الجمعة، 2 نوفمبر 2012

هل حان الوقت لإنشاء مطار مكة؟



و هل مكة بحاجة فعلية لمطار؟ مالذي يضيفه مطار جديد و هناك مطار دولي موجود بالفعل  لا يبعد أكثر من ٨٠ كم عن مكة؟ ألا ينبغي لهذا المطار أن يكون خارج حدود الحرم؟ ألن تكون المسافة التي تفصله عن مكة مقاربة بالفعل للمسافة التي تفصلها عن مطار جدة؟
ثم أليست تضاريس مكة الواقعة في واد بين جبال عائقاً طبيعياً ضد فكرة المطار؟
ولكن على الحهة الأخرى، لماذا لا تكف المطالبات المستمرة بإنشاء مطار في مكة المكرمة؟ لماذا تعود الفكرة لتطرح عاماً بعد عام و من فئات شعبية و رسمية مختلفة؟ آخر تلك المطالبات كانت  توصية لمجلس الشورى عام ٢٠١٠ تطالب  بإنشاء المطار. ولماذ يطالب به الكثير من مسؤليي و أعيان مكة المكرمة ليس آخرهم أمين العاصمة المقدسة د. أسامة البار و الذي صرح بأن إنشاء المطار"سيكون خدمة جليلة لأهالي مكة المكرمة”(جريدة المدينة ٢٦-٤-٢٠١٠).
هيئة الطيران المدني من جهتها كانت الطرف الرافض على الدوام لمشروع المطار و رغم صدور توصية مجلس الشورى قبل عامين إلا أن الهيئة اكتفت بالتجاهل أو بتصاريح صحفية مقتضبة على لسان مصادرها برفض الفكرة.
التصريح الوحيد الذي تناول الموضوع بشيء من الوضوح كان للدكتور علي الزهراني مدير التخطيط للشركات في هيئة الطيران المدني و الذي صرح ضمن لقاء علمي  عقد العام الماضي في جدة بأن "فكرة مطار مكة مرفوضة لثلاثة أسباب تشمل مواقع المطارات والتي يجب أن تكون بعيدة عن المدن بمسافة كبيرة، إضافة إلى جغرافية مدينة مكة الجبلية والتي تصعب من المهمة، واقترابها من مدينة جدة" (جريدة الوطن ٢١-٦-٢٠١١)
السؤال هنا، هل هذه معوقات حقيقية و قاهرة لا يمكن التغلب عليها؟ و لكن قبل مناقشة المعوقات، هل هناك جدوى حقيقية من إنشاء ذلك المطار؟
و لأن الموضوع أشبع نقاشاً و مناظرة بين كتاب الصحف على مدى سنوات فلن أضيف رأياً شخصياً جديداً في الموضوع بل سأستعرض دراسة علمية محكمة كتبها الباحثان طارق فدعق و حاتم مرداد  نشرت  في مجله جامعة الملك عبدالعزيز للعلوم الهندسية عام ٢٠٠٢.
تناقش الدراسة بأسلوب علمي حاجة مكة الفعلية إلى مطار، و تفند الأثر الاقتصادي و الحيوي الذي يلعبه إنشاء المطار و الحاجة إلى فصل مطار جدة عن خدمات الحج و العمرة، حيث وجدت الدراسة أن ٤٠٪ تقريباً من قاصدي مطار جدة يقصدونه للذهاب إلى مكة مما يجعله مزدحماً طوال العام و يؤثر على توفر الرحلات للأغراض الأخرى كما أن النمو السكاني و زيادة الازدحام جعل الوصول من و إلى مطار جدة عبر الخط السريع أكثر صعوبة فبعد أن كانت الكثافة المرورية للطريق تقدر ٣٨  آلف رحلة في اليوم عام ١٤٠٣ هـ ، ارتفعت لتبلغ ٢٠٠ ألف رحلة في اليوم عام ١٤٢٥ و بالتأكيد تضاعف هذا الرقم في هذه الأيام. (طبعاً الدراسة أجريت قبل فتح العمرة على مدار السنة، حيث تجاوزت تأشيرات العمرة لهذا العام وحده خمسه ملايين تأشيرة)
و تضيف الدراسة إن تخصيص المطار سيسهل نقل الحجاج بين مكة و المدينة و يقلل تكلفة النقل و استهلاك الطرق والزحام و ينعش الاقتصاد المحلي و يخلق المزيد من فرص العمل.
لكن أهم ما في الدراسة هو المسح الميداني الذي قامت به لجغرافية و مناخ مكة و خلصت إلى اقتراح موقعين مناسبين لإنشاء المطار، كلا الموقعين تنطبق علية شروط المنظمة الفيدرالية للطيران المدني لإنشاء المطارات و فصلت الدراسة بتوسع مميزات كل موقع و احتياجاته للتأهيل كمطار و حتى حجم الممرات و نوع الطائرات التي يمكن أن يتم استيعابها في المطار.
الموقع الأول يقع بالقرب من الجموم شمال مكة المكرمة و هو الذي فضلته الدراسة كخيار أول مقابل الخيار الثاني في منطقة الشميسي و الذي ترى الدراسة أنه مناسب جداً كذلك لكن تكلفة تأهيله قد تكون أعلى من الموقع الأول.
ولا ترى الدراسة تعارضاً في تقارب المسافة بين مطار مكة و مطار جدة لأن كليهما يؤدي وظيفة حيوية تكاملية مع الآخر كما هو معمول به في مدن كثيرة حول العالم يخدمها أكثر من مطار  في ذات الوقت
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل قبولنا أو رفضنا للمشاريع الاستراتيجية الكبيرة مبني على دراسات علمية أم على انطباعات عاطفية؟ و كم دراسة مماثلة أجرتها أو رعتها هيئة الطيران المدني قبل أن تصدر قرارها؟
ألا تستطيع هيئة الطيران المدني أن تجري دارسات مماثلة لتأكيد أو نفي الحاجة للمطار؟
و إن لم تفعل فهل يتفضل مسؤولوها بالاضطلاع على هذه الدراسة على الأقل و مناقشتها بدلاً من تكرار الحديث عن الجغرافيا و التضاريس دون بينه؟


لو لم أكن غنياً..لكنت رجلاً طيباً!



إلى أي مدى يرتبط الغنى بالأخلاق؟ و الثروة بالفساد؟ هل من الضروري أن يكون الغني مستبداً و شريراً؟ و هل بالفعل يصنع الأغنياء ثرواتهم على حساب الضعفاء دائماً؟
لماذا يملك الناس بشكل عام ذلك الشعور السلبي تجاه الأغنياء و فاحشي الثراء؟ وهل ذلك الشعور له أسباب منطقية أم أنه رد فعل طبيعي في أي مجتمع يملك طبقة عريضة من الأغنياء؟
كيف يمكن أن تفسر تبرعات سخية لرجل أعمال في مجالات البر في ذات الوقت الذي تمارس شركته أعمالاً احتكارية أو غير قانونية؟ هل الأمر مجرد ازدواجية في المعايير؟ أم أكبر من ذلك؟
بعيداً عن حساسية النطاق المحلي لنأخذ مثالاً عالمياً. كلنا يعرف الملياردير (بيل جيتس) رئيس مايكروسوفت السابق. بيل جيتس الآن يدير مؤسسه خيرية ينفق فيها جزءاً كبيراً من ثروته و التي قدرت في يوم من الأيام بأكبر ثروة في العالم. يتبنى بيل غيتس مشاريعاً خيرية لمكافحة الجهل و الفقر في أفريقيا و ينفق عليها بسخاء. لكن المثير للتأمل أن (بيل غيتس) عندما كان يقود شركة مايكروسوفت خاض محاكمة طويلة كادت أن تنتهي بتقسيم شركته بتهمة الاحتكار و الممارسات الغير نزيهة، كما أن سمعة شركته لم تسلم من اتهامات كثيرة من شركات صغرى بالسطو على منتجاتها دون أخذ موافقتها القانونية. فكيف يمكن التوفيق بين الوجهين؟ وجه الشرير في الإدارة و المتبرع السخي لإنقاذ العالم بعد التقاعد؟ و هو مثال يتكرر كثيراً مع أثرياء آخرين أقل أو أكثر شهرة من بيل غيتس.
في الحقيقة لفهم هذه المفارقة يجب أن نعود قليلاً للخلف لتحليل مفهوم الثروة و الرأسمالية في الفكر الغربي. فالفكر الرأسمالي الغربي يفصل فصلاً حاداً بين عملية الربح التجاري و بين الإلتزام الأخلاقي و يرى الخلط بينهما إضرار بآلية السوق، فالسوق وحده يصنع قيمه الخاصة به و يصنع آلياته التي تقوده لمنفعة أطراف التجارة سواء كانوا بائعين و مشترين أو عمالاً و أصحاب عمل. هذه القيمة البسيطة هي التي تبنتها الشركات الكبرى بشكل أكثر تعقيداً لتصبح ماهي عليه اليوم. فالشركات الكبرى أصبحت كيانات ذات شخصية و هوية خاصة بها،وظيفتها الوحيدة هي الربح و لا شيء سواه. الشركات لا مالك وحيد أو ثابت لها، بل إن قائمة مالكيها تتغير كل ساعة حسب حركة أسهمها في البورصة، و هي كذلك لا تخضع لشخصية مديرها أو رئيس مجلس إدارتها بل تخضعه هو و فريقه لخدمتها و ابتكار المزيد من الطرق لزيادة أرباحها.
الشركات العملاقة تحولت لتصبح كيانات أشبه بوحوش أسطوريه أو ديناصورات عملاقة نهمة بشكل دائم لمزيد من الربح و مزيد من المال و لا يهمها في سبيل تحقيق هذا الربح إن جاء بطريقة أخلاقية أو لا فضلاً عن أن تكون لائقة أو مقبولة اجتماعياً. بل حتى الشركات التي تكون بداياتها رومانسية و تروى كقصص عن مكافحة الاحتكار سرعان ما تتحول لتصبح كائنات مفترسة كي تستطيع الاستمرار، يروي صاحب كتاب (قصة جوجل) أن أهم مصادر دخل جوجل و هو الإعلانات المتزامنة مع البحث قد تمت سرقة فكرته من شركة (ياهوو) و أن ٠جوجل) اضطرت لدفع تسوية مالية ضخمة لشركة (ياهوو) بعد صراع قضائي عنيف. لاحظ أن الجميع و حتى زمن قريب كان  يتغنى بقصة ظهور شركة جوجل على يد طلبة دراسات عليا مكافحين لا يملكون المال الكافي لبد مشروعهم التجاري!.
و لو عدنا للماضي فلا شك أن المهتمين بقطاع النفط يعرفون جيداً قصة شركة (ستاندرد أويل) و التي سيطرت على قطاع النفط في أمريكا بشكل كامل في القرن الماضي مما جعل المحكمة العليا الأمركية تصدر قراراً تاريخيا بتقسيمها إلى ٣٤ شركة مختلفة حمايةً للاقتصاد من ضرر الاحتكار.
هذه القوانين الصارمة هي أهم  أداة لحماية المجتمع و الدولة من افتراس تلك الشركات للناس، فهي تؤدي دور لسعة السوط التي تردع الحيوان المفرس في السيرك عن الخروج عن دوره المرسوم له عندما يفكر في مهاجمه المتفرجين أو حتى الحيوانات الأخرى المشاركة معه في العرض. القوانين و الضرائب و الرقابة المجتمعية الصارمة هي البديل عن غياب عامل الأخلاق في مفهوم الشركات العملاقة و هي ما يدفعها للالتزام بالحد الأدنى من احترام الحقوق و حتى المشاركة في الخدمة الاجتماعية.
للمال دائماً بريق يعمي الأبصار و قوة تغري بالبطش و لا ينفع معها مخاطبة ضمير صاحب المال بقدر ما يجب تقييده بقوة القانون كي لا يحيد عن الطريق و هلاك المجتمعات يبدأ عندما تجتمع سلطة المال و الشريع في يد واحدة. عندها يصبح الفقراء أشبه بجمهور سيرك ترك ليواجه فرقة الأسود دون حواجز!


الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

تأثير البلاسيبو



كان السيد رايت مريضاً بالسرطان،بل في مرحلة متقدمة من المرض، كانت أورامه متناثرة في أجزاء متعددة من جسده و كان بعضها يبلغ في حجمة حجم برتقالة صغيرة. بمعنى آخر أقل مواربة كان الرجل يحتضر. سمع السيد رايت و هو في المستشفى عن دواء جديد مفيد في علاج السرطان، تحمس له كثيراً و أصر على تجربته، و بالفعل بعد ثلاثة أيام من تعاطيه كان السيد رايت يتمشى سعيداً في ردهات القسم، و بعد عشرة أيام كان قد خرج من المستشفى بعد أن تحسنت حالته تحسناً ملحوظاً. ما لم يكن يعرفه السيد رايت أن عدداً من مرضى السرطان الآخرين في ذات القسم قد تناولوا نفس الدواء بدون فائدة و أن الأبحاث أثبتت أن الدواء الذي تناوله فاشل و غير فعال في علاج السرطان.
كيف تحسن السيد رايت رغم أن العلاج غير فعال؟ لقد تحسن لأنه (اعتقد) بشدة أن هذا العلاج  مفيد و له قدرة على مقاومة المرض، و بالتالي فإن دماغه أعطى جسده إحساساً داخلياً بالشفاء بغض النظر عن فعالية الدواء.
هذا ما يسميه الأطباء بتأثير البلاسيبو (Placebo Effect). و يعرف العلماء البلاسيبو بأنها أي إجراء علاجي يتم إيهام المريض بأنه إجراء فعال و هو في الحقيقة وهمي و غير حقيقي، و من الممكن أن تشمل البلاسيبو حبوب الأدوية الوهمية و الحقن المائية و حتى العمليات الجراحية الكاذبة.  و على مدى عقود خضع الكثير من الناس لتجارب متعددة و استعملوا آلاف الوصفات و الأدوية الوهمية في محاولة لفهم تأثير البلاسيبو  و دائماً ما كانت النتائج مربكة و محيرة و تدل على تعقيد عملية التفكير لدى الإنسان و تباينها من شخص لآخر. ففي إحدى التجارب قام الأطباء بإعطاء حقن للمرضى و أخبروهم أنها تحتوي على مسكن قوي ضد الألم، و الواقع أن نصف المرضى فقط هم الذين أخذوا مسكناً حقيقياً في حين أخذ نصفهم الآخر محلولاً ملحياً فقط، لكن العجيب أن كلا الفريقين أبدى استجابة مشابهة في درجة تحمل الألم. و في دراسة أخرى أجريت في جامعة دنفر الأمركية عام ٢٠٠٤ تم إخضاع مرضى بحالات متقدمة من داء الباركنسون إلى جراحة تجريبية تهدف لزرع خلايا عصبية جنينية في أدمغتهم تساعد على تعويض مادة الدوبامين التي تفقدها خلاياهم العصبية، و قد تم إخضاع نصف المجموعة لجراحة حقيقية و نصفهم لجراحة كاذبة و العجيب في الأمر أن كلا الفريقين أبدى شعوراً متقارباً بالتحسن في طبيعة الحياة اليومية بعد الجراحة!.
و لا يقتصر تأثير البلاسيبو على الإجراءات المباشرة كالأدوية و الجراحة بل إن لا وعي المريض يلعب دوراً كذلك  فمجرد رؤية المريض للمعطف الأبيض للطبيب أو دخوله للمستشفى أو حتى تنشقه لرائحة المطهرات المميزة في المستشفيات كفيلة بإشعاره بنوع من التحسن.
ليس كذلك  وحسب بل حتى سعر الدواء و اسمه و جرعته تلعب دوراً في تأثير البلاسيبو الذي يرافقه. فبين دواء يكلف عشرة سنتات و دواء يكلف دولارين و نصف أبدى المرضى الذين تعاطوا الدواء الأغلى شعوراً أفضل بالتحسن بالرغم من أن كلاهما وهمي!.
لكن ما مدى أخلاقية وصف الأدوية الوهمية للمرضى؟ و هل هي حقاً فعالة على المدى الطويل؟ و هل استجابة المريض لدواء وهمي كفيلة بشفائة أم أنها تحجب التشخيص الدقيق لحالته و تؤخر شفاءه الفعلي؟
في الدنمارك خلصت دراسة أجريت على أطباء العموم أن ٥٠٪ بالمئة منهم يصفون أدوية وهمية للمرضى معظمها مضادات حيوية لحالات الرشح الفيروسي أو بعض الفيتامينات لحالات الإجهاد و  برر الأطباء تلك الوصفات رغم علمهم بعدم جدواها بأنها تمنح المريض نوعاً من الإرتياح و الثقة.
لنعد لقصة السيد رايت التي ذكرناها في بداية المقال، بعد خروج السيد رايت من المستشفى بأيام اضطلع على تقرير صحفي يشكك في جدوى العلاج الجديد الذي تلقاه و يصفه بأنه عديم الجدوى ، و بمجرد معرفته بذلك أصيب بانتكاسه و عاد إلى المستشفى و رغم محاولات الأطباء إنقاذه إلا أنه توفي خلال شهرين.
ترى كم مرة تعرضت أنت لتأثير البلاسيبو دون أن تعلم؟ كم مرة وصف لك الطبيب دواء غالياً لا تحتاجه فقط  ليقنعك بجدوى قيمة الكشف التي دفعتها أو ليتخلص من إزعاجك بالأسئلة المتكررة؟
كم مرة خضعت لجراحة أو إجراء علاجي مكلف قد لا يكون مفيداً أو ضرورياً لحالتك؟
ترى كم من مستشفياتنا العامة و الخاصة يمارس علينا العلاج بطريقة البلاسيبو دون أن نعلم؟
و هل لازلنا نمارس الحياة باطمئنان رغم الكوارث التي نسمع عنها في القطاع الطبي بفضل تأثير البلاسيبو؟ إن كنا كذلك فأرجو أن لا يكون مصيرنا نفس مصير السيد رايت عندما نعرف الحقيقة ذات يوم!

أُمرتا.. مؤامرة الصمت!



أومرتا هو عنوان آخر روايات الكاتب (ماريو بوزو) و التي لم يقدر له أن يعيش ليشهد لحظة صدورها، و تدور أحداثها كما جميع رواياته في عوالم المافيا و الجريمة المنظمة و الصراعات العنيفة بين أفراد تلك العصابات. قد لا يبدو إسم ماريو بوزو مألوفاً لديك، لكنه سكون كذلك بلا شك إذا ذكر اسم (العراب) الفليم الذي قدمه المخرج العبقري  كوبولا في عام ١٩٧٢و حصد جوائز أوسكار عديدة في ذلك العام. كان الفيلم مقتبساً عن رواية بذات العنوان لماريو بوزو،و صور ببراعة شديدة و للمرة الأولى العوالم الخفية لحياة عصابات المافيا، يقول ماريو بوزو انه استقى حبكته من قصص  حقيقية متعددة مزجها في نسيج روايته الشهيرة، في الرواية/الفيلم تشاهد الدون كورليوني زعيم العصابة و هو يمارس دوره كرب أسرة و عميد عائلة تقليدي. يحتفل بزفاف أحدى بنات العائله و  في ذات الوقت، يعطي أوامره الصارمة بتنفيذ العمليات الإجرامية. في عوالم المافيا دائما هناك عقيدتان مقدستان لا يمكن تجاهلهما، أولهما مبدأ الولاء المطلق للعائلة و الزعيم، و إسباغ المنح على من يثبت ولاؤه، الثانية هي أنه من غير المقبول إطلاقاً رفض طلبات الزعيم، و أي رفض له عقوبة واحدة هي الموت.
في كل قصص المافيا هناك تلك الأجواء الخاصة التي تشعرك أنك في عالم آخر لا ينتمي للعالم الذي تعرف لكنه حقيقي لأبعد حد، دائما ما تكون مشكلة الأسرة هي الانتقام من أسرة أخرى منافسة أو محاولة تجنب بطش عصابة أخرى تسعى للانتقام هي الأخرى.
لغة السلاح و القتل و السيارات الملغمة هي الأكثر فصاحة، و الطريف في الأمر أن الشرطة لا تظهر أبداً إلا في صورة ضابط فاسد يتلقى الرشى، أو ضابط ساذج معدوم الحيلة لا يعرف ما يفعل و يثير السخرية أكثر مما يثير التعاطف.
في عرف المافيا كذلك- وهذه حقيقة- عبارة شهيرة أصبحت أحدى سمات ذلك المجتمع المعقد هي (أُومِرتا-Omerta) و هي مصطلح خاص بالمافيا يعني (اتفاقية الصمت). فمهما بلغ دوي الحدث في المدينة و مهما سالت الدماء على الطرقات لا يسمح لأحد شاهد أو سمع عن الجريمة أن يتحدث للشرطة أو لأي طرف خارجي.
سيأتي المحققون، يستجوبون الشهود، يعتقلون المشتبه بهم، يستنطقون الأدلة. كل شيء واضح و صريح و يشير إلى الفاعل الذي هو أحد أفراد المافيا. لكن لا أحد يتحدث، لا أحد يجرؤ على الشهادة، يضرب المحقق رأسه بالجدار، القضية تتسرب من بين أصابعه كالماء الجاري، يطلق المتهمين و هو يعلم أنهم في طريقهم لارتكاب جريمة أخرى لكن ما العمل؟ إنها الـ(أومرتا).
شخصياً أعتقد أننا أصبنا بلعنة الـ(أومرتا)منذ زمن بعيد. نحن وبلا فخر نطبق نظرية الصمت أكثر بكثير من رجال المافيا أنفسهم. نطبقها مرات عدة في اليوم و الليلة. و يمكنك التأكد من كلامي إذا استرجعت أحداث أسبوعك الماضي فقط. تذكر آخر مرة جلست فيها مع أصدقائك، عن كم مشكلة من مشاكل العمل تحدثتم؟ عن تجاوزات مديرك المباشر؟ عن أخطاء المدير الإقليمي؟ عن أخطاء سياسة الشركة أو الوزارة بالكامل؟ عن يقينك بفساد هذا المسؤول أو ذاك؟ لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ تغسل من ذهنك كل ما تحدثت به قبل قليل و أنت تغسل يديك بعد تناول طعام العشاء... أومرتا!.
تنتقد عادات أسرتك أو قبيلتك، تصفها بالبالية و المخالفة للشرع، تبدي تذمراً أمام زوجتك و بعض أصدقائك، لكنك تكون أول المبادرين بالالتزام بها و ربما الدفاع عنها أمام الآخرين.. أومرتا!
تكون فصيحاً جداً عندما تتحدث عن المنافقين و المتاجرين باسم الدين  لكنك تصاب بالخرس إذا طلب منك تسمية اسم أحدهم صراحة و ربما بادرت ذلك الأحد بالعناق إذا قابلته في مكان عام .....أومرتا.
نحن في الحقيقة نعيش ضمن (أومرتا) جماعية كبيرة، تربينا عليها و نواصل بحماس تربية أبائنا على المحافظة عليها، نلقنهم بشكل عملي عبارات (مو شغلك) و (مالك صلاح) و (خليك ساكت أحسن) و (من خاف سلم) في كل موقف مدعيين الحرص على سلامتهم، و لا نعرف أننا بذلك ندمر أخلاقهم و إحساسهم بالمسؤلية.
الـ(أومرتا) التي نعيشها هي التي جعلتنا سلبيين و انهزاميين، لا نجرو حتى على الاعتراض على سوء خدمات البلدية، نتحمل قذارة الحي و حفر الشوارع في صمت و لا نتحدث، فضلاً عن أن نغير الوضع للأفضل.
 أليس من الأجدى قبل البحث عن علاج الفساد أن نبحث عن علاج يخلصنا من الـ(أومرتا)؟