الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

تأثير البلاسيبو



كان السيد رايت مريضاً بالسرطان،بل في مرحلة متقدمة من المرض، كانت أورامه متناثرة في أجزاء متعددة من جسده و كان بعضها يبلغ في حجمة حجم برتقالة صغيرة. بمعنى آخر أقل مواربة كان الرجل يحتضر. سمع السيد رايت و هو في المستشفى عن دواء جديد مفيد في علاج السرطان، تحمس له كثيراً و أصر على تجربته، و بالفعل بعد ثلاثة أيام من تعاطيه كان السيد رايت يتمشى سعيداً في ردهات القسم، و بعد عشرة أيام كان قد خرج من المستشفى بعد أن تحسنت حالته تحسناً ملحوظاً. ما لم يكن يعرفه السيد رايت أن عدداً من مرضى السرطان الآخرين في ذات القسم قد تناولوا نفس الدواء بدون فائدة و أن الأبحاث أثبتت أن الدواء الذي تناوله فاشل و غير فعال في علاج السرطان.
كيف تحسن السيد رايت رغم أن العلاج غير فعال؟ لقد تحسن لأنه (اعتقد) بشدة أن هذا العلاج  مفيد و له قدرة على مقاومة المرض، و بالتالي فإن دماغه أعطى جسده إحساساً داخلياً بالشفاء بغض النظر عن فعالية الدواء.
هذا ما يسميه الأطباء بتأثير البلاسيبو (Placebo Effect). و يعرف العلماء البلاسيبو بأنها أي إجراء علاجي يتم إيهام المريض بأنه إجراء فعال و هو في الحقيقة وهمي و غير حقيقي، و من الممكن أن تشمل البلاسيبو حبوب الأدوية الوهمية و الحقن المائية و حتى العمليات الجراحية الكاذبة.  و على مدى عقود خضع الكثير من الناس لتجارب متعددة و استعملوا آلاف الوصفات و الأدوية الوهمية في محاولة لفهم تأثير البلاسيبو  و دائماً ما كانت النتائج مربكة و محيرة و تدل على تعقيد عملية التفكير لدى الإنسان و تباينها من شخص لآخر. ففي إحدى التجارب قام الأطباء بإعطاء حقن للمرضى و أخبروهم أنها تحتوي على مسكن قوي ضد الألم، و الواقع أن نصف المرضى فقط هم الذين أخذوا مسكناً حقيقياً في حين أخذ نصفهم الآخر محلولاً ملحياً فقط، لكن العجيب أن كلا الفريقين أبدى استجابة مشابهة في درجة تحمل الألم. و في دراسة أخرى أجريت في جامعة دنفر الأمركية عام ٢٠٠٤ تم إخضاع مرضى بحالات متقدمة من داء الباركنسون إلى جراحة تجريبية تهدف لزرع خلايا عصبية جنينية في أدمغتهم تساعد على تعويض مادة الدوبامين التي تفقدها خلاياهم العصبية، و قد تم إخضاع نصف المجموعة لجراحة حقيقية و نصفهم لجراحة كاذبة و العجيب في الأمر أن كلا الفريقين أبدى شعوراً متقارباً بالتحسن في طبيعة الحياة اليومية بعد الجراحة!.
و لا يقتصر تأثير البلاسيبو على الإجراءات المباشرة كالأدوية و الجراحة بل إن لا وعي المريض يلعب دوراً كذلك  فمجرد رؤية المريض للمعطف الأبيض للطبيب أو دخوله للمستشفى أو حتى تنشقه لرائحة المطهرات المميزة في المستشفيات كفيلة بإشعاره بنوع من التحسن.
ليس كذلك  وحسب بل حتى سعر الدواء و اسمه و جرعته تلعب دوراً في تأثير البلاسيبو الذي يرافقه. فبين دواء يكلف عشرة سنتات و دواء يكلف دولارين و نصف أبدى المرضى الذين تعاطوا الدواء الأغلى شعوراً أفضل بالتحسن بالرغم من أن كلاهما وهمي!.
لكن ما مدى أخلاقية وصف الأدوية الوهمية للمرضى؟ و هل هي حقاً فعالة على المدى الطويل؟ و هل استجابة المريض لدواء وهمي كفيلة بشفائة أم أنها تحجب التشخيص الدقيق لحالته و تؤخر شفاءه الفعلي؟
في الدنمارك خلصت دراسة أجريت على أطباء العموم أن ٥٠٪ بالمئة منهم يصفون أدوية وهمية للمرضى معظمها مضادات حيوية لحالات الرشح الفيروسي أو بعض الفيتامينات لحالات الإجهاد و  برر الأطباء تلك الوصفات رغم علمهم بعدم جدواها بأنها تمنح المريض نوعاً من الإرتياح و الثقة.
لنعد لقصة السيد رايت التي ذكرناها في بداية المقال، بعد خروج السيد رايت من المستشفى بأيام اضطلع على تقرير صحفي يشكك في جدوى العلاج الجديد الذي تلقاه و يصفه بأنه عديم الجدوى ، و بمجرد معرفته بذلك أصيب بانتكاسه و عاد إلى المستشفى و رغم محاولات الأطباء إنقاذه إلا أنه توفي خلال شهرين.
ترى كم مرة تعرضت أنت لتأثير البلاسيبو دون أن تعلم؟ كم مرة وصف لك الطبيب دواء غالياً لا تحتاجه فقط  ليقنعك بجدوى قيمة الكشف التي دفعتها أو ليتخلص من إزعاجك بالأسئلة المتكررة؟
كم مرة خضعت لجراحة أو إجراء علاجي مكلف قد لا يكون مفيداً أو ضرورياً لحالتك؟
ترى كم من مستشفياتنا العامة و الخاصة يمارس علينا العلاج بطريقة البلاسيبو دون أن نعلم؟
و هل لازلنا نمارس الحياة باطمئنان رغم الكوارث التي نسمع عنها في القطاع الطبي بفضل تأثير البلاسيبو؟ إن كنا كذلك فأرجو أن لا يكون مصيرنا نفس مصير السيد رايت عندما نعرف الحقيقة ذات يوم!

أُمرتا.. مؤامرة الصمت!



أومرتا هو عنوان آخر روايات الكاتب (ماريو بوزو) و التي لم يقدر له أن يعيش ليشهد لحظة صدورها، و تدور أحداثها كما جميع رواياته في عوالم المافيا و الجريمة المنظمة و الصراعات العنيفة بين أفراد تلك العصابات. قد لا يبدو إسم ماريو بوزو مألوفاً لديك، لكنه سكون كذلك بلا شك إذا ذكر اسم (العراب) الفليم الذي قدمه المخرج العبقري  كوبولا في عام ١٩٧٢و حصد جوائز أوسكار عديدة في ذلك العام. كان الفيلم مقتبساً عن رواية بذات العنوان لماريو بوزو،و صور ببراعة شديدة و للمرة الأولى العوالم الخفية لحياة عصابات المافيا، يقول ماريو بوزو انه استقى حبكته من قصص  حقيقية متعددة مزجها في نسيج روايته الشهيرة، في الرواية/الفيلم تشاهد الدون كورليوني زعيم العصابة و هو يمارس دوره كرب أسرة و عميد عائلة تقليدي. يحتفل بزفاف أحدى بنات العائله و  في ذات الوقت، يعطي أوامره الصارمة بتنفيذ العمليات الإجرامية. في عوالم المافيا دائما هناك عقيدتان مقدستان لا يمكن تجاهلهما، أولهما مبدأ الولاء المطلق للعائلة و الزعيم، و إسباغ المنح على من يثبت ولاؤه، الثانية هي أنه من غير المقبول إطلاقاً رفض طلبات الزعيم، و أي رفض له عقوبة واحدة هي الموت.
في كل قصص المافيا هناك تلك الأجواء الخاصة التي تشعرك أنك في عالم آخر لا ينتمي للعالم الذي تعرف لكنه حقيقي لأبعد حد، دائما ما تكون مشكلة الأسرة هي الانتقام من أسرة أخرى منافسة أو محاولة تجنب بطش عصابة أخرى تسعى للانتقام هي الأخرى.
لغة السلاح و القتل و السيارات الملغمة هي الأكثر فصاحة، و الطريف في الأمر أن الشرطة لا تظهر أبداً إلا في صورة ضابط فاسد يتلقى الرشى، أو ضابط ساذج معدوم الحيلة لا يعرف ما يفعل و يثير السخرية أكثر مما يثير التعاطف.
في عرف المافيا كذلك- وهذه حقيقة- عبارة شهيرة أصبحت أحدى سمات ذلك المجتمع المعقد هي (أُومِرتا-Omerta) و هي مصطلح خاص بالمافيا يعني (اتفاقية الصمت). فمهما بلغ دوي الحدث في المدينة و مهما سالت الدماء على الطرقات لا يسمح لأحد شاهد أو سمع عن الجريمة أن يتحدث للشرطة أو لأي طرف خارجي.
سيأتي المحققون، يستجوبون الشهود، يعتقلون المشتبه بهم، يستنطقون الأدلة. كل شيء واضح و صريح و يشير إلى الفاعل الذي هو أحد أفراد المافيا. لكن لا أحد يتحدث، لا أحد يجرؤ على الشهادة، يضرب المحقق رأسه بالجدار، القضية تتسرب من بين أصابعه كالماء الجاري، يطلق المتهمين و هو يعلم أنهم في طريقهم لارتكاب جريمة أخرى لكن ما العمل؟ إنها الـ(أومرتا).
شخصياً أعتقد أننا أصبنا بلعنة الـ(أومرتا)منذ زمن بعيد. نحن وبلا فخر نطبق نظرية الصمت أكثر بكثير من رجال المافيا أنفسهم. نطبقها مرات عدة في اليوم و الليلة. و يمكنك التأكد من كلامي إذا استرجعت أحداث أسبوعك الماضي فقط. تذكر آخر مرة جلست فيها مع أصدقائك، عن كم مشكلة من مشاكل العمل تحدثتم؟ عن تجاوزات مديرك المباشر؟ عن أخطاء المدير الإقليمي؟ عن أخطاء سياسة الشركة أو الوزارة بالكامل؟ عن يقينك بفساد هذا المسؤول أو ذاك؟ لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ تغسل من ذهنك كل ما تحدثت به قبل قليل و أنت تغسل يديك بعد تناول طعام العشاء... أومرتا!.
تنتقد عادات أسرتك أو قبيلتك، تصفها بالبالية و المخالفة للشرع، تبدي تذمراً أمام زوجتك و بعض أصدقائك، لكنك تكون أول المبادرين بالالتزام بها و ربما الدفاع عنها أمام الآخرين.. أومرتا!
تكون فصيحاً جداً عندما تتحدث عن المنافقين و المتاجرين باسم الدين  لكنك تصاب بالخرس إذا طلب منك تسمية اسم أحدهم صراحة و ربما بادرت ذلك الأحد بالعناق إذا قابلته في مكان عام .....أومرتا.
نحن في الحقيقة نعيش ضمن (أومرتا) جماعية كبيرة، تربينا عليها و نواصل بحماس تربية أبائنا على المحافظة عليها، نلقنهم بشكل عملي عبارات (مو شغلك) و (مالك صلاح) و (خليك ساكت أحسن) و (من خاف سلم) في كل موقف مدعيين الحرص على سلامتهم، و لا نعرف أننا بذلك ندمر أخلاقهم و إحساسهم بالمسؤلية.
الـ(أومرتا) التي نعيشها هي التي جعلتنا سلبيين و انهزاميين، لا نجرو حتى على الاعتراض على سوء خدمات البلدية، نتحمل قذارة الحي و حفر الشوارع في صمت و لا نتحدث، فضلاً عن أن نغير الوضع للأفضل.
 أليس من الأجدى قبل البحث عن علاج الفساد أن نبحث عن علاج يخلصنا من الـ(أومرتا)؟


الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

العصافير تتبادل السباب!


ظل إنسان العصور القديمة ينظر للطيور بكثير من الرهبة، و كان يعتقد و هو الذي لا يرى أبعد من مد بصره و تحاصره الأخطار من كل مكان و يكاد يهلك دون قوت يومه، أن هذه الطيور بقدرتها على التحليق و رؤية كل شيء تحتها و سرعتها في التنقل من مكان لآخر يرى أنها ذات قدرات روحية خارقة. فنسج حولها الأساطير و الخرافات و جعل منها مصدراً للقوة و المعرفة و ربما السحر و الشر . و تسربت لكل قصص الشعوب تقريباً قصص البطولات التي تربط الملك أو البطل بقدرته على التواصل مع الطيور و الأخذ بنصائحها.
ولكن التراث العربي يكاد ينزع عن الطيور تلك الرهبة و يؤنسنها في أدبياته، بل و يجعلها رمزاً للحب و معاناة الحبيب كما يقول أبو فراس الحمداني في قصيدته الشهيرة
أقول و قد ناحت بقربي حمامة // أيا جارة هل تشعرين بحالي؟
ثم يستمر في حواره الحزين معها و الذي ينكر عليها البكاء و هي التي لا تعاني الأسر أو الحرمان فيقول لها..
أيضحك مأسور و تبكي طليقة؟// و يسكت محزون و يندب سالٍ؟
و تراث مخاطبة الحبيب للطيور و تعلقه بها منحها انطباعاً رومانسياً طاغياً حتى اليوم، فالفتى المحب يهدي حبيبته عصفوراً ملوناً في قفص تعبيراً عن حبه، و لا شيء يهيج أحاسيس الحب لحظة لقاء العاشقين كزقزقة العصافير فوق الشجر وقت الغروب، و التي تبدو كأنها معزوفة الطبيعة التي تبارك الحب و لحظة اللقاء.
لكن هل العصافير و الطيور بتلك الرقة التي نعتقد؟
إن الحوار الموثق الوحيد بين البشر و الطير هو الحوار الذي نقله لنا القرآن الكريم بين نبي الله سليمان عليه السلام و الهدهد، و إذا تأملت مفردات ذلك الحوار تجده حواراً أقرب إلى السجال يستخدم فيه الهدهد ذو الريش الذهبي و المنظر الخلاب عبارات بالغة القوة تكاد تفتقر إلى التهذيب في حضرة النبي الملك. فيقول له "أحطت بما لم تحط به!” ثم يسرد له قصة بلقيس و قومها و لا يهاب تهديد سليمان بالعذاب الشديد و الذبح بل يتم مهمته و ينقل الرسالة دون أن يبالي بخطر القنص!. ولعل قوة شخصية الهدهد و جرأته هي التي جعلت نبي الله سليمان يستشعر نعمة الله عليه عندما يقول " يا أيها الناس علمنا منطق الطير و أوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين".
تخوض الطيور معركة قاسية مع الطبيعة، تهاجر كل عام لآلاف الأميال بحثاً عن الدفء و الغذاء، تلتزم بنظام قاس في الترحال، تتبع قائدها و تحمي بعضها بعضاً فلا تطير منفردة حال هجرتها. تتنافس و تتصارع في ما بينها على الغذاء و الإناث في وقت الحل، يسعرض الذكور مهاراتهم في النزال و الصراخ، و لا بأس ببعض الدماء إن استلزم الأمر، لذلك لا تتعجب إن عرفت أن تلك المعزوفة الجميلة من التغريد التي كنت تهديها لحبيبتك وقت الغروب ليست إلا فصلاً طويلاً من السباب و الردح تتبادله العصافير الملونة فيما بينها. و أن الحمائم الرقيقة التي ظل أبو فراس يحاورها دهراً كائنات صلبة مقاتلة لا وقت لديها للدموع و الرومانسيات التي صدعها بها الشعراء!.
لكن ما مناسبة هذا الحديث المسهب اليوم عن العصافير؟ في الحقيقة لم تعد خصائص العصافير حكراً عليها. لقد تم استنساخها ليمارس البشر ذات الصفات(السلبية للأسف) عبر اختراع حديث إسمه المغرد و ينادونه استسهالا بـ (تويتر).

في تويتر تتعرف الطيور على بعضها منذ أول تغريدة، تتقارب ذات اللون الواحد حتى تتداخل فتشكل سديماً عظيماً له رأس واحد و ذيول كثيرة، رأس ينطلق بها حيث شاء و تتبعه هي بلا نقاش. تمارس ذات الصراع الحاد و الصاخب ولكنه يسمى هنا تغريداً. تجد تماماً كما في الطبيعة كل المغردين يتحزبون حول قائدهم في تجييش تام و استعداد للنزال مع الطيور ذات الأشكال الأخرى طوال الوقت. لم يحدث قط في تويتر أن تخلى مغرد ما عن سربه لينضم إلى سرب آخر مهما طال سجال الإقناع.
في تويتر تعلو أصوات التغريدات و تتداخل حتى تشكل ذلك المزيج الصاخب من السجال و الشتائم بلا هدف و لا نتيجة لكن شخصاً ما مصاب بداء التفاؤل يراه معزوفة الديموقراطية!
قد يشعرك تويتر بالحماسة و الحفة لبعض الوقت، قد يحلق بك في نشوة الانطلاق و القدرة على التغيير لكن لا تنس أن أي تغيير حقيقي على الأرض أبعد كثيراً من أن تنجزه معزوفة عصافير تتبادل السباب!


الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

تأملات في أسبوع الاستقالات

لقد كان أسبوعاً صاخباً و لا شك، صاخباً و عسيراً على مسؤليي الصحة في البلاد. أسبوع وجدوا أنفسهم فيه تحت عدسة الإعلام الحارقة و بتركيز عال و في أكثر من قضية ساخنة.
و رغم أن قضايا الخدمات الصحية كانت و ما زالت إحدى مواضيع الإعلام المفضلة على مدار العام إلا أن قضية الأسبوع الماضي سجلت عدة سوابق لم يعتدها الناس من قبل،أهم هذه السوابق أن الشكوى هذه المرة جاءت من أهل الدار أنفسهم، فهي المرة الأولى التي يتحول فيها المراجع و المريض إلى متفرج يتابع بشغف سجالاً قوياً بين أبناء البيت الواحد، و يسمع اعترافات و انتقادات صريحة لقصور الخدمات و تعطل المشاريع و الأخطاء الطبية. إنها  المرة الأولى تقريباً التي تتلقى فيها الوزارة نقداً داخلياً قوياً على صفحات الجرائد و بشهادة من قيادي في موقع المواجهة الساخنة مع الجمهور، و هي المرة الأولى كذلك التي يسمع فيها المواطن البسيط صدى لشكواه يتردد داخل أروقة المستشفى بعد أن تعود دهراً على ردود فاترة موحدة الصياغة و المضمون تقول له إن كل شيء على ما يرام و أن ما حدث أمر عارض و يحدث في أي مكان في العالم و أن المشاريع المستقبلية التي تم اعتمادها كفيلة بتغيير كل شيء للأفضل في القريب العاجل. لكن الشكوى هذه   المرة جاءت مقرونة بإستقلات توالت بين حائل و القنفذة و تنوعت بين مدير إدارة المستشفيات و مدير مستشفى و مدير طبي و رؤساء أقسام و رغم تباعد المسافة إلا أن الشكوى كانت واحدة يمكن اختصارها في كلمتين هما "عدم التجاوب". و هي العبارة التي تكررت كثيراً في حيثيات الاستقالات، و المثير للدهشة أن عدم التجاوب هنا كان بين الطبقة العليا المسؤولة عن علاج المرضى و بين الإدارة المحلية للمنطقة، أي أنه من المفترض أن تكون هناك آليه سلسة لتلبية تلك الطلبات خصوصاً و هي تصدر من أطباء متخصصين في مجالهم و يتبوأون مناصب قيادية في مستشفياتهم و في نفس الوقت لا تعاني ميزانية الوزارة أي نقص في الموارد. فأين يكمن الخلل الذي يجعل مشروع ترميم مستشفى حائل يتأخر عامين و يجعل مدير الشؤون الصحية في القنفذة يرفض شراء أدوات جراحية لقسم العيون بحجة أنها "غير منطقية" رغم أن الذي تقدم بها رئيس القسم وهو طبيب إستشاري في تخصصه في حين أن  سعادة المدير "طبيب عام"؟
إن مشكلة القطاع الصحي لدينا معقدة و متداخلة و لا يمكن تحليلها في حديث عابر لكن تعقيد هذه المشاكل لا يبدو في طريقه للحل قريباً للأسف لعدة أسباب أهمها هو طبيعة النظام الإداري شديد المركزية و الذي تسير به الوزارة و لا يبدو أنها على استعداد لمراجعته فضلاً عن التخلص منه. فالطبيعة الهرمية في إدارة المستشفيات لا تكاد تمنح شيئاً من الصلاحيات للمسؤول المباشر بل تربطها كلها تقريباً بمدير الشؤون الصحية و تخضع كل الإجراءت الخاصة بالمستشفيات مهما كانت متخصصة لرأيه هو إن شاء أمضاها و إن شاء تجاهلها. و تلك الهرمية لا تخصص كذلك أي قناة رسمية لإبداء الرأي أو الشكوى فضلاً عن مناقشة القرار قبل أو بعد صدوره، فرئيس القسم مهما رفع من مرئيات و تصورات و مهما طلب من تحسينات و إمكانيات تظل كل طلباته غير ملزمة و حبراً على ورق حتى يمضيها صاحب الرتبة الأعلى في الهرم ثم الذي يليه و الذي يليه و هكذا دون أن يكون لأي من الذين يلونه ذات الكفاءة أو التخصص. و لكن الحال ينعكس تماماً عند ورود شكوى من مريض تجاه الإهمال أو التقصير فتجدها تتدحرج من قمة الهرم حتى قاعه لتقع على رأس ذات الطبيب الذي لم يستجب أحد لطلباته من قبل و يقف وحيداً لمواجهتها و الرد عليها. و هكذا تستمر الساقية في الدوران بين الأعلى و الأسفل بلا نهاية و دون القدرة على إمساك الخيط الذي يقود لحل المشكلة من جذورها.
فقط فكر معي عزيزي القارئ أيهما أكثر أهمية  و تأثيراً على حياة الناس، شركة الاتصالات أم وزارة الصحة؟ لاشك أن الثانية أكثر أهمية و خطورة. لكن الأولى حظيت بنقلة إدارية جبارة حولتها من "وزارة البرق و البريد و الهاتف" بكل عثراتها و نتوءاتها إلى الكيان الحيوي عالي الربحية و الإنتاجية الذي أصبحت عليه اليوم؟ أليست الصحة أولى نقلة مشابهة؟ فالمشكلة في القطاع الصحي لم تكن في يوم من الأيام مشكلة موارد بقدر ما هي مشكلة إدارة؟ و لن تحل تلك المشكلة بدعوة الأطباء لترك الإدارة و التفرغ لعياداتهم فقط . لكن تلك قصة أخرى!



العبارات باللون الأحمر لم تنشر في الصحيفة

من حكم البساطي: أتركه حتى يبرد!

ثمة مصادفات تترك أثرها العميق في وجدانك مهما تراكمت فوقها الذكريات و مهما تزاحمت من بعدها الأحداث، مصدافات تحفر وشمها العميق على روحك و أفكارك مهما امتد بك الزمن و لا تستطيع محو أثرها مهما حاولت.
كيف يمكنني أن أنسى ذلك اليوم البعيد ساعة الظهيرة و الحر الخانق و شارع عباس العقاد في القاهرة هادئ و شبه مقفر على خلاف العادة، ربما كانت الرطوبة الخانقة هي السبب أو ساعة الظهيرة التي لا تشجع أحداً على الخروج للتسوق، كان ذلك الكشك الخشبي المطلي باللون الأخضر يقبع وحيداً في نهاية الشارع بواجهة زجاجية ضيقة وباب موارب كأنه يتردد في دعوة أحد للدخول، تقترب و أنت في حيرة من أمرك، فضول عجيب يدفعك لمواصلة السير تحت سطوة الشمس لتبلغه لتدفع ذلك الباب الموارب، ترى هل كانت تلك كتباً؟ تلك المعروضة عى الواجهة الزجاجية. هل هذا شعار دار الهلال على الباب الخشبي؟ تدفع الباب فتجد رجلا سميناً أفزعة اقتحامك المفاجئ يحدق فيك و هو يجفف العرق عن صلعته لكنك لا تبالي، أنت أيضاً أذهلتك المفاجأة، كل تلك الأغلفة المبهرة للروايات تطالعك ،بخطوطها المرحة و الجذابة و التي عرفت لاحقاً أن معظمها بريشة المبدع حلمي التوني. تناديك في إغراء و قلبك يخفق من السعادة كطفل و جد نفسه في مصنع الشكولا.
ستظل مدينا لتلك اللحظة الباهرة التي تعرفت فيها لأول مرة و أنت مراهق صغير على مبدعين عظام كبهاء طاهر و خيري شلبي و صنع الله إبراهيم و محمد جبريل و ..و محمد البساطي.
في تلك الليلة كنت على موعد مع العالم الآسر لمحمد البساطي، اكتشفت لأول مرة تلك اللغة الشفيفة التي تكني ولا تصرح، تومئ ولا تقول،تمرر و لا تسدد.ذلك الضوء الضغيف الذي لا يكشف شيئاً ضوء "ساعة مغرب" يحدثك عن "أصوات الليل" و "صخب البحيرة" و يعدك ب "ليال أخرى" أكثر إمتاعاً.
كان محمد البساطي بالنسبة لي كاتباً قادماً من عالم آخر فهو زاهد إلى حد كبير في الظهور الإعلامي و لم أجد له حتى بعد وفاته إلا حوارات شحيحة لا تتجاوز أصابع اليد، يكتفي بإصدار رواية أو مجموعه قصصية كل بضعة أعوام و يتركها تثير الجدل و يتوارى مجدداً. كأنه لا ينتمي إلى هذا العالم أو أنه غير راض عنه و لا يحب الإنتماء إليه ولولا حاجته للنشر لاكتفى بالكتابة لنفسه، و الحمد لله أنه لم يفعل.
و رغم أنه من كتاب الستينات الثوريين الذين يعادون سياسات الانفتاح و التطبيع إلا أنه لم يترك شيئاً من مواقفه السياسية يتسرب  إلى كتاباته، فتجد في كل شخصياته التي يرسمها رهافة و أقتصاداً شديداً في العبارة و عناية فائقة بالتفاصيل و قدرة على الوصف و التخييل لجعل الأشياء و المواقف البسيطة تقول ما تود أن تسمعه دون صوت و دون صخب. فتجده يتحدث عن ال"جوع" و "الأيام الصعبة" و يخبرك بما يجري خلف ال"أسوار" دون أن يصرح بقبح تلك الأشياء بل يغزل مفرداتها في نسيج حكائي صغير و باهر في ذات الوقت تماماً كما يفعل كبار الكتاب العالميين في رواياتهم.
إن كنت لم تقرأ للبساطي من قبل فربما تجد في روايته القصيرة"دق الطبول" مدخلاً سلساً لعوالمه، حيث تتحدث الرواية عن بلد عربي غني و صغير تأهل منتخبه لكأس العالم فسافر كل سكان البلد لتشجيع المنتخب و بقي الخدم و العمال وحدهم في البلاد يتبادلون الحكايا و الخبايا التي يكنونها في صدورهم في حالة بوح إنساني ممتد على طريقة ألف ليلة و ليلة حتى عودة أهل الدار
و قد سئل رحمه الله في حوار نادر عن طريقته في الكتابة فقال إنه بعد أن يفرغ من الكتابة الأولى للنص ينصرف عنه "حتى يبرد" و يشغل نفسه لمدة يوم أو عدة أيام في عمل يدوي داخل المنزل ثم يعود إليه بعد أن يبرد ليقرأه بتأن و حيادية فيهذبه و يحذف منه و ربما أعاد كتابته من جديد.
و كم استوقفتني كلمة "حتى يبرد" و أحسست بمدى قوة و حرارة الوهج الذي يشع منه لحظة الكتابة و التي تجعل العمل الأدبي لديه  أشبه بسبيكة نادرة من الذهب المشغول بمهارة و التي تحتاج وقتاً كي تبرد حتى يتمكن الجواهرجي من تقويمها و تهذيب شذوذها قبل أن يعرضها للقراء.
رحل البساطي عن عالمنا في هدوء قبيل شهر رمضان المبارك بعد معاناة مع السرطان  و برحيله يفقد عالم الأدب أحد أجمل جواهره و أكثرها أصالة و إن لم تكن أكثرها لمعاناً
*****
تنويه:العبارات بين الأقواس هي عناوين لأعمال محمد البساطي رحمه الله



الخميس، 23 أغسطس 2012

في وداع "الندوة".. ذكريات و تساؤلات


من يملك الصحف؟ هل يملكها أصحاب رأس المال الذين أصدروها و يجنون أرباحها؟ أم هي ملك لمحرريها و فنييها الذين يسهرون عليها و يمنحونها الحياة؟ أم هي ملك القراء الذين يشترونها و يتداولونها و يمنحونها شرعية الوجود؟ أم هي ملك لكل هؤلاء سوياً وكلهم شركاء بشكل أو بآخر في ملكيتها؟
الصحف و المجلات ليست مجرد مشاريع تجارية تطوى في غياهب النسيان بمجرد إغلاقها. كما أنها لا تستمد قيمتها و أحقية وجودها بعدد الريالات التي تحققها.
طافت بذهني هذه التساولات و أنا أقرأ خبر توقف صحيفة الندوة الذي طالعتنا به الأخبار الأسبوع الماضي و استبدال صحيفة جديدة بها. كم هو صعب أن تطوي مرحلة كبيرة من وجدانك وذكرياتك هكذا فجأة و بدون سابق إنذار. محطات كثيرة في تكويني أنا وجيلي من المكيين مرت بشكل أو بآخر عبر "الندوة". تذكرت وقوفي قبل عشرين عاماً في منتصف الليل أمام بوابتها الحديدية في حي "العمرة" منتظراً اللحظة التاريخية التي يفتح فيها الحارس الباب و يناولنا عدد الغد الذي يحمل نتيجة الثانوية العامة، لم تكن في تلك اللحظة مجرد بوابة حديدية صدئة بل كانت نافذة نورانية نحو المستقبل عبرت من خلالها نحو عالم جديد لازلت أخوض غماره إلى الآن. تذكرت ذلك اليوم الذي سبق تلك الليلة بسنوات عندما تجرأت و أرسلت أولى قصصي القصيرة مكتوبة بخطي الرديء على صفحة من صفحات دفتر المدرسة إلى رئيس القسم الأدبي الأستاذ "محمد موسم المفرجي" رحمه الله أطلبه فيها إبداء الرأي و التوجيه ففاجأني بالقصة منشورة في الملحق الأسبوعي على مساحة عريضة جمباً إلى جمب مع مواد الكتاب الكبار، أذكر أن عيناي اتسعتا غير مصدقتين و أن قلبي كاد يتوقف وقتها و أنا أتصفح الجريدة في البقالة في طريق عودتي من المدرسة، ظللت أحدق في الجريدة لفترة لا أدري كم طالت ثم انطلقت بها راكضاً نحو المنزل دون أن أدفع ثمن الصحيفة!.
كانت الندوة في بداية التسعينات رغم تواضع عدد صفحاتها و بساطة إخراجها تملك روحاً خاصة و نفساً صحفياً مخلوطاً بتفاصيل الحياة المكية و يومياتها فلا يخلو عدد من الحديث عن أهلها و أحوالهم ابتداء بالحج و الحجيج و انتهاءً بنادي الوحدة و مباريات فريقه الذي أطلقت عليه الجريده لقب "فرسان مكة". كما كان ملحقها الأدبي يخوض معارك أدبية عنيفة منذ منتصف الثمانينات ضد الحداثة و رموزها، و على صفحات الندوة قرأت لأول مرة اسم عبدالله الغذامي و سعيد السريحي و محمد الثبيتي (كمتهمين بالحداثة) و كنت أرقب المعركة من جبهة واحدة و وعيي يتفتح على حراك صاخب لكنه حيوي و جميل.
فيما بعد دخلت الندوة متاهات التطوير الشكلي،و اكتسبت الألوان و الإخراج و لكنها فقدت حسها المكي و ضاعت في الزحام. و رغم تراجعها في السنوات الأخيرة إلا أنها ظلت فرصة استثمارية سانحة كجريدة تملك رخصة الإصدار اليومي و تصدر من مكة المكرمة و تملك تاريخاً يمتد قرابة الستة عقود.
و الخطوة التطويرية الأخيرة بزيادة رأس مال المؤسسة خطوة منتظرة منذ زمن لكنها تطرح الكثير من التساؤلات، فإذا كان الاكتتاب تم بحسب أنظمة المؤسسات الصحفية و أنظمة هيئة سوق المال كما طالعتنا الصحف، فلماذا لم يتم الإعلان عنه بشكل واسع في الصحف كما يحدث مع باقي الشركات؟ و أعتقد أن الكثيرين ممن فاجأهم الخبر كانوا سيبادرون بالاكتتاب في المؤسسة لو أتيح لهم ذلك.
كما أن تغيير اسم الجريدة من جريدة الندوة إلى جريدة مكة. بدا و كأنه قطيعة كاملة مع الصحيفة الأم، فالعدد الجديد سيحمل الرقم واحد بطاقم جديد و رئيس تحرير جديد كما صرح الشيخ صالح كامل، فهل منحت الوزارة تصريحاً جديداً لجريدة مكة؟ أم أنها استخدمت نفس التصريح الخاص بالندوة؟ و ما الجدوى الاقتصادية التي ستعود على المؤسسة بالتخلص من اسم الندوة؟
إن النظام التنفيذي للمؤسسات الصحفية ينص على أنه"لا يحق للمؤسسة التوقف عن إصدار أي من مطبوعاتها المرخصة إلا بعد تقديم المبررات والدوافع للوزارة لدراستها مع التزام المؤسسة للوفاء بكل الالتزامات التي ترتبت عليها للآخرين" فيا ترى ماهي المبررات التي قدمت للوزارة و اقنعتها بإيقاف جريدة الندوة بهذه السرعه و المبادرة لإصدار جريدة أخرى رغم أن المؤسسة تخلصت من ديونها وزادت رأس مالها؟
و ما الجدوى من إصدار جريدة يومية جديدة من نفس المؤسسة على حساب جريدة قائمة لها تاريخها و كيانها؟
أرجو من معالي الوزير أن يفيدنا بتلك المبررات التي اقتنعت بها الوزارة فجريدة الندوة كما يعرف معاليه هي رئة مكة و أهلها و من حقهم على الأقل عندما يذهبوا لتأبينها أن يعرفوا سبب وفاتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٨) صفحة (١١) بتاريخ (١٨-٠٨-٢٠١٢)

الاثنين، 13 أغسطس 2012

بوفيه الرحمة المفتوح


لو كان الأمر بيدي لجعلت مساحة هذا المقال مخصصة لإعلان مختصر من ثمان كلمات فقط " اغتنم الفرصة و أدرك جائزة العمر التي ستغير حياتك". و لو كان الأمر بيدي لجعلتها تتكرر في كل صفحة من الجريدة و كل الصحف الأخرى و كل قناة تلفزونية و كل لوحة إعلانية على الطريق.
إنها بالفعل فرصة العمر التي نضيعها بغباء و جهل وقساوة قلب في كل عام، نستبشر برمضان في أوله، نتبادل التهاني و الدعاء بقبول الصيام و القيام، نبدأ لياليه الأولى بحماس في قراءة القرآن و صلاة التراويح، ثم و بعد أسبوع على الأكثر نكون قد انغمسنا في عالم آخر لا يمت لرمضان الروحاني بصلة، نندمج باستغراق في تفاصيل المسلسلات الساخنة التي نتابعها، نفق الساعات تلو الساعات في تتبع حلقاتها و أي قناة تبكر بعرضها قبل الأخريات و أيها تعرضها كاملة بدون إعلانات، و إن بقي لديك بعض الوقت في ليل أو نهار فلابأس بمتابعة أخبار مباريات الدوري التي انطلقت و كيف خسر الهلال وفاز الشباب و كيف ستكون عودة الوحدة؟
و إن سلمت من صداع الكرة و المسلسلات فلا مفر من جحيم الأسواق و حمى مشتريات العيد فالصغار ينقصهم الثياب و الجوارب و الأحذية و أنت لابد أن تشتري شماغاً جديداً يحمل البصمة رقم مليون و قلماً و محفظة و قميصاً و بنطالاً و حذاء رياضياً جديداً و كل ذلك في العشر الأواخر من رمضان.
نحفظ تقريباً كل الأحاديث التي تتناول فضل رمضان، نتبادلها في رسائل الجوال، نلقن أولادنا سورة القدر منذ الصغر و نقرؤها في أكثر صلواتنا، لكننا نتعامل مع ليلة القدر ذاتها كأنها ليلة خيالية لا تخصنا و لا علاقة لها بالواقع. نلغي وجودها تماماً و أقصى ما يربطنا بها ركعات باردة نؤديها في المسجد خلف الإمام و تأمينات فاترة على دعائه و بالنا مشغول تماماً في ما سنفعل عند خروجنا من المسجد. هل سيكون السوق مفتوحاً أم أغلق أبوابه؟ هل انتهى الخياط من تفصيل الثياب أم لا؟ هل سأتمكن من يبديل القميص الذي اشتريته البارحة؟ هل سأجد المطعم الصيني مغلقاً؟
نخرج من رمضان مخدوعين و قد فوتنا أعظم مافيه من فرص و أروع مافيه من لحظات و هي لحظة المناجاة الصادقة و التذلل بين يدي الله، و هي لحظة لا يعرف لذتها إلا من ذاقها. يقول مصطفى محمود في وصف أسعد لحظة في حياته"هي لحظة ذات مساء اختلط فيها الفرح بالدمع بالشكر بالبهجة بالحبور حين سجدت لله فشعرت أن كل شيء في بدني يسجد..قلبي يسجد..عظامي تسجد..أحشائي تسجد..عقلي يسجد..ضميري يسجد..روحي تسجد. حينما سكت داخلي القلق و كف الاحتجاج و رأيت الحكمة في العذاب فارتضيته و رأيت كل فعل الله خير، وكل تصريفه عدل، وكل قضائه رحمة و كل بلائه حب..لحظتها أحسست و أنا أسجد أنني أعود لوطني الحقيقي الذي جئت منه و أدركت هويتي و انتسابي و عرفت من أنا و أنه لا أنا بل هو و لا غيره..كانت لحظة و لكن بطول الأبد ..نعم تأبدت في الشعور و الوجدان و ألقت بظلها على ما بقي من العمر.”
في ثلث الليل الآخر من كل ليلة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيهرع إليه العباد و الزهاد و الصالحون يهجرون فرشهم و أحضان أزواجهم ليخلوا به و يجلسوا على مائدته، لكن الله في رمضان يدعوك أنت، أجل يدعوني و يدعوك. يقترب منك يفتح الباب و يلغي الحجاب و يصفد الشياطين و يدعوك لمائدته، يدعوك لتذوق طعم الرحمة الحقيقي و تستمتع بحلاوة المناجاة،لتتأمل جمال المغفرة و لتذوب في صفاء الأنس و تجرب نشوة التحليق خارج الجسد و خارج الدنيا.
صدقني مهما كانت همومك و مهما بلغت أمنياتك فلا شيء يطفئ الهم و يحقق الأمنيات مثل دعوة حارة في سجدة خاشعة و لا نشوة تهز كيانك و تغسل وجدانك مثل دمعة صادقة سالت على خدك في غمرة المناجاة.
يقول سبحانه "واسجد و اقترب" تخيل تلك السجدة التي تأخذك بعيداً..تأخذك عالياً..تحلق بك في سموات الله تقربك من رحمته و ملكوته و جلاله، تشم فيها رائحة الجنة و تلامس أجنحة الملائكة ثم تهبط و في قلبك حدائق الطمأنية و النعيم.
بالله أي خسارة تلك عندما يخرج الناس من رمضان بالأنس بالله و سعة الرزق و راحة البال و صلاح الحال و تخرج أنت خالياً إلا من ثوب العيد؟
لازال في الوقت متسع يا صديقي..فأقبل على خير موائد الكون..و أطلب ما تشتهي!