الثلاثاء، 24 يونيو 2014

فراس عالم: أنا وأصدقائي وقعنا ضحية تصريحات «الثقافة» الرنانة حول استقلالية الأندية


مكة المكرمة- صلاح القرشي

الحياة ١٩-١-٢٠١٤

أكد القاص والكاتب فراس عالم أن الاحتشاد الذهني الذي تتطلبه الكتابة الإبداعية تسرقه الكتابة الأسبوعية التي تبدو له أحياناً «أشبه بتنين فاغر فاه يلتهم الأفكار بشراهة ولا يشعر بالشبع أبداً، وربما أكون في حاجة إلى الموازنة بين الاثنين كي لا يطغى جانب على آخر». وأوضح أنه ليس منشغلاً عن الكتابة القصصية التي يمارسها، «فمجموعتي الوحيدة (المشبك الخشبي) ظلت حبيسة الأدراج قرابة الـ10 أعوام قبل أن أجد الجرأة لنشرها»، وفي رده على سؤال «الحياة» حول ابتعاده عن الكتابة القصصية، وهل من أثرٍ تركه نشاطه في وسائل التواصل الاجتماعي؟ أشار إلى أنه ربما لارتباطه بالكتابة الأسبوعية أثر في الابتعاد أكبر من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال: «أستطيع تسمية تجربة الكتابة الأسبوعية بالورطة اللذيذة، إن صح التعبير. عندما بدأت الالتزام بالمقالة لم أكن أتخيل أنني سأكمل العام، خصوصاً أن البحث كل أسبوع عن فكرة وصياغتها وترويضها لتنحشر في حيز المقالة الضيق مساحة وسقفاً ليس بالأمر الهين، لكنني ولسبب لا أعلمه تحديداً أتممت عامي الثاني مع أرشيف يزيد على 100 مقالة. تراودني كثيراً فكرة التوقف، ويلح علي السؤال الأبدي هل هناك من يقرأ؟ وهل ستجدي الكتابة شيئاً؟ لكن ما يمنحني الدافع هو رهاني الخيالي على ذلك القارئ المجهول، قارئ افتراضي أتخيله في قرية صغيرة، أو على مقعد طائرة ربما تغير الكلمات شيئاً من قناعاته أو تفتح له نافذة جديدة تجعله يعيد النظر في أفكاره السابقة وربما تغير نظرته للعالم من حوله.. أقول ربما!».
فراس عالم شارك في انتخابات الأندية الأدبية من خلال انتخابات نادي مكة، ورفض في وقت لاحق دخول المجلس بعد استقالة بعض الأعضاء.. حول كيفية نظره للأمر الآن، وهل يفكر في المشاركة مجدداً؟ قال لـ«الحياة»: «بغض النظر عن التفاصيل، أعتقد بأنني وأصدقائي الذين غامرنا بخوض التجربة وقعنا ضحية تصريحات ووعود وزير الثقافة الرنانة التي بشرت بكسر الجمود وباستقلالية الأندية بتحويلها إلى مؤسسات أهلية منتخبة. لكن الواقع الذي اصطدمنا به كان يقول العكس. ولا تبدو أن التجربة الآن وبعد أن مرت عليها أعوام، جعلت الأندية أفضل حالاً عن وضعها قبل 30 عاماً. ليست المشكلة في اللوائح والأنظمة بقدر ما هي في العقلية التي تدير وتحكم».
وبخصوص كيف ينظر إلى المشهد الأدبي السعودي، وهل فكر في كتابة الرواية التي تتصدر هذا المشهد؟ لفت إلى أنه ليس متابعاً جيداً للمشهد المحلي «ولا أقرأ إلا النزر اليسير مما يقع تحت يدي، لذلك لا أستطيع أن أصدر حكماً على شيء لا أملك تصوراً كافياً عنه، أما بالنسبة لكتابة الرواية فلا أعتقد بأنني مؤهل لخوض غمارها، أنا ابن بار للقصة القصيرة، للقطة المكثفة واللمحة العابرة تلك التي تأتي خاطفة وتمضي سريعاً بعد أن تحدث الفوضى في ما حولها، حتى لو لم تكن في صدارة المشهد».
وحول ما إذا كان نجح في الكتابة وطب الأسنان، كما يطمح، أوضح قائلاً: «بأمانة شديدة ما زلت أشعر بأنني في بداية الطريق، وأنني ما زلت أتلمس خطاي فأنجح حيناً وأخفق حيناً آخر، لكنني أجرب وأتعلم وأستمتع بخبراتي وتجاربي الصغيرة التي اكتسبها كل يوم من المحيطين بي. تلك المباهج الصغيرة هي التي تمنحني الأمل والدافع لمواصلة المسير».

رابط الحوار:

الثلاثاء، 27 مايو 2014

كائن لا تحتمل فتنته!

هل تعرف أم كلثوم؟
سؤال ساذج ولا شك. من الذي لا يعرف كوكب الشرق، ذلك الصوت العميق المثقل بالأحاسيس.
«إنت عمري، ألف ليلة وليلة، أغداً ألقاك، ويا فؤادي لا تسل أين الهوى..».
ذلك الثوب طويل الأكمام والنظارة السوداء التي تقيها وهج مصابيح المسرح الباهرة والمنديل المزركش الذي تعتصره وتلوِّح به وهي تغني وسيل الآهات المتواصل الذي لا ينقطع من الجماهير المنتشية..
هل تعرف أم كلثوم حقاً..؟
ستكتشف أنك لا تعرفها بالفعل عندما تقرأ هذا الكتاب، ليس سيرة ذاتية لها، فلا شيء من أحداث حياتها لم يُروَ، لكنه قصة عن العاشق الذي صنع مجدها ورضي أن يتوارى في ظلها العظيم بلا أمل.
غصة خانقة في حلقك.. شعور بالعجز والمرارة يتزايد مع كل صفحة تقلِّبها. لا تعرف إن كنت ترثَى لحال المسكين الذي يروي الحكاية أو تعتب عليه، ذلك الذي وقع ضحية حب قاهر لا يجرؤ على إتمامه ولا التخلي عنه. ألم الوقوف خلف الباب الموارب أملاً في الدخول.. لكن العمر يمضي ولا شيء ينبئ بالسماح.. يعتاد تلك الوقفة الحائرة بين الخوف والرجاء.. ثم الركون والرضا بما هو كائن حتى وإن كان قاتلاً.
تحار كذلك مع حال تلك الفاتنة الطموح، القادمة من «طماي الزهايرة» متنكرة في زي فتى لتقرأ التواشيح والأشعار في الموالد، وكيف تحولت إلى كائن متطلب لا يشبع، يسخِّر كل مشاعره وذكائه وعلاقاته لأجل شيء واحد هو خدمة موهبته.
لم يكن أحد مفتوناً بحنجرة أم كلثوم أكثر منها، ولم يكن أحد يعشق غناءها بشغف و شهوانية أكثر مما تفعل هي.
هل أحبَّت أحمد رامي؟ هل أحبت رجلاً ما يوماً؟
أم إنها استخدمت الجميع قنطرة طويلة لتعبر فوقهم تجاه المجد الذي حلمت به وتحقق لها في نهاية المطاف؟
هذه رواية عن تلك الأشياء التي تحسُّ ولا تقال.. عن تلك الأحداث التي يعتقد الجميع أنهم يعرفونها جيداً، لكنهم في الحقيقة لا يدركون منها إلا السطح الظاهر فقط.
عن السيدة القاهرة والعاشق المتبتِّل.. عن فتنة التعلق بالمستحيل.. عن ألم انتظار ما نعرف يقيناً أنه لن يأتي.
لكننا نواصل الانتظار..!
بانوراما فاتنة لحياة حافلة يرويها العاشق الذي لم ينل منها سوى الوجع والدموع، رواية باذخة كتبت على لسان أحمد رامي، يحكي فيها بلغة شاعرية رقيقة وحزينة قصة الحب المستحيل بينه وبين فاتنته وكيف ظل هو وغيره من الرجال رهباناً في محراب موهبتها تُمنِّيهم جميعاً بقرب الوصال ويعلمون يقيناً أنهم لن ينالوه، لكن سلواهم هي اقترابهم من الحِمى لصاحبة الصوت الذي هز أركان قلوبهم وأركان الدنيا من خلفهم ومازال يفعل حتى اليوم.
صدرت الرواية للمرة الأولى باللغة الفرنسية للروائي سليم نصيب تحت عنوان «أم» وهو الاسم المختصر لأم كلثوم في فرنسا، وترجمت للعربية بعنوان «كان صرحاً من خيال».
لقد كان خيالاً بالفعل.. لكنه أكثر قوة وحضوراً وإيلاماً من كل من صنعوه على أرض الواقع ورحلوا!.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٩٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠١-٠٢-٢٠١٤)

رسالة إلى صديقي الملحد!

(إلى صديقي المؤمن الذي كان يصلي و يصوم و يتابع حلقات عمرو خالد، ثم هاجر إلى بلاد بعيدة و عاد ليكتب لي أنه لم يعد يؤمن بالأديان السماوية!)

صاحبي.. مالذي غيرك؟
مالذي خدر الحلم في صحو عينيك..
من لف حول حدائق روحك هذا الشرك؟*
....
....
يا صديقي.. كنت قد و عدتك أن لا أتدخل في اختياراتك، أن لا أناقشك في ما تراه شأناً يخصك وحدك. طلبت مني أن أتعامل معك كما يفعل هؤلاء الغربيون المحترمون الذين لا يسألون أحداً عن دينه، و لا يعاقبون أحداً بسبب اعتقاده. و ها أنا أخلف وعدي لأنني أحبك!

لن أناقشك بمطق عقلاني، و لن أسوق لك الحجج و البراهين في انتظار أن تأتيني بحجج مضادة، لكنني سأطرح عليك بعض التساؤلات الصادقة و الصادرة من أعماق قلبي.
ألم تحدثني طويلاً من قبل عن قسوة الحياة؟ عن قبحها و ظلمها و جورها على الضعفاء و المساكين؟ عن قسوتها التي لا ترحم؟ عن الوحشة الهائلة التي تملأ فراغ هذا الكون الفسيح؟
أخبرني فقط – و أنا أتساءل هنا بكل صدق الدنيا و فضولها- كيف يمكن لحياة كهذه أن تغدو محتملة بلا إيمان؟ بلا يقين بأن هناك قوى عليا رحيمة بنا نلجأ إليها بالدعاء؟ بلا اعتقاد راسخ بأن هذه الحياة القاسية ليست سوى فصل من الرواية لا الرواية كلها؟
كيف يمكن أن يحتمل القلب كل هذا الفراغ و الوحدة و البرودة و الصلف في الكون الشاسع لو لم يؤمن بأن هناك من يرافق القلب و يرعاه و يهدهد وحدته؟
أخبرني كيف استطعت أن تمحو من وجدانك بلا ألم كلمات مثل خشوع، و تضرع و إخبات و مناجاة و توبة؟
أي قوة اكتسبت لتصنع تلك الحجب الكثيفة بينك و بين السماء فحرمت نفسك من نظرة حالمة نحوها في ساعة رجاء؟
يا صديقي أنا لا أحدثك هنا عن المذهب الصحيح أو المذهب الخاطئ، لا أحدثك عن العبادة أو الصلاة، لا أحدثك عن الجنة أو النار. أنا فقط أتساءل.. هل يستطيع قلبك المرهف أن يصمد وسط هذه العواصف دون أن يشعر بالخذلان؟ بأن لا أحد يأبه به سواء ظَلَمَ أو ظُلِم، أعطى أو أخذ، جنى أو تجنى. سواء كان نسمة رقيقة أو دخاناً أسود؟
لا تجبني الآن.. و لا تناقشني..فقط اخل بقلبك و اسأله مالذي يفتقد.. و لماذا يشتاق؟ و أرجو أن تكون قويا بما فيه الكفاية لتمنحه ما يريد!

ـــــــــــــــــــــــ
*الأبيات من قصيدة وضاح للشاعر محمد الثبيتي.



في عتاب من رحلوا..!

لم تكن القسوة من طبعكم يوماً.. لكن كأن حبكم و لطفكم كان سداً يحجز سيل الأسى الجارف الذي انطلق هادراً بمجرد رحيلكم. 
أي قسوة تلك التي تجعلكم تغلقون في وجوهنا أبواب غرف قلوبكم الدافئة، تحملون مفاتحها و ترحلون..و تتركوننا لبرد الانتظار الذي لا يرحم.!
ترحلون بلا سابق تمهيد و لا تلويحة وداع.. تحملون حقائب البهجة و أثواب السعادة معكم و لا تتركون لنا سوى مرارة الذكريات.

ترحلون فتتركون في زجاج الروح شرخاً و في رغيف القلب قضمة و في محجر العين دمعة لا تنطفئ.
تحملون بعضاً منا معكم فنظل في حيرة الفقد و فتنة السؤال و متاهة البحث عن ضمادة توقف نزيف الجرح الذي لا يندمل
ما عادت الدنيا من بعدكم كما كانت.. تشرق الشمس وتتفتح الأزهار و تغرد العصافير و لكن لا بهجة ضياء هناك و لا طرب ألوان و نغم هنا. ثمة شيء قد ذهب، شيء سلب الحواس قدرتها على تذوق النشوة، على الاستمتاع و البهجة، كل الألوان تضاءلت لتصبح بين الأسود و الرمادي، و كل الأنغام تلاشت لتصبح أقرب لنواح مرير لا ينقطع.
مالذي فعلتموه بنا بذلك الغياب الأقرب للخديعة؟ لستم أنتم من بدلتم الدار و السكن؛ بل نحن.. نحن الذين أصبحنا غرباء و أيتام في دار تبدو كأنها ذات الدار، و شوارع تتظاهر بأنها ذات الشوارع و زوايا لم نعد نعرفها رغم أنها تتدعي العكس. كل شيء تنكر لنا برحيلكم و أصبح نائياً و بارداً، و ها نحن نعود أطفالاً صغاراً ضلوا الطريق في يوم مزدحم و ينتظرون أباهم كي يعود و يجدهم..لكننا نعرف أن لا أحد سيعود.. و أن غربتنا و اتظارنا دائمين كلعنة لا تزول!
.......
.......
لا شيء في الدنيا يشعرني بمدى ضعفي و يتمي و قلة حيلتي مثل "المعلاة"*.. فرغم الشيب الذي يغزو قلبي لازلت أشعر كلما دخلتها أنني ذات الطفل التائه الذي دخلها قبل ثلاثة عقود و هو يركض جاهداً للحاق بجنازة أبيه و يتخبط بين السيقان و لا يشعر به أحد.
لا زلت أشعر بذات الغصة و ذات الحيرة وذات الفقد ..بذات العتب على أبي الذي مضى سريعاً و تركني بعيدا خلفه لا أكاد أدركه.
رغم كل تلك السنوات، لازلت أخشى المعلاة..لازلت أستشعر قسوتها و وحشة رمالها، فكلما وطأتها بقدمي أعود و قد فقدت بعضي في جوفها .. أخرج أشكو ألم الجراح الغائرة.. الجراح التي التي على عمقها و اتساعها....لا يكاد يراها أحد!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المعلاة: مقبرة لأهالي مكة قرب الحرم

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

"حياتي".. يالها من حياة! (٢)

ثمة كتب تترك أثرها العميق في وجدانك، تغير نظرتك للحياة و العالم من حولك، تأخذ بتلابيبك و تهزك حتى إذا تركتك لم تعد ذات الشخص الذي أمسك بالغلاف قبل ساعات. تلك العينة النادرة من الكتب لا تندرج تحت تصنيف معين و لا تقتصر على ما يخطه الأدباء، بل قد تكون كتب في مجال الفلسفة أو التاريخ أو السياسة أو الفن بتعريفه الواسع، لكن ثمة عوامل مشتركة تجمعها جميعاً: عمق الفكرة و سلاسة العبارة و الأهم من ذلك هو حرارة الصدق التي تنبعث من بين ثنايا السطور فتكاد تلسع أناملك و أنت تقرأ!.
كتاب "حياتي" لأحمد أمين هو أحد تلك الكتب النادرة، كتاب من كتب السيرة الذاتية التي تأخذ بيدك في رفق و تجول بك في عالم صاحبها بكل تجرد و تواضع بلا تصنع أو ادعاء، يحكي بعين الراوي فصول حياته الحافلة، يمزج ببراعة بين وصف المشاهد و الأماكن و الشخصيات و بين مشاعره و انطباعاته تجاهها، و كيف أثر ذلك الموقف أو تلك الحادثة في مسار حياته الحافل.
أحمد أمين صاحب فجر الإسلام، و ضحى الإسلام، و قائمة مهمة من الكتب، و عميد كلية الآداب في جامعة القاهرة، و رئيس تحرير مجلة الثقافة العريقة، و لجنة التأليف و الترجمة و النشر في عصرها الذهبي، يطرح عن نفسه كل تلك الألقاب و يلاقيك في الكتاب بكل تواضع و إنسانية، يحكي عن حزنه الدائم و يحاول أن يجد له تبريراً بوفاة شقيقته في الوقت الذي كان حملاً في بطن أمه فيقول (تغذيت دماً حزيناً، و رضعت بعد ولادتي لبناً حزيناً، و استقبلت عند و لادتي استقبالاً حزيناً، فهل كان لذلك أثر فيما غلب علي من الحزن في حياتي فلا أفرح كما يفرح الناس، و لا أبتهج كما يبتهجون؟)، يحكي عن بيتهم الصغير المفروش بالحصير، عن راتب أبيه المتواضع، و عن إخوته الذين تخطفهم الموت و المرض، و أمه التي تحملت مشقة الحياة بصبر و رضا، عن حارتهم الضيقة، عن الجيران، عن النساء في ذلك الزمان و حجابهن و طريقة مشيهن في الحارة، عن الأزهر و حلقاته و توهانه في دراسته، ثم انتقاله إلى المدرسة النظامية، عن دارسته اللغة الإنجليزية بجهد شخصي في المنزل ثم على يد معلمة انجلزية أعجب بها لاحقاً و لكنه لم يصارحها بذلك الحب!. عن انتقاده للوضع السياسي في خطبة حماسية في إحدى الحفلات و ما كادت تجره عليه من أذى، عن رفاقه في طريق البحث و المعرفة، عن طه حسين تحديداً، و كيف تلازما ثم افترقا دون أن يبين السبب و إن كان يحتفظ له بالود و الفضل.
عن حيرته بين عمامة الأزهري، و طربوش الأستاذ الجامعي، عن حرمانه من لقب الدكتوراه و المناصب و تحويلها لغيره في مواقف عدة بسبب آرائه السياسية، عن رحلاته المتعددة حول العالم، ثم محطته الأخيرة مقعداً في المنزل شبه كفيف محروماً من متعته الوحيدة في الحياة و هي مرافقة الكتب.

حياة حقيقة حافلة ستنبعث بين يديك و أنت تمسك دفتي الكتاب.. حياة تصيبك بشيء من الحسرة على ما آلت إليه مصر اليوم.. و ما آل إليه حال الثقافة فيها من ترد.

الجمعة، 16 أغسطس 2013

يوتوبيا

يوتوبيا.. حيث الثراء و النفوذ و الأحلام الفارهة.
حيث كل شيء متوفر و رخيص بل و بلا ثمن يذكر..حيث يشعر أبناء الأثرياء بالملل من تلك الحياة الباذخة المرفهة، أبناء الأثرياء الذين يملكون اقتصاد البلد و تدفق عليهم الثروات بلا حساب.
حيث مراد بيه ملك الدواء و منصور بيه ملك الحديد و بقية الشلة وقد صنعوا عالمهم المثالي بعد أن ضاقت بهم الأرض و عافوا مجاورة الفقراء.
في عام ٢٠٢٣ م ستكون مصر قد انقسمت إلى جزءين، جزء مرفه نقي فاحش الثراء يسكن محمية خاصة في الساحل الشمالي يقوم على حراستها جنود متقاعدون من المارينز. و جزء آخر هو بيقية الشعب يعيش في فقر مدقع بلا حكومة أو خدمات تسيطير عليه البلطجة و الأمراض و يبيع كل ما هو متاح. في عالم يوتوبيا كما في خارجها لا قيمة للعلم أو المعرفة و الشيء الوحيد الذي لا يُسرق و لا ثمن له هو الكتب.
و لأن الشباب المدلل في يوتوبيا يشعر بالملل و لم تعد تشبع غرائزه كل الموبقات التي يرتكبها و لا كل المخدرات التي يتعاطاها لأنها أصبحت آمنة و رخيصة و بالتالي فقدت أهم ميزة جاذبه لها و هي الإثارة المصاحبة لها،و لذعة الخوف و الخطر من عواقبها. لذلك يقدم شباب يوتوبيا على عمل أكثر خطورة و يبعث على إثارة حقيقية، يجربون القيام برحلات (صيد) خارج يوتوبيا، يتسللون إلى حيث المدينة القديمة و الفقراء البائسون، يخطفون أحدهم و يعودون به إلى الديار، يتسلون بمطاردته و اقتاصه و لا بأس بتحنيط أجزاء من حثته على سبيل التفاخر!. هنا يقرر إبن مراد بيه أن يجرب حظه مثلهم، أن يغادر يوتوبيا ليذوق متعة الخطر و يعود بصيد من هناك، يصطحب صديقته و ينطلق، يتعثر في أولى خطواته و يكاد يقتل من قبل (الرعاع) قبل أن ينقذه جابر. جابر أحد هؤلاء الرعاع لكنه أكثر تحضراً، جابر يقرأ كثيراً في الكتب التي يجدها في القمامة، جابر مثل بني قومه فقير حاف و مشوه، لكنه لسبب ما يقرر أن ينقذ هذين الأحمقين القادمين من يوتوبيا، يبقيهما في بيته مدعياً أنهما من معارفه، و يدبر لهما خطه لعودة آمنه إلى الديار عبر أنفاق تحت الأرض، و قبل أن يودعهما عند نهايه النفق يقوم ابن مراد بيه بقتله و قطع يده ليصطحبها معه كتذكار يباهي به أفراد الشلة، فرغم كل شيء يظل جابر واحدا من الأغيار الذين لا يستحقون الحياة. يحتفل الشاب بعودته الظافرة لكن ما فعله كان الشرارة التي أشعلت الثورة خارج الأسوار، و خلال أيام تحتشد الجموع الغاضبة على الأسوار تطالب بالثأر، الجموع التي وصفت لزمن طويل بالخراف التي يستحيل أن تثور لكنها الآن و في لحظة نادرة قررت أن تفعل، الصخرة التي تحملت الكثير من الضربات قررت أن تتفتت عند الضربة الخمسين، ليست الضربة الخمسون هي من فعلت ذلك لكنه مجموع الضربات!.

هذا هو ملخص رواية صغيرة الحجم بعنوان"يوتوبيا" صدرت في عام ٢٠٠٨ للكاتب أحمد خالد توفيق، و كانت من الروايات التي تنبأت بثورة قادمة في مصر، رواية لا تخلو من أجواء كابوسية تحمل بصمة جورج أورويل في نسخة معاصرة لكنها صادقة و آسرة في ذات الوقت. لا تخبرنا الرواية بما سيجري بعد الثورة و لا بالمستقبل الذي ينتظر الفريقين و الذي يبدو للأسف أنه سيكون أكثر دموية و إثارة على أرض الواقع!

أحكام قتل المخالف!

هذه دراسة شرعية مؤصلة كتبها أستاذان يُدرِّسان في معهد للتعليم الديني و نشرت ضمن مطبوعات المعهد، دراسة أثنى عليها و زكاها عدد من رجال الدين و كتب مقدمتها قاض في المحكمة العليا، بل إن إدارة المعهد دافعت عن مضمون الدراسة بقولها "إن الكتاب يقوم بشرح جاد لمسألة في الشريعة، و إن الباحيثن كانا على قدر المسؤلية.. و كبار الدارسين يعرفون للكتاب مكانته العالية و إسهامه في أدب التشريع في العصر الحالي".
جاء الكتاب مقسماً لستة فصول كلها تتحدث عن أحكام القتل في ظروف مختلفة، بين السلم و الحرب، و لكن أهم النقاط المثيرة في الدراسة هي تلك التي تتحدث عن قتل المدنيين غير المحاربين و عن قتل الأطفال من أبناء الكفار، فتورد الدراسة في خلاصة الفصل الرابع"و على الرغم من ذلك فإن أي فرد ينتمي لشعب العدو يعد عدواً لأنه يساعد القتلة، و بالتالي يحل قتله، فقد وجدنا في الشريعة أن المخالفين بصفة عامة موضع شك و " كما يرى المؤلفان أنه يحل قتل أبناء الزعيم المعادي من أجل الضغط عليه، و إن كان قتل أطفاله سوف يردعه و يمنعه عن الشر فيجب عدم التردد في قتلهم!.
لا يؤتمنون على الدماء و بما أننا في حرب معهم فيحل قتل حتى الأطفال و الرضع الذين لم يقترفوا أي ذنب لأننا إن تركناهم فسوف يشكلون خطراً و سوف يصبحون أشراراً مثل أهليهم
و قد رفض الباحثان إجراء أي مقابلات صحفية لأنهما يرفضان التعامل مع الصحف العلمانية التي لا تلتزم بالشريعة!.
لعلك الآن تتساءل من هما هذان الباحثان؟ و إلى أي فكر متطرف ينتميان؟ و كم هو عدد الجماعات الإرهابية التي استخدمت تلك الفتاوى في جرائمها؟
حسناً لا تندهش إن قلت لك أن الباحثان هما حاخامان يهوديان مقيمان في فلسطين المحتلة، و أن بحثهما كتاب نشر بعنوان "توراة الملك..أحكام قتل غير اليهود"و قد استعرضت استاذة الدراسات التلموذية د. ليلى أبو المجد فقرات من الكتاب في مجلة وجهات نظر المختصة بالكتب (العدد١٣٥) و استعرضت كذلك ردود الفعل تجاهه في المجتمع اليهودي و الضجة التي رافقت صدوره، حيث قامت جماعة من دعاة السلام اليهود برفع قضية ضد المؤلفين في المحكمة بتهمة التحريض على القتل لكن المحكمة لم تلتفت للقضية، رغم أن عدداً من المستوطنين الذين ارتكبوا جرائم قتل ضد الفلسطينيين أقروا أنهم استندوا إلى فتاوى الكتاب و فتاوى مماثلة!.
كيف تتسامح محاكم إسرائيل الديموقراطية مع تيار متطرف بهذا الشكل؟ و كيف تسمح قيمها الغربية المتحضرة التي تتشدق بها بمثل هذه الجرائم الفكرية؟

الجواب يكمن في عبارة بسيطة "فتش عن العنصرية". العنصرية و ليس التطرف هو سبب جرائم العنف و القتل و الاضطهاد في أي مجتمع، سواء كان المجتمع متديناً محافظاً أو ليبرالياً منفتحاً، ديموقراطياً أو دكتاتورياً، غنياً أو فقيراً. العنصرية عندما تتغلغل في مجتمع ما تقوم بنزع الصفة الآدمية عن بعض أفرادة و تعطي تصريحاً ضمنياً للمتطرفين بالبطش بتلك الفئة تحت مختلف التسميات سواء كانت باسم الدين أو العرق أو الجغرافيا. لذا تجد ذلك التطابق المذهل في اللغة و المصطلحات بين المتطرفين في مختلف الأديان و المذاهب لأن دافعهم الحقيقي ليس الدفاع عن الدين بل الدفاع عن أفكارهم العنصرية التي تنكرت في لباس الدين.