيديو و حتى الاحتفال بصوت صاخب مع أصدقائك. كانت و سيلة الترفيه الوحيدة هي أن يكون عندك سيارة و أن تهيم بها في الشوارع الساكنة أو الصاخبة و أن تجلس قليلاً على شاطيء البحر و أن تعرج على مكتبة جرير في فرعها اليتيم في شارع فلسطين لتتامل ذات الكتب لنجيب محفوظ و محمد عبدالحليم عبدالله و يوسف السباعي و باقي قائمة مكتبة مصر و التي بالفعل قرأت معظمها منذ سنوات، لم يكن في الحياة شيء يكسر الكآبة سوى القليل من الأحداث و الأقل من المناسبات السعيدة..كالفرح بتجاوز امتحان صعب أو الظفر بسفر خارج البلاد في الإجازة الصيفية.
عدا ذلك كانت الرتابة و الهموم تتقاسمان معي مساءات جدة الطويلة و ليلها الذي كان يقبض الأنفاس...حتى جاء ذلك اليوم
كان صديقي الذي يسكن في شقته الخاصة يجلس متوتراً على جهاز الحاسب العتيق و يراجع التمديدات الغريبة الخارجة من الجهاز و المتصلة بالهاتف و يقوم بتشغيل الجهاز و إغلاقه عدة مرات ثم يجري اتصالات أخرى من هاتفه الجوال و يعود بعدها لفحص ذات الاسلاك و مراجعة الكثير من الطلاسم على الشاشة، ثم و بعد دهر ينبعث صوت معدني حاد من مكان ما بين التوصيلات يتبعه صوت تشوش كهربائي ثم يصمت كل شيء.. فجأه وجدته يحدق في الشاشة بتمعن و يضغط بعض الازار ثم يقفز في فرح قفزة جنونية
- لقد فعلتها..فعلتها...نحن الآن متصلون بالإنترنت!
كانت هذه الحادثة صدمة حضارية عنيفة عشتها أنا و الملايين من جيلي الذين عاصرنا التلفزون (أبو أريل) و كان منتهى أملنا مراسلة مجلة ماجد و الفوز بجائزة سن توب!
كانت ليلة عصيبة استمر الخط المتصل بشبكة البحرين بتكلفة اتصال دولي يتقطع باستمرار كل عشر دقائق تقريباً، و استمرينا في المحاولة دون كلل حتى أشرقت الشمس و نحن نحدق مبهورين في الشاشة التي لأول مرة في تاريخها تقوم بتحميل صور و برامج لم يقم أحد بتحميلها عبر سي دي من شارع خالد بن الوليد.
أذكر جيداً دهشتنا العظيمة عندما نجحنا في إجراء محادثة دردشة عبر موقع ياهو مع شخص أمركي في ولاية ما، أعتقد أن شعور أرمسترونج وهو يمشي على القمر لم يكن ليختلف كثيراً!. ثم نقاشنا المحموم حول ماهية البريد الإلكتروني و فخرنا بأول بريد إلكتروني سجلناه و دهشتنا العظيمة من الرسائل السريعة التي تقاطرت عليه، كنت أشعر وقتها أن شيئاً غير عادي سيحدث و سيحدث على مستوىً جلل، سلاح جديد في يد الناس، نافذة سحرية يستطيعون أن يتنفسوا منها هواء الحرية و أذكر أنني كتبت في تلك الفترة مقالاً نشر في جريدة البلاد بعنوان"كوة تسعنا جميعاً...كي نمر" و مما قلته فيه إن قطار التقنية قد ترك لنا شيئاً خاصاً يفتح كوة في جدار عزلتنا...و قد آن الوقت كي نمر منها!
....
....
لكن مالم أتخيله و لا في أقصى شطحات خيالي أن أعاصر و أشاهد سطوة الانترنت وهي تغير وجه الأرض فعلاً، لم أتوقع أن يكون ذلك اليوم بهذا القرب و أن يكون الطوفان بهذا العنف الذي يزيح حكاماً من عروشهم و يرعب آخرين و ينذر بزلازل لا يعلمها إلا الله..من كان يتخيل أن ذلك الصوت المعدني المتحشرج و الاتصال المتقطع هو طريق المارد الخرافي ليرج العروش و يهدم القصور و ينشر الفضائح؟ من كان يتوقع أن تلك النبضات المتقطعة و الرموز الغامضة على الشاشة ستجعل نصف العالم يراقب بشغف نصفه الآخر و هو يهتف في الميادين بإسقاط الحاكم هنا و هناك؟
و هل كان مؤسس موقع التواصل الإجتماعي (فيس بوك) الذي أسسه و هو يشعر بالوحدة لكي يلفت نظر الفتيات في جامعته، هل كان  يتخيل أن يصبح موقعه أخطر منصة سياسية في العالم؟
لقد أثبتت الإنترنت أنها الفأر الذي هدم سد مأرب، و أنه لا الحكومات و لا الشعوب توقعت أن ينجز الفأر مهمته بهذه السرعة والكفاءة!
هناك شيء ما غريب و غير معتاد في كل ما يجري هنا؟ شيء يوشك أن يفتح للعالم كله صفحة جديدة غير مرتقبة و غير متوقعة، شيء يشبه إرهاصات إختراع الطباعة و المحرك البخاري و دوائر السيلكون و حبوب منع الحمل!
أشياء بدت عادية و غير مريبة في أول ظهورها، بل و توقع الكثيرون لها الفشل لكنها كانت ألغاماً مدمرة لنسيج و تكوين المجتمع ككل في صورته التقليدية و عادت لتخلق مجتمعاً جديداً لا يشبه الأول بأي شكل من الأشكال ولا يمكن أن يعود إليه مهما كلف الأمر.
لكن هذا الشيء الغامض الجذاب مختلف، ولا أحد يستطيع التنبؤ بأثره ولا بضربته القادمة، إن أسوأ كوابيس المستبدين قد تحققت فيه فهو ينمو بسرعة و يتطور و يغير شكله(منتديات، ماسينجر، فيس بوك،مدونات،يوتيوب، تويتر) ولا يمكن اختراقه أو السيطرة عليه، و هو يمّكن كل من أراد من أن يكون له منبر و صوت مسموع، ومن المستحيل تقريباً إسكاته!
ترى ما هو القادم؟
و إلى أين نحن ذاهبون؟
مالذي يمكن أن نستيقظ و ننظر إليه من النافذة/الشاشة  بدهشة في المرة القادمة؟
بكل ثقة أقول و بأعلى صوت لا أعلم
لكنني أعلم أن من سيكون مستعداً للتغيير و منفتحاً عليه هو من سيفوز أو ينجو بأقل الخسائر
وللأسف لا يبدو أن أحداً من أصحاب القرار في قومي مستعد لتقبل التغيير، بل إنهم  لازالوا يبنون منازلهم الفاخرة في مجرى السيل القادم!



الأحد، 27 مارس 2011

هيكل بين الصحافة و السياسة: عندما يتحول الجنرال إلى راوية!


المؤلف: محمد حسنين هيكل
الناشر: دار الشروق المصرية

من أشهر الانتقادات التي توجه لهيكل من خصومة هي أنه يتحدث عن الأموات و أن كلامه لا دليل عليه سواه. و بغض النظر عن صحة هذه المقولة أو عدمها فإن هذا الكتاب ينفيها تماماً. فالكتاب الذي قاربت صفحاته الخمسمائة صفحة يحتوي على ملحق غني بالوثائق حرص مؤلفه على نشره في حياة أطراف القصة التي تناولها. أما قصة الكتاب فشأن آخر.. شأن يتأرجح لا بين الصحافة و السياسة كما يقول الغلاف بل بين الوفاء و الخيانة بين الصداقة و العداوة بين الزمالة و المنافسة ...بين هيكل و الأخوين أمين!
يسرد الكتاب بصراحة موجعة و بحقائق مفصلة رحلة هيكل في الصحافة و تقاطعاتها مع التوأمين على مدار ما يزيد على العشرين عاماً و كيف دخل هيكل دار أخبار اليوم بعد أن اشترى الأخوان المجلة التي يعمل فيها و كيف غادرها بعد عشر سنوات من الصداقة و الزمالة و الكفاح مع التوأم ليرأس تحرير الأهرام. ثم العلاقة المتوترة بين التوأمين من جهة و عبدالناصر من جهة و تدخله أكثر من مرة للتوسط بينهما قبل أن تقع الحادثة الكبرى و هي القبض على مصطفى أمين بتهمة التجسس لصالح المخابرات الأمركية! وهي التهمة التي ظنها هيكل تلفيقاً أو مبالغة من الجهاز الأمني قبل أن يسمع التسجيلات و الحوارات الدائرة بين مصطفى أمين و رجل المخابرات و ما تلا ذلك من اعترافات خطيرة كتبها مصطفى أمين في ستين صفحة على شكل خطاب اعتذار موجه لعبدالناصر، فضح فيه معظم علاقاته بالمخابرات الأمركية بل و اعترف انه استخدم موظفين في دار أخبار اليوم لجمع معلومات له عن شخصيات و أسماء سياسية بغرض كتابة التقارير عنها لا لنشاط صحفي، و يبرع هيكل في وصف حيرته و تمزقه بين موقفه الإنساني من شخص يراه معلماً له في المهنة و بين ما يراه من حقائق مفزعة تمس الشرف و الوطنية و يقرر التعاطف معه إنسانياً و زيارته في السجن و التوسط له ليحظى بمعاملة حسنة خلال فترة محكوميته رغم عدم رضى عبدالناصر. و في ذات الوقت تتزايد الشبهات حول نشاط علي أمين المقيم في لندن و يصر عبدالناصر على أن علي أمين يقوم بدور مخابراتي هو الآخر و أن مصاريف إقامته البالغة ثلاثة آلاف جنيه استرليني في الشهر كفاتورة للفندق فقط لا يمكن أن يتحملها شخص عادي تم إقاف مرتبه الشهري من مصر. و تتعقد خيوط القضية و تتشابك و يشير هيكل إلى معضلة أخرى واجهته و هي أنه اكتشف في فترة إشرافه على أخبار اليوم خلال سجن مصطفى أمين وجود مبلغ يقارب المليون جنيه دخل الحسابات كأموال سائلة لا يعرف أحد مصدرها سوى أن مصطفى أمين و علي أمين كانا يأتيان بها نقداً على دفعات لسداد الالتزامات المادية للجريدة وهو ما حاول جهاز الادعاء استخدامه لإثبات جاسوسية مصطفى أمين لكن هيكل رفض أن يزود المحكمة بدليل إضافي يكون هو طرفاً فيه. 
ولأن الحياة لا تخلو من تقلبات و أعظمها في حياة هيكل هي وفاة عبدالناصر فقد تبدل الحال و جاء اليوم الذي أعفي فيه هيكل من رئاسة تحرير الأهرام ليخلفه فيها مصطفى أمين الخارج من السجن و ليشن عليه حرباً لا هوادة فيها كانت آخر فصولها دخول هيكل المعتقل و بتهمة التخابر مع الأجنبي و من عجائب الدهر أن يكون صاحب المعلومة التي وشت به هو مصطفى أمين!
بغض النظر عن أن الكتاب يتناول قضية حساسة و شخصية للكاتب إلا أنه نجح بامتياز في جعله مثالاً يحتذى في فن القصة الصحفية أو الإخبارية و كشف عن موهبة كبيرة في السرد و البوح الفني كما أنه لم يتخل أبداً عن قدرته العجيبة على ضبط عباراته بدبلوماسية نادرة لا يتقنها إلا هيكل فرغم كل التحولات العنيفة في القصة لم يكف هيكل عن وصف مصطفى و علي بالأستاذين ولم يطلق على أي منهما صفة الكذب أو ينعت أحدهما بالجاسوس. و حرص كل الحرص على أن يوصل الحقيقة بلهجة مهذبة إلى أبعد حد و أن يجعل بوحة و استطراده نوعاً من التأمل في كيف و لماذا أكثر من لماذا أنا بالذات. كما حاول تكراراً إغفال الحديث عن نفسه و أمجاده الصحفية التي يفخر بها أكثر من غيرها باستثناء هامش طويل أضافه في آخر الكتاب عن ما فعله بالأهرام من احتضان لكبار الكتاب و شبابهم رداً على اتهامات كثيرة طالته بأنه حارب الجميع و حول الأهرام إلى أهرام هيكل!

السبت، 30 أكتوبر 2010

سندريلا، قبلة و دفتر



١- سندريلا


ضربت له موعداً للقاء في حفلة رأس السنة، بعد أن أبدت إعجابها بذوقه و لطفه و حنانه. حضر مبكراً يترقب طلتها الخجوله و ملامحها الرقيقة و لهفتها .ولكن انتظاره طال دون جدوى و عندما خرج في منتصف الليل يائساَ. لمحها تغادرمع احدهم في سيارة BMW فارهة. تذكر حينها أنه حتى سندريلا لم تكن تواعد إلا الأمير...الأمير و لا أحد سواه!




٢- دفتر



عادت باكية، ارتمت في صدره ترجوه أن يفتح معها صفحة جديدة. ربت على ظهرها، شرد ببصره نحو الأفق و لم يجرؤ على إخبارها أن دفتر القلب بلغ ورقته الأخيرة!



٣- قُبلة


قبلتني، مسحت على شعري و قالت: انتظرني، سوف أعود.....
مضت ثلاثون عاماً...و لازلت بانتظارها!


الأحد، 3 أكتوبر 2010

أحزان الحذاء الأحمر


كان حذاء بالياً ملقىً بإهمال أمام عتبة دارها، حذاء أحمر بكعب عالٍ و عقدة على شكل فراشة. يذكر أنه امتدح هذا الحذاء ذات يوم عدما كانت ترتديه مع رداء ابيض ذي نقط حمراء صغيره تزين الكتفين و الصدر، بدا الحذاء وقتها متناغماً جداً مع الرداء و الورده التي استقرت في شعرها و الابتسامه المرحة في ثغرها و الجو الربيعي في الحديقة التي كانا يتنزهان فيها سوياً كلما شعرا بلهفة اللقاء. كان الحذاء يبدو مرحاً و سعيداً هو الآخر، كان جلده الأحمر مشدوداً تكسوه لمعة خفيفة واثقة من أمرها، و الفراشة الصغيرة على مقدمته تكاد تفرد جناحيها الافتراضيين لتحلق عالياً مع كل قفزة مشاغبة من قدمها، لم يكن الحذاء السعيد يعلم أي مصير ينتظره. ولم يتخيل ما سيصبح عليه الآن...

الآن و قد لوحته الشمس بشدة، و تحول الجلد اللامع المشدود إلي خريطة باهتة مليئة بالشقوق و التعرجات كبشرة عجوز. و اللون الأحمر الواثق انسحب متوارياً الى الزوايا و الأطراف الصغيرة الملاصقة للقاعدة، و ترك خلفه لونا ورديا مترددا أنهكته سياط الشمس الحارقة فعجز عن ملء الفراغ الذي تركه الأحمر له، في حين تدلت أطراف العقدة -التي كانت فراشة- بعد أن انفكت على واجهة الحذاء فبدت زائدة و بالغة القبح خصوصاً و قد انقلب جلدها على ظهره فبانت بطانته سوداء خشنة و محملة بالغبار.

تأمل الحذاء ملياً، قلبه بين قدميه ثم شعر بنوع من الشفقه نحوه، انحنى و رفعه بين يديه، تمعن عن قرب في التشققات و التعرجات التي كست بشرته الجافة، كانت قاعدة الحذاء توشك أن تنفصل هي الأخرى بعد أن ذوبت الشمس صمغها و نثرته على حواف الحذاء. مرر أنامله على مقدمة الحذاء مسح شيئاً من الغبار العالق عليها. لامست أصابعه الطرف المتدلي لعقدة الفراشة فانفصلت في يده عن مقدمة الحذاء.

(لقد عاملتك بقسوة) همس للحذاء..

حمله تحت ذراعه و استدار عائداً متجاهلاً جرس الباب الذي أتى لقرعه محملاً بعبارات استفهام كبيره عن سر تجاهلها لاتصالاته المتكررة بها!

الخميس، 12 أغسطس 2010

لقاء تلفزوني في برنامج المملكة هذا المساء

ناقش برنامج المملكة هذا المساء موضوع السياحة الداخلية و ارتفاع أسعارها مقارنة بمستوى الدخل للمواطن و دور الجمعية السعودية لحماية المستهلك في الرقابة و السيطرة على الأسعار، الطريف في الأمر أن أعضاء الجمعية امتنعوا عن الحضور أو المشاركة في الحلقة و بقيت أنا المتحدث الوحيد...أرجوا أن لا تصابوا بالملل!
تم بث الحلقة على القناة السعودية الأولى بتاريخ 25/7/2010


الجزء الأول





الجزء الثاني





الجزء الثالث

الأحد، 16 مايو 2010

درب الموتى..قصة قصيرة من الأدب الأفريقي




درب الموتى

Dead Men's Path

قصة قصيرة

بقلم: شينوا اشيبي* (1930- )

CHINUA ACHEBE

ترجمة: د. فراس عالم


لم يكن (مايكل اوبي) يتوقع أن تتحقق أمنياته بهذه السرعة ، فقد تم تعينه مديراً لمدرسة ( ندوم )المركزية في يناير 1949. كانت المدرسة من المدارس المتأخرة في المنطقة و قد قرر المسؤلون إسناد إدارتها إلى مدرس شاب و نشيط لإصلاح شأنها. قبل (اوبي) المهمة بحماسة و وجدها فرصة مناسبة لتطبيق أفكاره الخلاقة على أرض الواقع.

حصل (اوبي) على تعليم ثانوي متميز نال بفضله لقب "مدرس أول" في التقارير المهنية مما جعله متفوقا على زملائه من مدراء المدارس الآخرين. كما كان صريحا في انتقاده لضيق الأفق الذي يلازم زملائه الأكبر سناً و الأقل تعليماً.

-"سنقوم بعمل رائع في تلك المدرسة" كانت تلك هي العبارة التي قالها لزوجته الشابة عند سماعه خبر ترقيته المبهج

-"سنقدم أفضل ما عندنا" أجابته زوجته ، ثم تابعت " سيكون لمنزلنا هناك حديقة جميلة و سأجعل كل شيء فيه حديثاً و عصرياً"

خلال فترة زواجهما البالغة عامين تمكن مايكل أن ينقل لها عدوى حماسته للحداثة و نفوره من "المدرسين القدامى و التقليدين الذين يراهم أقرب إلى الباعة في سوق شعبي منهم إلى التدريس".

أخذت تتخيل نفسها وهي محط الإعجاب كزوجة للمدير الشاب و ملكة للمدرسة، وبالطبع ستحسدها زوجات المدرسين على مكانتها، ستعتني بكافة التفاصيل في المدرسة ...و فجأة خطرت ببالها فكرة ألا يكون هناك زوجات أخريات معها، متأرجحة بين الخوف والرجاء سألت زوجها عن وضع زملائه المدرسين و هي تترقب إجابته بقلق.

-"كل زملائنا هناك من الشباب و غير متزوجين" أجابها بحماسة لم تشعر في هذه المرة أنها تشاركه فيها، لكنه تابع

_" وهذا أمر جيد!"

-" لماذا؟"

-" لماذا؟ لأنهم سيكرسون كامل وقتهم و جهدهم للمدرسة"

شعرت (نانسي) بالاكتئاب، ولدقائق قليلة أصبحت تشكك في جدوى الانتقال للمدرسة الجديدة، لكن امتعاضها سرعان ما تلاشى أمام سعادة زوجها وآماله الكبيرة. أخذت تتأمله وهو جالس بوضع منحني على المقعد، كان أحدب الكتفين ويبدو لمن يراه هشاً و سهل الكسر لكنه في بعض الأحيان يفاجئ الآخرين بموجة من الطاقة البدنية الهائلة. بدا لها في مجلسه في تلك اللحظة أن مصدر كل تلك الطاقة يكمن في نظرة عينيه الغائرتين والتي تمنحه قدرة عاتية على الاختراق. كان في السادسة و العشرين من العمر لكن يبدو و كأنه في الثلاثين أو أكبر و في العموم لم يكن يخلو من وسامة ظاهرة.

-" بنس مقابل ما تفكر فيه يا مايك" قالتها (نانسي) بعد برهة صمت مقلدة المجلات النسائية التي تقرأها

-" كنت أفكر في الفرصة العظيمة التي حصلنا عليها لنري الناس كيف تدار المدرسة كما ينبغي"

كانت مدرسة (ندوم) متخلفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى و قد كرس لها الأستاذ (اوبي) و زوجته كامل وقتهما وقد جعل نصب عينية هدفين رئيسيين ، تقديم مستوى عال من التعليم و تحويل مبنى المدرسة إلى مكان يشع بالجمال، وقد تحقق حلم زوجته بالحديقة المزهرة عندما هطلت الأمطار و تفتحت الورد الحمراء و الصفراء على شجيرات (الهيبيكوس) و (الالماندا) المكونة لسياج الحديقة المحيط بفناء المدرسة من الخارج في منظر بديع.

ذات يوم و بينما كان أوبي يتأمل نتاج عمله بإعجاب رأى منظراً أشعره بالخزي، فقد رأى امرأه قروية عجوز تعرج عابرة فناء المدرسة و قد داست حوض أزهار (الماري جولد) و سياج الشجيرات القصير. و بتفحصه للمكان أبصر أثراً باهتاً لطريق مهجور يمر عبر فناء المدرسة رابطاً بين القرية و بين الدغل في الجهة الأخرى.

-" أنا مندهش" قالها اوبي لأحد المدرسين -و الذي قضى ثلاث سنوات في المدرسة- ثم هز رأسه منفعلا و تابع

-" كيف تسمحون للقروين باستخدام طريق يمر عبر المدرسة؟ هذا ببساطة لا يعقل"

أجابه المدرس معتذراً

-" ذلك الطريق مقدس جداً عند القروين، فهو يربط بين المقام المقدس في القرية و بين المدافن، كما أنه نادراً ما يستخدم"

-" و ما علاقة المدرسة بكل هذا؟" تساءل المدير

هز المدرس كتفه قبل أن يجيب

-" لا أدري، لكنني أتذكر أن شجاراً كبيراً حصل منذ زمن عندما حاولنا إغلاق الطريق"

-" كان هذا في ما مضى. لكنه لن يستخدم بعد اليوم" قال له المدير و هو يبتعد بخطوات حازمة و يضيف

" ما الذي سيقوله عنا مدير التعليم عندما يأتي في جولته التفتيشية الأسبوع القادم؟ ربما سيجد القروين و قد احتلوا غرفة في المدرسة لممارسة طقوسهم الوثنية فيها وقت زيارته".

تم غرس قضبان ثقيلة على مسافات متقاربة لتسد الطريق من مدخله و مخرجه في طرفي فناء المدرسة، كما تمت تقويتها بأسلاك شائكة لفت من حولها.

بعد ثلاثة أيام قدم كاهن القرية للمدرسة طالباً مقابلة المدير، كان رجلا متقدما في السن محدودب الظهر يستعين بعصا غليظة لمساعدته في المشي و كان يطرق بها الأرض بقوة عندما يشدد على نقاط مهمة في حديثه. و بعد تبادل الأحاديث الودية شرع الكاهن في الكلام

-" لقد نما إلى علمي أن درب الأسلاف قد تم إغلاقه"

-" أجل" أجابه السيد (أوبي)، ثم تابع" لا نستطيع أن ان نجعل الناس تتخذ من فناء المدرسة طريقاً عاماً"

طرق الكاهن العجوز على الارض بعصاه ثم قال

-" أنظر يا بني، هذا الطريق موجود قبل أن تولد أنت، و قبل أن يولد أبوك، حياة القرية بالكامل تعتمد على هذا الطريق. أقاربنا الموتى يغادرون عبره، و أسلافنا يزروننا عبره، لكن الأهم من ذلك إنه الطريق الذي يأتي من خلاله الأطفال الذين سيولدون"

استمع السيد أوبي لحديث الرجل و على وجهه ابتسامة رضى ثم أجابه

-" الهدف الاساسي لوجود مدرستنا هو اقتلاع هذه المعتقدات من العقول، الموتى لا يحتاجون ممشى على الأرض، الفكرة بكاملها خرافة. مهمتنا هنا هي تعليم الأطفال أن يسخروا من مثل هذه الأفكار"

-" قد يكون ما تقوله صحيحاً" أجابه الكاهن العجوز ثم أضاف " لكننا نتبع ما كان يفعله أباؤنا، و إذا فتحت الطريق لن يكون لدينا ما نتشاجر بشأنه. ما أردده دائماً: دع الصقر يحط رحالة و دع النسر يفعل ذلك أيضاً". و هم الرجل بالنهوض

رد عليه المدير الشاب

-" أنا آسف. لا يمكن أن نجعل فناء المدرسة طريقاً عاماً. إن ذلك مخالف للأنظمة، ما رايك في أن تقيموا طريقاً آخر يلتف حول المبنى، و سوف نجعل الأولاد يساعدونكم في إنشائه، لا أعتقد أن الأسلاف سيجدون الانعطاف البسيط أمراً مرهقاً لهم"

-" لا يوجد لدي شيء لأضيفه" قال الرجل العجوز و هو يغادر المكان.

بعد ذلك الحديث بيومين توفيت امراة قروية خلال ولادة متعسرة، تمت استشارة عراف القرية فأمر بتقديم تضحيات عظيمة لاسترضاء الأسلاف الذين تمت إهانتهم بالسياج الذي سد الدرب المقدس.

استيقظ الأستاذ (أوبي) في صباح اليوم التالي على الخراب الذي حل بمدرسته، حيث تم تدمير الأسيجة النباتية الجميلة ليس فقط من ناحية الدرب المسدود بل من جميع الجهات المحيطة بالفناء، كما تم دهس الأزهار الجميلة بلا شفقة، بل إن أحد مباني المدرسة تم هدمه...

صادف ذلك اليوم يوم زيارة مشرف التعليم ذي الأصول البيضاء للتفتيش على المدرسة، والذي كتب تقريراً سيئاً عن حالة المبنى لكن الاسوأ كان ما كتبه عن " حالة الحرب و العداء بين المدرسة و القرية و التي سببها الحماسة الغير رشيدة لمدير المدرسة الجديد"

* شينوا أشيبي: كاتب نيجيري يكتب بالانجليزية.

السبت، 8 مايو 2010

سينما ... قصة قصيرة


كان فيلماً رديئاً سيء الإخراج و التصوير، كل من دخلوا الفيلم عرفو ذلك مبكراً. أخذت المقاعد القليلة تفرغ بالتدريج حتى أصبح وحيداً في الصالة الخالية بعد ربع ساعة من بداية الفيلم، لكنة كان مصرا على المتابعة معتقداً أن شيئاً مهماً سيحدث قبل نهاية الفيلم. لا يمكن أن يكون الفيلم تافهاً و بطلته نجمته المفضلة التي يعشقها، لا يمكن لهاتين العينين الساحرتين المشعتين براءة و دهشة دائمتين من كل ما يحدث في العالم إلا أن تحملاه على النشوة، أن تحملاه إلى المجهول، إلى كنوز قادمة لا محالة من بعيد، إلى ينابيع الحلم الصافي الأولى حيث يغرف المبدعون بلا وجل. إنها تنتمي إلى هناك. تلك الرهافة و الرقة لابد أن تملك رسالة لماحة و ذكية تريد تمريرها إلى العالم عبر فنها....و لكن مشاهدالفيلم اتهت سريعاً دون أن يلحظ جوانب الإبداع التي انتظرها. فرك يديه المعروقتين بتوتر تلفت في المقاعد الخالية بعد إضاءه الأنوار حشر كفيه في جيبه و هو يهم بالقيام. لم يعره عامل الصاله أي التفات و هو يعبر من جواره و كأنه طيف غير محسوس. آلم أذنية الصخب في الخارج و شعر بقليل من الدوار و هو ينضم إلى نهر العابرين في ممرات الصالة..مشى خطوات قليله إلى الأمام فاقداً الهدف شاعراً بهزيمة لا يدري لها سبباً. لمح شابين صغيرين يمسكان بيد بعضهما و يغادران المبنى نحو موقف السيارات و بائعة صغيرة تركض وراءهما تحاول أن تبيعهما عقدا ذابلا من الفل الذي تحمله لكنهما يسرعان المشي و يتجاهلان نداءاتها عادت الصبية منكسرة تنتظر بجوار الباب الزجاجي التقت عيناها بعينيه لثوان قليلة ثم أشاحت عنه كأنها خمنت أنه لا يصلح أن يكون من زبائنها. اندهش من فعل الصبيه، ترى لماذا تجاهلته؟ مالذي رأته أو لم تره فيه حتى توجه له هذه الإهانة غير المباشرة؟ أخرج إحدى يديه من جيبه و تعمد رفع بعض النقود في كفه كي تراها..لكنها لم تلتفت قدر أنه حتى لو ذهب ليشتري منها عقد الفل الذابل فربما تأبى أن تبيعه. تلقى دفعة في كتفه من موجه جديدة من المتفرجين الذين فرغوا للتو من مشاهدة فيلم كوميدي جديد . تكاثف المزيد من العرق على جبهته و أحرجه عدم حمله للمناديل الورقية التفت إلى الخلف ليلمح شباك التذاكر و إعلان ملون كبير للفيلم الكوميدي يعتلي فتحة الشباك و قد بدأ الزحام من جديد للدخول للعرض التالي وجد نفسه منجذباً مرة أخرى نحو الشباك أخرج النقود المعروقة من جيبه، عدها بحرص ثم تقدم نحو بائعة التذاكر.
.........
.........
بدأ بث الحفلة التالية للفيلم
هذه المرة كانت القاعة خالية تماما لكن عامل الصاله بدا ساخطا على المتفرج الوحيد الذي أجبره على البقاء لمراقبته حتى ينتهي الفيلم
كان سخطه يتصاعد مع المشاهد الأولى للفيلم الذي يراه فاشلا و سخيفاً على الرغم من أن المتفرج الوحيد يتابعة بشغف غير مفهوم!!