السبت، 25 فبراير 2012

خريف كوداك!


يمكنني أن أتذكر جيداً أول كاميرا رقيمة شاهدتها في حياتي، كان ذلك منذ مدة تزيد على عقد من الزمان. كنا لانزال طلاباً في كلية طب الأسنان، و كانت متطلبات الكلية تقتضي-ولازالت- تصوير الحالات التي يعالجها الطلبة قبل و بعد العلاج و تقديم الصور في نهاية العام لأستاذ المادة لإثبات أداء المتطلبات الإكلينيكية و دخول الامتحان النهائي. كنا نتشارك أنا و زملائي في كاميرا عملاقة بعدسة اسطوانية طويلة و فلاش حلقي ممتد بأسلاك ملتفة حول الكاميرا، كان منظر الكاميرا مهيباً و مرعباً تماماً كسعرها الذي اقتضى منا خططاً تقشفية طويلة المدى حتى تمكنا من تحصيل ثمنها. لكن سعر الكاميرا لم يكن مشكلتها الوحيدة، فبعد انتهاء التصوير تبدأ معاناة تحميض الأفلام، و لأن الأفلام التي نستخدمها من نوع الشرائح الشفافة، فكان تحميضها يتطلب الذهاب إلى معمل وحيد لشركة (كوداك) في طريق المدينة-وسط جدة- و التذلل لدى الموظف لقبول تحميض الفيلم بسرعة دون رفع السعر، و انتظار الصور التي في بعض الأحيان تخرج محترقة، أو مشوشة لأن أحدنا لم يحسن ضبط الفيلم أو ضبط الإعدادات الخاصة بالكاميرا. لكن و بخلاف حالات الخطأ تلك كانت معظم الصور آية في الوضوح و الدقة. في تلك الفترة جاء أحد الزملاء إلى العيادة بكاميرا غريبة الشكل، كانت مفلطحة أشبه بكتاب سميك، عدستها صغيرة ضامرة، و ليس لها ذلك الفلاش المهيب، لوح بها في وجوهنا و قال "هذه كاميرتي الجديده" ثم تمعن في وجوهنا المتعجبة و تابع "كاميرا ديجيتال..تعمل بدون أفلام!”. و ضغط زراً صغيراً في جانبها فخرج منها قرص مرن ، ثم تابع"لا حاجة للفيلم..هذا هو الفيلم". لم تستغرق دهشتنا سوى دقائق، حتى رأينا صور الكاميرا العجيبة، كانت آية في الفشل المطلق، صورها باهته مظلمة و فاقدة للدقة. كما أن القرص المرن لم يكن يحتمل أكثر من صورتين أو ثلاث على الأكثر و يحتاج إلى تبديله بقرص آخر. كان ذلك كافياً كي نطلق أحكامنا الواثقة: الكاميرا الرقمية اختراع فاشل، لا يمكن أن تقارن بأي شكل من الأشكال بالكاميرا العادية و أفلامها بالغة الدقة..خصوصاً عندما تقارن بأفلام من نوعية جيدة كأفلام شركه كوداك!.
بالطبع لست بحاجة لذكر مدى سذاجتنا و جهلنا في ذلك الوقت، و أن الأمر لم يستغرق عشر سنوات لتصبح كاميرتنا المهيبة شكلاً وسعراً قطعة من الخردة القديمة، و أن كل طلبة الكلية اللاحقين اصبحوا من ملاك الكاميرات الرقمية.
عادت تلك الحادثة إلى ذهني و أنا أقرأ بحزن خبر إفلاس شركة كوداك العملاقة، و التي كانت على قائمة أكبر الشركات العالمية لعقود و أثرت حياتنا باختراعات و تقنيات في مجال التصوير فحفظت ذكرياتنا و لحظاتنا الحلوة و ملامح أحبائنا في صدور مجالسنا و ألبوماتنا لنسترجعها متى ما راودنا الحنين.
ترى كيف غفلت شركة عملاقة مثل كوداك عن قراءة المستقبل القريب؟ كيف فشلت في التنبؤ بمصير أعظم منتجاتها و لم تبادر بتغيير سفينتها الغارقة قبل أن يغمرها اليم؟
كيف تشابهت قرارت مجلس إدارة محترف يدير جيشا من ١٤٥ ألف موظف مع قرارات شباب طائش لا يملك أي خبرة في الحياة مثلنا في ذلك الوقت؟
إن كان ثمة عبرة مما حدث لشركة كوداك فهي أن الثوابت لا تبقى على ثباتها طوال الوقت، و أن ثباتها لمئات السنين لا يعني مناعتها ضد التغيير، و أن ذلك التغيير قد يكون سريعاً و صادماً و دون توقع.
ثمة اختراعات و حوادث غيرت الكثير من القيم و الموازيين في العالم، و رغم بساطتها الخادعة فقد كانت أشبه بعود الثقاب الذي أشعل حقلاً يابساً. و في كل مرة كان الخاسرون هم أولئك الذين يترددون في اتخاذ قرار التغيير حتى يضطرون إليه في وقت يكون قد أصبح متأخراً جداً و مكلفاً جداً.
ترى كم من قررات التغيير التي ينبغي علينا أن نتخدها فوراً؟ و كم من القررات التي تأخرنا عن اتخاذها حتى الآن؟ هل لازالت نظرتنا الثابتة للحياة صالحة لعالم اليوم؟ أم أنها تحولت إلى قطعة خردة قديمة دون أن نعلم؟ و هل ما يشهده العالم من ثورات و تحولات يستدعي أن نعيد النظر في ما لدينا من طرق تفكير؟
ترى كم مقدار التشابه بيننا و بين كوداك؟ أخشى أن تكون الإجابة مرعبة!
صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٣) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٥-٠٢-٢٠١٢)

الأربعاء، 22 فبراير 2012

ن




لا يوجد حرف أكثر دفئاً وحناناً من حرف النون، باستدارته الناعمة و ذراعيه المفتوحتين و تجويفه الذي يستعد لاحتضان العالم.
شبهه علماء اللغة بالدواة التي تمد القلم بزاده من العلم و بذلك فسروا القسم الإلهي به، فكانت "ن والقلم". الدواة و الحاضنة و الزاد و الملجأ و الملتجى للقلم و المداد للعلم و الثقافة و الحياة و النور.
رغم أن التاء كانت أداة التأنيث الدائمة في اللغة إلا أن النون وحدها استفردت بالدلالة على النساء، فكانت هي نون النسوة،و كأن الأنثى بكل ذلك الفيض من الحنان لا تحتمل قسوة التاء المربوطة التي تعزلها عن فضاء الصفحة البيضاء و العالم. لابد للأنثى أن تحتضن العالم بحبها و تحتويه في قلبها و تمنحنه كوامن فيضها، وحدها (النون) هي من تجاريها بنقطتها الوحيدة المستديرة المستقرة في باطنها، تحتويها كما تحتوي الأم جنينها، تحتضنها كما تحتضن حبيباً غائباً بكل كيانها فتجعله مركزاً لكل ذلك الفيض من الحب و الثراء.
ألم يحن الوقت لكي تبحث عن نونك الخاصة بك، ابحث عنها في أول من احتضنك و أنت نقطة صغيرة في رحمها، اركض نحوها، احتضنها بشوق و ادفن رأسك في صدرها، عد لتكون النقطة التي تحتويها بكيانها، اعط نفسك ترف الاحتضان و الانغماس في فيض الحنان الباذخ، ضمها إليك بقدر كل ما تعاظم فيك من ألم وجوع و قهر و حرمان،بلل صدرها بدمع الطفل الصغير الكامن فيك، ذلك الطفل الذي تاه منذ قرن و تحاول العثور عليه الآن في أحضانها.
انكفئ في حضن أمك، في نورها و نعيمها، لا تفعل ذلك لأنه واجب عليك، ولا لأنك تطلب رضاها، و لا لكي تنال التوفيق في يومك، افعله لأنك تحتاجه بشده، لأنك محظوظ جداً و سعيد جداً إن استطعت أن تناله. هناك، في قلب تجويف النون العظيمة، طاقة هائلة من الحب لو وزعت على الكون لجعلت الحيتان ترقص في البحر و النجوم تغني في السماء،و الصحارى تغتسل بنشوة المطر. طاقة من الحب تجعل الربيع سيد الفصول و الغزلان ملكات الغاب و البلابل وزراء القصر و ندماء الملكات. لكن كل ذلك الإكسير مخزون مخبؤ لك، مشفر على شفرة خلاياك و مسامات بشرتك و تجاعيد وجهك. كل ما تحتاجه هو أن تغمر نفسك فيه فتعود صبياً يافعاً ممتلئاً بالأمنيات.
لست بحاجة لتتسول الحب بعد اليوم من أحد، ولا أن تبحث عن القبول و الانسجام ممن قد ينمحه و يمنعه، دونك النبع كله و النهر ذاته، ما شق الأرض إلا لك و ما جرى إلا ليغمرك فلا تكن أعظم المحرومين بالإعراض عنه. أدركه الآن و انغمس فيه حتى الغرق، فأنت لا تدري متى يأتي اليوم الذي تطلبه فيه و لا تجده، فهو ككل الأشياء الجميلة لابد راحل!
ابحث عن باقي جملة النعيم من حولك، لا تنسى نونك الأخرى رفيقة دربك حبيبتك/زوجتك، لا تفرط في الإعراب كثيراً و لا تدقق في أحكام الصرف. اصنع جملتك الخاصة و قواعدك الخاصه ابتدئ منها و انتهي إليها انزلق على حواف النون لكن احرص دائماً أن تكون في داخلها، لا تقف على طرف الصفحة بعيداً و لا تفقد دهشتك من جمالها يوماً و ثق أنك كلما اقتربت أكثر كلما نلت من الدهشة و النشوة مالم تكن تحسب أنك نائله.
تلفت حولك، تأمل كل نون أحاطك الله بها، تأمل صغيراتك اللواتي يلعبن من حولك، تأمل بسماتهن و لمساتهن و صخبهن البديع، أطلق قيثارة قلبك لتدخل معهن في معزوفة الحب، أغمض عينيك قليلاً و اصغ لهن بروحك، دع فيض برائتهن يلامس شغاف وجدانك و يهز كيانك في رعشة نورانية لم تتذوقها من قبل، اقطع كل صلاتك بحروف الهجاء النابية و حركات الضبط الفجة، اكتب كل جملك مبتدئاً بحرف النون في أولها و وسطها و آخرها، تخيله مركبة نورانية تحملك لتطوف في نعيم الدنيا قبل أن تقلع بك محلقة نحو الجنة.
كم هم سعداء أولئك الذين أدركوا سر النون، الذين غاصوا في أعماق نعيمها و برد ريها. لازال هناك متسع من الوقت لتلحق بهم..فقط افتح عينيك جيداً و أعد قراءة سطور حياتك دقق في جملها و حروفها، أفعالها و ضمائرها، و ستندهش كم من نون عظيمة في حياتك لم تلق لها بالاً من قبل.بادر الآن يا صديقي..لا تخجل من تعلم حروف الهجاء مجدداً.


السبت، 4 فبراير 2012

هنيئاً لسعادة الوكيل الحصري!


ثمة حادثتان شهيرتان اعتبرهما من أكبر حوادث الخداع الجماعي التي مررت بها، حادثتان تلاشت أمامها الحاسة النقدية المتشككة لدي و انخرطتُ في تماهٍٍ كاملٍ مع قطيع المخدوعين العريض حتى تكشفت اللعبة في النهاية و قد ربح من ربح فيها من الأذكياء و بقي المخدوعون من أمثالي يحكون رؤوسهم في حيرة حتى الآن.
الحادثة الأولى كانت حالة خداع عالمي و لم ينج من قبضتها أحد فيما أظن، و من تجرأ و شكك فيها لابد أنه غرق تحت أمواج الذعر و لم يُسمع له صوت، كانت تلك الحادثة هي (حمى سنة ٢٠٠٠ ) و ما رافقها من التهويل و التخويف بأن كل أجهزة الحاسب سوف تتعطل مع مطلع العام المهيب، الكثير من المقالات، و الكثير من التحليلات و التوقعات و التفسيرات للكارثة التي ستحل بالعالم نتيجة تحول التاريخ من خانتين إلى أربع خانات. و بالطبع لا يمكنك أن تنسى وجه المسؤول المهيب و هو يرتدي (البشت) الفاخر و يتحدث في جدية بأن وزارته قد استعدت لمواجهة مشكلة العام ٢٠٠٠ و أنهم اتخذوا كافة الاحتياطات اللازمة لذلك و أنه يحب طمأنة المواطنين بأن العمل في وزارته لن يتأثر إطلاقاً
بالطبع لم يتأثر العمل، الجهة الوحيدة التي تأثرت هي خزانة الدولة التي تحملت أعباء البرامج و العقود التي أبرمت مع تجار المرحلة و الذين لا زالوا يعتقدون أن عام ٢٠٠٠ هو أفضل عام مر على تاريخ البشرية!

الحادثة الثانية كانت قصة طويلة ممتدة لسنوات، كانت أحداثها أشبه بالمسلسلات التركية تتصاعد الإثارة فيها أحياناً ثم تخفت قليلاً ثم لا تلبث أن تعود إلى السطح مجدداً و هكذا بتكرار ممل لذات الأحداث. كان ذلك المسلسل هو قصة الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، و ما أدراك ما منظمة التجارة العالمية، الكثير و الكثير جداً من المصطلحات الغامضة التي يتفوه بها أشخاص مهمون جداً و بجدية كبيرة مع تقطيبة بين الحاجبين و الإشارة الدائمة إلى العولمة و الشفافية و الأسواق المفتوحة..إلخ..إلخ.
كانت مفاوضات الانضمام للمنظمة تبدو أشبة بمباراة في كأس العالم بين البرازيل و المنتخب السعودي لكن الفرق هنا أنك لا تشاهد المباراة لكن تسمع أخبارها من محللي القناه الرياضية السعودية فقط، تسمع عبارات (الحفاظ على خصوصيتنا، فرضنا شروطنا، لا تنازل عن ثوابتنا) حتى جاءنا البشير بأن المنتخب قد فاز بضربات الجزاء، و أن العملاق المسمى المنظمة قد أذعن صاغراً لشروطنا و وافق عليها و رحب باقتصادنا العملاق فيها. و لأنني مواطن صالح من فئة الموظفين لم أهتم كثيراً بمعرفة التفاصيل، لكنني صدقت ذلك المسؤول و هو يبشرني و براءة الأطفال في عينيه بأنهار العسل و اللبن التي ستغدق علي و بمزايا الشركات الكبرى التي ستافس على إرضائي، و بأن ريالاتي القليلة التي أجنيها ستصبح ذات قيمة أكبر أمام شركات عملاقة تطمح في كسب أرض جديدة لإرضاء الزبون
و في ذات الوقت كان مسؤول آخر يحذر التجار و الوكلاء المحليين من صعوبة المرحلة القادمة و أن عليهم تعديل أوضاعهم و تحسين خدماتهم قبل أن تكتسحهم الشركات الدولية.
و الآن و بعد مرور تلك الأعوام أكتشف أن الوحيد الذي تم اكتساحه هو أنا، تلاشت مدخراتي و ازدادت ديوني و غمرتني موجة غلاء حتى كتمت أنفاسي بلا رحمة. و ذات المسؤول يظهر كل عام ليتحدث عن متانة الاقتصاد و وفرة الميزانية و الرخاء القادم. يتحدث و إلى جواره معالي التاجر الكبير الذي يحتكر توريد ماركة سيارتي و يرفع في سعرها و سعر قطع غيارها كل بضعه أشهر دون رقيب، يلتفت المسؤول تجاه فضيلة التاجر ليشكره على حسه الإنساني و مجهوده الرائع في إيجاد فرص عمل للشباب العاطلين ولا ينسى بالطبع أن يهنئه بالجائزة التي نالتها شركته كأكبر موزع في العالم لشركه السيارات تلك. وطبعاً لا أحد يأتي على ذكر منظمة التجارة العالمية و التنافسية و الأسواق المفتوحة و كل ذلك الكلام الذي صدقه ساذج مثلي ذات يوم.
يبدو أنني مدين باعتذار لسعادة المسؤول المبجل عن سذاجتي التي حرمتني فهم المعنى العميق لكلامه الفخم و مدين كذلك بتهنئة لسعادة الوكيل الحصري...و أقول له ألف مبروك لقد ربحت الجائزة و المنظمة و الأنظمة و الشعب الذي تحتكره، فهنيئاً لك!


العبارات ذات اللون الأحمر لم تنشر في جريدة الشرق 

الثلاثاء، 24 يناير 2012

إبداعات فراس عالم في مقهى مكة




نظم مقهى مكة الثقافي أمسية قصصية للدكتور فراس عبد العزيز عالم، وأدار الأمسية خالد قماش عضو الجمعية العمومية لنادي مكة الأدبي، وعضو المقهى الثقافي، وقدم الدكتور عالم خلال الأمسية باقة من قصصه التي تفاوتت بين الطويلة والقصيرة والمتوسطة، وتفاوتت بين والجداني، الاجتماعي والإنساني والتأملي، ومن أبرز عناوين قصصه (مغلق للتحسينات)، (نافذة زرقاء)، (بياض)، (كأنه هو)، (أحزان الحذاء الأحمر)، (دفتر)، (حب ولكن)، (لماذا أفعل ذلك يا جدتي).
وأخضع الناقد سمير الفيل، قصص فراس عالم للنقد والتحليل، واعتبرها تكشف معاناة الإنسان المعاصر، وذات وفرة في الحركة، شعور بالقلق، تفتح مجالا واسعا للتأويل، وتقدم عالما حقيقيا من وراء هالة شفافة، مع الرصد والوضوح، فضلا عن الحرفية والإتقان.
وأبدى عدد من المتداخلين، آراءهم في الأمسية وفي قصص فارسها، وأثنت الدكتورة كوثر قاضي، التي أدارت الأمسية من الصالة النسائية، على أسلوب فراس عالم ولغته الخالية من القوالب الجاهزة ، المرتبطة بحميمية الحياة، فيما طرحت الكاتبة إيمان الأمير عدة استفسارات على القاص، في حين أشار الدكتور عبدالعزيز الطلحي إلى العلاقة التي تربط فراس بالأشياء فتمنحها الحركة والحياة.
وهنأ الروائي صلاح القرشي فارس الأمسية على تحقيقه مطمح السارد في أن تمنح نصوصه المتعة لمن يسمعها، وأبدى فريد سنان إعجابه بقصص عالم، واعتبرها ذات مفاهيم متعددة ومستقاة من واقع المجتمع ومن حياة الناس، بدوره وربط أحمد حلبي بين طبيب الأسنان الشاب المكي فراس عالم، وطبيب الأسنان القاص الرائد عصام خوقير، وما تجمعهما من قواسم مشتركة.
وكان لعضو مجلس إدارة النادي نبيل خياط تعقيب، أشاد فيه بفارس الأمسية وما قدمه من قصص إبداعية يرتبط الكثير منها بالبيئة المكية، وهنا أوضح المتحدث الرسمي للنادي الدكتور عبد الله فدعق، أن نادي مكة الثقافي الأدبي يفخر بنشاط مقهى مكة الثقافي، مؤكدا على أن النادي متكفل بالدعم المادي والمعنوي لكافة نشاطات المقهى، الذي ينظم الأمسية مستهلا أول نشاطاته بعد انضمامه الرسمي تحت مظلة نادي مكة الثقافي الأدبي.

صحيفة عكاظ. الأحد بتاريخ ٢٢-١-٢٠١٢

السبت، 21 يناير 2012

فراس عالم

د. تهاني سعيد الحضرمي


في مساء لامع مختلف باختلاف الطقس ودرجات الحرارة اليومية بات الثلاثاء الماضي ساطع وكأن الفضاء الثقافي للمكان جسد رؤية ومنهجية إبداعية تحكي حكايات من منبر المقهى الثقافي في النادي الأدبي بمكة المكرمة.. كانت الأمسية مختلفة باختلاف القصص والروايات والأحداث والشخصيات وبدأت الرحلة حيث أبحرت السفينة بقيادة القبطان الشاعر خالد قماش إلى شواطئ المشاعر في الأمسية القصصية حيث المفردة الأنيقة والإحساس الصادق الذي ظهرت فيه استقلالية هوية القاص بالإيجاز والشاعرية والإدهاش ومجاراة الحياة السريعة في العصر الراهن.. لقد كان للبناء القصصي والتجربة الإبداعية المعاصرة في القصة القصيرة وأساليب السرد المتطورة التي استخدمها القاص وعمل على توظيفها في تقنية النص الأثر الواضح في استثمار نبرات الصوت والإيماءات التي جذبت الانتباه وجعلت من الاستماع أحد أدوات الحس الإنساني العميق نحو تتابع أحداث القصة التي سردها ببراعة وقناعته ونظرته نحو الحياة.. لقد كان لتمتعه بالمساحة الواسعة في التعبير عن الذات والغوص نحو الأعماق أبعادا أخرى أكدت التفاعل الوجداني مع الموقف القصصي بالتغيير في حالة الموقف وتبني التفاصيل الإدراكية نحو الصياغة الجذرية للرؤية الشخصية للحدث، فقد استخدم مهارات فنية في النسيج اللغوي الذي يُمثل السهل الممتنع واستعرض جوانب اختزال الإيحاءات ووصف الملامح والذكريات وطرق بوابة الماضي في حاضر ينتظر المستقبل ويقرأ حروف الخيال في واقع يمتلئ باليوميات التي تعلق في ذهنه بدقة وترسمها ريشته الذهنية وكأنها خرائط جغرافية تؤمن بأن التضاريس سر من أسرار الكون لن يعلم مكنونها سوى خالقها.. في الحقيقة لقد احترت حين أردت كتابة هذا المقال!! استوقفني العنوان كيف أختاره؟؟ والمقال يخص أخي طبيب الأسنان القاص (فراس عالم) الابن الأكبر لأمي التي لم تلدني تلك السيدة العظيمة التي تحمل بين أضلعها قلباً يتسع للعالم بأسره تُربي دون أن تتذمر، تُضحي دون أن تمن، تتألم دون أن تشكي، تُعطي ولا تنتظر أن تأخذ.. تلك السيدة هي من حولت انكسار اليُتم في نفوس أبنائها إلى خطوات نجاح واثقة تقف على عتبة الزمن أمام نافذة الغد تنظر إلى إشراقة الشمس صباح كل يوم جديد بأمل في الله كبير بأنه وحده قادر على توفيقهم وحفظهم من كل مكروه.. تلك السيدة التي كانت في يوم من الأيام هي الأم والأب لأطفالها الثلاثة ترقرقت الدموع في عينيها وهي تستعيد شريط ذكرياتها من التعب والقلق والخوف من المجهول وفي ذات الوقت تُنصت إلى هُتاف نبضات ابنها الطبيب فراس وهو يشكر صنيعها ويُقبل راحتيها في أروع صورة من صور البر والإحسان قطر: أمي نور بارك الله لكِ بهم وجعلهم قرة عين لكِ بإذنه تعالي وتأكدي (إن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب) رالف و.أمرسون

  نشر في جريدة البلاد السعودية بتاريخ 21-01-2012

السبت، 14 يناير 2012

على باب الوزير

التجمهر الذي قام به خريجو المعاهد الصحية أمام مبنى وزارة الصحة بعد مناشدات ومطالبات وأوامر ملكية لم تنفذ حتى الآن، ينبغي ألا ينظر إليه كمشكلة تقليدية بين وزارة ومواطنين، فهو وإن دل على تقاعس إداري من قبل الوزارة في احتواء وتوظيف هؤلاء الخريجين إلا أن جذر المشكلة يكمن في منطقة أعمق بكثير من النقطة التي نراها، وأي حل يكتفي بتهدئة غضب المعتصمين وتوظيفهم بشكل طارئ ما هو إلا ترحيل للمشكلة لأعوام مقبلة سيتراكم فيها خريجون جدد وتعود الدائرة المفرغة للانغلاق مجدداً.


إذن أين يكمن الخلل؟ يمكن تشخيص الخلل بطريقة أسهل لو عقدنا مقارنة مع قطاع حيوي آخر مر بذات مراحل المشكلة حتى استفحلت وهو قطاع التعليم. فكل من قطاعي التعليم والصحة يتشابهان في كثير من المعطيات.

أولها أن كلا القطاعين من القطاعات الحيوية التي لا يمكن للمجتمع أن يتنازل عن خدماتهما كماً أو كيفاً.

كما أن كوادر القطاعين تحتاج تدريباً وتأهيلاً متخصصين يضيقان على من يحصل عليهما فرص العمل في قطاعات أخرى، ويجعل مصيره العملي مرتبطاً بذات القطاع شاء أو أبى.

كذلك مما يجمع بين القطاعين ترهل الكادر الحكومي الذي يقدم الخدمة للمواطنين وعجزه عن القيام بدوره في تقديم خدمة مرضية للمواطن كماً وكيفاً. فالشكاوى من أداء القطاعين تكاد تكون متطابقة من حيث التكدس وقلة المقاعد/ الأسرة وتدني مستوى الخدمة ومستوى تأهيل الكوادرالتي تقدمها.

وثنائية الحاجة والعجز هذه وضعت القطاعين في موقف فريد من نوعه فهما من ناحية عاجزان عن استيعاب الكوادر الطالبة للعمل في القطاع الحكومي، نتيجة محدودية وبيروقراطية سياسة التوظيف في القطاعات الحكومية وفي ذات الوقت تعترف كلتا الوزارتين بالفجوة الهائلة بين الخدمات المتوفرة والزيادة المتسارعة في عدد السكان وتسابقان الزمن بإنشاء المزيد من المشروعات التوسعية لزيادة عدد المنشآت لسد تلك الفجوة، وكأن كتل الأسمنت تلك لا تحتاج مزيداً من الموظفين!

المخرج الذي أنقذ القطاعين ولو بشكل محدود من حرج قصور الخدمة وعدم تناسبها مع الكتلة البشرية هو وجود قطاع خاص قديم النشأة يشارك في تقديم الخدمة بهامش ربح جذاب ساعد على توسعه أكثر وأكثر لاستيعاب الطلب المتزايد الذي قصرت عنه المنشأة الحكومية، لأجل ذلك ظلت علاقة الوزارتين بالقطاع الخاص علاقة امتنان وتقدير للدور الذي يقوم به في تخفيف حرج التقصير عنها. فتم رد الجميل بغض الطرف عن التدخل في شؤونه وتُرك القطاع الخاص يدير نفسه بآليات أقرب لآليات السوق التجارية (البحث عن أكبر هامش ربح بأقل قدر من النفقات)، وبالتالي تولدت أعراف وتقاليد خاصة بسوق التطبيب والتعليم الأهلي أشبه بالقوانين التي لا يمكن اختراقها وجعلتها بيئة طاردة لطالب العمل السعودي، رغم الاحتياج المتزايد لحاملي تلك المؤهلات لكن عُرف الراتب المتدني وساعات العمل الطويلة وتفضيل كوادر من جنسيات محددة في تلك المهن، نتيجة إدارة تلك المنشآت الخاصة من قبل أصحاب تلك الجنسيات لعقود طويلة قبل توفر الكوادر الوطنية. كل تلك العوامل مجتمعة ولدت ذلك التباين الحاد والغريب بين القطاعين الحكومي والخاص، وجعل وزارتي الصحة والتعليم في موقف سريالي لا تحسدان عليه، حيث تدفعان الآن ثمناً فادحاً لأخطاء كثيرة متراكمة منذ عقود، فالدولة بسبب عيوب نظام الخدمة المدنية الجوهرية لن تستطيع التوسع في التوظيف إلى ما لا نهاية، وفي نفس الوقت ليس من المنطقي أن تترك الحبل على الغارب في الضفة الأخرى للقطاع الخاص، الذي أصبح بيئة مختلة تطرد المواطن وتستجدي الأجنبي من كل أصقاع الدنيا لأسباب لا تتعلق أبداً بالكفاءة أو التأهيل.

ولا يمكننا أن نلوم القطاع الخاص ونتهم مستثمريه بالجشع وغياب الحس الوطني ونكتفي بذلك، فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتق القوانين التي أنتجت هذا الوضع وسياسات التخطيط التي اتبعتها تلك القطاعات بدون رؤية واقعية متكاملة، أفرزت في النهاية تلك التشوهات المزعجة.

وتراكم احتجاجات الشباب الغاضب الباحث عن عمل ليست سوى مؤشر بسيط على مقياس السخط الشعبي تجاه القطاعين وخدماتهما، والتي للأسف لا يبدو حتى الآن أن مسؤولي الوزارتين يعون عمق الخلل فيهما فضلاً عن السعي لاجتثاثه.

في الأسبوع المقبل نتناول أفكاراً من الممكن أن تكون مفيدة لوزارة الصحة في الخروج من هذا المأزق.


 صحيفة الشرق المطبوعة  بتاريخ (١٤-٠١-٢٠١٢)

الاثنين، 2 يناير 2012

جناية العالِم

كان (توماس أديسون) عالماً عظيماً ولا شك، ربما أعظم علماء القرن العشرين على الإطلاق بأكثر من ألف براءة اختراع في الولايات المتحدة وحدها، عدا الاختراعات الأخرى المسجلة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
إنه الرجل الذي أضاء العالم بمصباحه الكهربائي، ونقله إلى الحضارة الحديثة، وأعاد تعريفنا للزمن بشكل جذري.
أديسون الذي اخترع كذلك التيار الكهربائي ومحطات التوليد ومنح الناس تذكرة باتجاه واحد للدخول في عصر الرفاهية.
لا شك أنه كان فخراً للأمة الناشئة حديثاً ونصراً للجمهورية الجديدة وأفكارها ومبادئها، فنجاح أديسون الساحق كان ظاهرة في حد ذاتها، فهو لم يكن مخترعاً تقليدياً من الطراز القديم، بل رجل أعمال موهوب يتشمم الفرص واحتياج السوق ليوجه أبحاثه، حيث الربح المضمون فيخلق معادلة مثالية للمجتمع الأمريكي الحر في أحسن حالاته، معادلة (رابح/رابح)، المجتمع يتطور والتاجر يكسب، فيتوسع في الأبحاث وينتج المزيد من السلع والاختراعات التي تدفع المجتمع نحو مزيد من التطور والرفاهية وتتكرر الدائرة وتتناسخ إلى ما لا نهاية. لذلك كان أديسون رجل الساعة بلا منازع، صاحب أكبر شركة كهرباء وأكبر معامل أبحاث وفريق عريض من البحاثة الموهوبين وأرصدة متراكمة في البنوك وعلاقات نافذة بالصحافة والإعلام ورجال الدولة، كان مثالاً للرجل الكامل الموهوب الذي لا يتكرر، الذي يتشرف الجميع بالاقتراب منه والتعرف إليه.
إلا أن ذلك الجانب المشرق من القصة له خباياه المظلمة كذلك، فالعالم والمخترع العبقري لم يكن نزيهاً على طول الخط، ومر بفترات سيطرت فيها نزواته التجارية على قيمه العلمية، فاتهم بسرقة أبحاث واختراعات علماء آخرين، وتسجيلها تحت اسمه طمعاً في الربح حيناً وبدافع الغيرة أحياناً أخرى. ولعل أشهر تلك المعارك غير النزيهة وأكثرها ضراوة تلك التي خاضها أديسون ضد عالم آخر هو (نيكولا تسلا)، فهذه المعركة بالذات امتدت لعقود ولم ينهها إلا الموت، وكلفت البشرية جمعاء خسائر لا تقدر بثمن.
خسائر ندفع ثمنها اليوم وحتى سنوات أخرى مقبلة.
بدأ (تسلا) حياته كمهندس صغير في شركة أديسون قبل أن يدب الخلاف بينهما بسبب تراجع أديسون عن مكافأة وعده بها بعد أن أوجد له حلولاً لمشكلات تقنية معقدة، ترك المهندس الغاضب العمل لدى سيده، وبدأ أبحاثه بشكل مستقل، وهو ما لم يغفره له أديسون أبداً، خصوصاً عندما خرج تسلا بأول اختراعاته العبقرية، وهو التيار الكهربائي المتردد (AC)، الذي كان أكثر نجاعة وفعالية من تيار أديسون الثابت (DC)، هنا ثارت ثائرة الأخير فشن حرباً ضروساً على تسلا واختراعه، وأخذ يبث الإشاعات بين الناس بأن التيار المتردد خطير ويقتل الناس، ولكي يثبت تلك الفكرة قام باختراع كرسي الإعدام الكهربائي باستخدام التيار المتردد.
أجل يا صديقي، كرسي الإعدام الكهربائي كان وسيلة أديسون للدعاية المضادة ضد التيار المتردد، لكن المعركة حسمت في النهاية لصالح التيار المتردد فلم يتقبل أديسون الهزيمة، وشن حرباً شخصية ضد تسلا جعلته يلاقي صعوبات بالغة في تمويل أبحاثه، وانتهت به الحال أن يموت فقيراً معدماً حاقداً على الدنيا، ولتعرف فداحة الخسارة فلك أن تتخيل أن تسلا اخترع الراديو قبل ماركوني بعشر سنوات، واخترع جهاز الرادار قبل ظهوره بخمس وعشرين سنة، وعرض المخطط على الحكومة لكن أديسون أقنعها برفضه، كما أنه نجح في اختراع نمط للموجات الكهربائية يجعلها تنتقل لاسلكياً، وأضاء بالفعل أكثر من مائتي مصباح على بعد أميال من معمله بدون تمديدات، لكن لم يكتب له أن يكمل تجاربه لأنه فشل في إيجاد ممول يصرف على أبحاثه الباهظة، وسط حملات التشكيك والترهيب المتصلة من أديسون.
هل يذكرك صراع أديسون – تسلا بشيء؟ إنه صراع المصالح الضيقة والأفكار المنغلقة التي تمردت على المنطق الأشمل والفضاء الأوسع للصالح العام.
وقد دفع المجتمع ثمناً باهظاً نتيجة خضوعه لنفوذ وهيبة (العاِلم/ النجم) دون أن يحاسبه أو يسائله، فسُخرت الدولة بكامل أدواتها لتصبح أداة للصراع في يد طرف من الأطراف، ولتسحق الطرف الآخر بلا هوادة.
والخلاصة؟.. لا خلاصة هناك، فقط علينا أن نتذكر أن البشر، كل البشر، يخضعون لذات المغريات، وأن لا أحد مهما بلغت عبقريته وعلمه يؤخذ كلامه دون نقد وتمحيص!

صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٧) بتاريخ (٣١-١٢-٢٠١١)