الأربعاء، 12 نوفمبر، 2008

مرحباً بالكساد



المنظر المذعور لمذيعي نشرات الأخبار و هم يقرأون أخبار الأزمة الإقتصادية يشعرني بالكثير من الشفقة عليهم، و برغبة ماكرة في الضحك بصوت عال كأنني أطالع مسرحية هزلية من النوع الممتاز. أتساءل كثيراً لماذا يريدنا الإعلاميون أن نشعر بالقلق؟

و لماذا ينبغي أن أمتعض و أرتعد لأن الإقتصاد الأمركي يمر بأزمة؟ ولأن بضعة بنوك قد أفلست؟ ولأن سعر البترول قد انخفض؟ ولأن ودائع الدول الخليجية قد تتأثر(رغم النفي القاطع الذي يكررة وزير المالية السعودي...لكن تلك قصة أخرى)؟ وهل من الضروري أن يجافيني النوم لأن أصحاب القروض العقارية في الولايات المتحدة قد أفلسوا و أصبحوا من ساكني الخيام؟

لماذا ينبغي لي أن أفهم سر المعضلة الخرافية؟ وهل سياسة بوش الحمقاء و حروبة الصليبية هي السبب؟ أم الفساد الإداري و غياب المحاسبة و الشفافية في المؤسسات المالية الأمركية(التي ما فتئت توزع علامات الإمتياز و الملاءة المالية عليناAوA+ كشهادات الجودة ونفرح بها وهي خاوية على عروشها)؟ أم أنها نهاية طبيعية لجشع الرأسمالية و توحشها كما يقول اليساريون؟ أم أنها دورة اقتصادية طبيعية كما يحاول الاقتصاديون لملمة كرامتهم المبعثرة على الأرض؟

لست ذكياً بمافيه الكفاية كي استخلص السبب الحقيقي، و لا أملك من أدوات البحث و المعرفة ما يؤهلني لذلك. لكنني أعرف بالطبع أن الأزمة و إن كانت مصنوعة في الولايات المتحدة فإن من سيدفع ثمنها هو دول الخليج الغنية بالنفط و الفوائض المالية الهائلة. و لا يشك عاقل في أن حكوماتنا ستتكرم بشهامة غير مسبوقة بدفع كامل الفواتير المترتبة على الأزمة بالإضافة إلى تبخر ارصدتها المالية في البنوك الأمركية و انكماش أسعار النفط إلى أقل من النصف، لكنني رغم كل ذلك سعيد..و سعيد جداً بالكساد الحالي و أعتقد أن لي مبرراتي المنطقية قبل أن أتهم بالخبال و أو قلة الإدراك.

لو عدنا إلى الوراء ثلاث أو أربع سنوات و قرأنا الصحف السعودية في تلك الفترة و ما كانت تبشر به من طفرة و رخاء قادم متفائلة بأسعار البترول التي ظلت تقفز برتم عجيب حتى لامست المئة و الخمسين دولاراً بعد فترة لم يتخطى سعر البرميل الأربعين دولاراً لسنوات عديدة. كانت تلك الصحف تبشرنا بنهر الخير القادم و الرخاء الذي سيعم المنطقة و انتهاء جميع المشكلات التي تواجه المواطن خلال سنوات قليلة ...إلخ تلك التفاهات

حصاد الطفرة


لكن لو نظر المواطن البسيط من أمثالي إلى حصاد الطفرة لوجده حصاداً مراً و وبالاً عليه و على أسرته

- ففي عهد الطفرة شهد المواطن البسيط أعلى مستوى لزيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية كالأرز و الحليب و الخضار لم يشهد لها مثيلاً منذ عقود

- و في عهد الطفرة شهدت البلاد أزمات كاريكاتورية مضحكة و مبكية في آن واحد أشهرها انعدام الخبز و الدقيق، و حصول معارك ضارية للحصول على حصص الدقيق و إغلاق مخابز لانعدام و جود الدقيق و بيعه في السوق السوداء بل و تخصيص عدد معين من أقراص الخبز لكل مشتري تماماً كما كان يحصل في الدول الشيوعية(تأمل)

- و في عهد الطفرة المباركة شهدت البلاد أزمات العطش المتكرر و انقطاع المياة عن معظم مناطق المملكة و انتشار تجارة الصهاريج و السوق السوداء في بيع حصص المياة على المواطنين و لا عزاء للارامل و الأيتام و معدومي الحيلة

- و في عهد الطفرة المباركة شهدت أسعار مواد البناء ماراثوناً غريباً في الصعود قاده بكل جدارة (حديد البناء) المصنع محلياً من قبل شركة حكومية (سابك) اشتكى مديرها فيما بعد بأنه لا يجد حديداً كافياً لبناء منزله!. فضلا عن ارتفاع أسعار الأسمنت(المحلي) و الالأدوات الكهربائية و حتى الرمل و الحصى ..و أرجوك لا تحاول أن تسأل لماذا يرتفع سعر الرمل و الحصى؟.

- و في عهد الطفرة المباركة تحول حلم الحصول على قطعة أرض و بناء منزل إلى كابوس طوييييل لا ينتهي، و تحولت الأراضي البيضاء إلى ما يشبه سندات البورصة غير أنها تتغير في اتجاه و احد فقط نحو الأعلى و أصبح طبيعياً أن تنام و تستيقظ في اليوم التالي لتجد أن سعر الأرض المجاورة لمنزلك قد تضاعف ثلاث أو أربع مرات دون مبرر منطقي و أعتقد أنك لست بحاجة لكي تجد مبرراً

- و قياساً على ذلك استغل أصحاب العقارات القديمة الأزمة ليخلقوا منها أزمات متعددة للمواطن البسيط فرفعوا الإيجارات أضعافاً مضاعفة بحجة الغلاء و بلا رقيب أو حسيب و (يا الدفع..يا الطرد)

- و عندما استعرت نار الغلاء في كل شيء و أنشبت أظفارها في كل ركن من أركان حياتك طلع عليك المسؤلون الكبار بالتطمين و التهوين و أنها ظاهرة عالمية و ينبغي تقبلها ورفضوا بشدة أي زيادة حقيقية في الرواتب كمافعلت كل الدول الخليجية وبعض الدول العربية الفقيرة، رغم أن الظاهرة ارتبطت بارتفاع أسعار البترول الذي تقبض ثمنه الحكومة و انخفاض سعر الدولار الذي تربطنا به الحكومة من رقابنا فإنها لم تتخذ اي إجراء جدي للحد من سعار الغلاء باستثناء نصائح و زير التجارة المهمة و المطالبة بعدم أكل الأرز.

- والمشاريع العملاقة التي و عدتنا بها الطفرة تعثرت و تبعثرت و لم أشعر أنا المواطن البسيط باي تحسن بل العكس أصبحت الكهرباء أكثر إنقطاعاً و الماء أشد ندرة و المستشفيات أكثر ازدحاماً و الطرق أكثر رداءة و لا تسألني عن المدارس فمعظم الشعب قاطع المدارس الحكومية إلى غير رجعة و لا أظن أنه سيغير رأيه قريباً.

و الآن جاء الكساد العظيم

مع الكساد انخفضت أسعار البترول، و قل التنافس على الشراء و انخفض الطلب على الأراضي و العقارات و أصبحت المصانع تعاني بحثا عن الزبائن و زاد المعروض من السلع و المواد الغذائية مما يعني انخفاضاً حتمياً في الأسعار مالم يتوحش الوكلاء المحليون أكثر مما هم عليه من توحش.

فلماذا يطالبني الإعلاميون و العقاريون بالقلق؟ لماذا علي أن أحزن و أدفع الفاتورة الباهظة في الحالتين؟ أنا كنت الخاسر الأوحد في زمن الطفرة الكاذبة. أنا من أنحدرت طبقته الإجتماعية و تلاشت مدخراته و عانى الأمرين من الغلاء و الفساد الإداري و المشاريع الوهمية التي التهمت ميزانية الدولة و أججت الأسعار و شجعت المفسدين على إلتهامي.
أنا لن أخسر شيئاً إذا أفلس البنك الذي أتعامل معه فأنا مدين له بأضعاف ما هو مدين لي، و سأسعد كثيراً إذا تراخت قبضته القاسية الممسكة بتلابيبي.آن الأوان كي نتبادل الكراسي الآن، هكذا تصبح اللعبة عادلة و تصبح ريالاتي القليلة ذات قيمة أكبر في نظر التاجر.

راتبي لن يتوقف، هذا ما أنا متأكد منه تماماً لن تجرؤ الحكومة على قطع راتبي، ليس لأنها تخشاني أو تشفق علي بل لأنها تعلم أنها تستمد شرعيتها من راتبي الذي تدفعه وهي غير مستعدة أبدا للمغامرة بلعبة خطيرة كهذه الآن. بل إن التجارب علمتنا أن الحكومات تكون أكثر إنسانية عندما تشعر بالخطر الخارجي و تتجه للداخل لتدعيم شرعيتها، و يستطيع القراء الذين تجاوزوا الثلاثين من العمر تذكر حال الحكومة في حرب الخليج الثانية و كيف صرفت جميع المستحقات المتأخرة لكل القطاعات و أسست مجلس الشورى قبل أن تضع الحرب اوزارها.
أعود لأتأمل وجه المذيع المذعور و أتساءل، أليس موظفاً مثلي؟ ألم يكتوي بنار الغلاء و الفساد كما اكتويت؟ لماذا يبدو مذعوراً إذن؟ هل هو ممثل جيد يتقن أداء وظيفته؟ ام أنه يعلم من الأمور ما لاأعلم؟
تلك التقطيبة القاسية على الجبهة و العينينين المتسعتين في وجل و الشفتين و المضموتين في صرامة و الكلمات المتدفقة كسيل من الرصاصات و الصوت اللاهث و الحركة المرتبكة لليدين...يبدو أنه يتقن عملة بالفعل ..لكن رغم كل شئ فهو لا يقنعني و لا أشعر إلا برغبة خبيثة في الضحك.....مرحبا بالكساد أيها السادة

الأحد، 2 نوفمبر، 2008

حكاية ساعة من الزمن ..قصة من الأدب الأمريكي


بقلم: كايت شوبن

kate chopin

ترجمة د. فراس عالم

لأن السيدة (ميلارد) كانت تعاني من مشكلات صحية في القلب، كان لابد من اتباع أكثر الطرق لطفاً وحكمة لإبلاغها نبأ وفاة زوجها.

تولت شقيقتها (جوزفين) إبلاغها بالنبأ، أخذت تستخدم عبارات مبطنة وإشارات متكتمة حتى أبلغتها الخبر، كان (ريتشارد) صديق زوجها حاضراً، في الحقيقة كان هو أول من عرف بالخبر حيث كان جالساً في مكتب الجريدة عندما وصلهم خبر كارثة الطريق السريع واسم (برنتلي ميلارد) يتصدر قائمة القتلى، انتظر حتى وصلت البرقية التالية لتؤكد النبأ، عندها خرج مسرعاً إلى منزل صديقه ليستبق أي محاولة طائشة وغير مكترثة من الآخرين لإبلاغ الزوجة الخبر الحزين.

لم تكن ردة فعلها تشبه ردة فعل الزوجات المكلومات، فبعد أن سمعت الخبر بقيت فاقدة للإرادة غير مستوعبة لخطورة الخبر، ثم انفجرت فجأة بالبكاء على كتف شقيقتها، وعندما هدأت عاصفة أحزانها قامت مسرعة إلى حجرتها وطلبت ألا يرافقها أحد. غاصت في كرسيها المريح المواجه للنافذة المفتوحة في غرفتها منهكة من الإجهاد الذي يجثم على جسدها وروحها. وقع بصرها - من خلال المساحة الممتدة أمام نافذتها- على قمم الأشجار المتراصة وهي تستقبل الربيع، ورائحة المطر تعبق في الجو. كان بائع متجول ينادي على بضاعته في الشارع المقابل ورغم صوته الجهور استطاعت سماع صدى خافت لأغنية جميلة يغنيها شخص ما من بعيد وعدد لا محدود من العصافير يغرد على إفريز الشرفة.

كانت السماء تظهر كقطع زرقاء متناثرة هنا وهناك بين طبقات السحاب الكثيفة المتراكمة فوق بعضها البعض. كانت قد ألقت رأسها إلى الخلف ليغوص في حشية مسند الرأس الطرية وظلت ساكنة من دون أي حركة باستثناء الشهقة الخافتة التي انطلقت من حلقها وانتزعتها كطفل صغير من حلم جميل.

تعد السيدة ميلارد إذا نظرت إلى وجهها شابة ذات ملامح مقبولة وهادئة، وخطوط وجهها تدل على القوة والتحكم، لكنها الآن لا تظهر سوى الحملقة الناعسة في عينيها والتي تسمرت على إحدى تلك البقع الزرقاء في السماء، لم تكن تحديقة عفوية بل علامة واعية على تفكير عميق.

هناك شيء ما مقبل نحوها، شيء كانت تنتظره لكنها لا تعرف طبيعته! شيء ماكر ومراوغ لا يقبل التسمية، لكنها تشعر به يتسرب عبر زرقة السماء، يقترب عبر الأصوات والروائح والألوان التي تملأ المكان. أخذ صدرها يعلو ويهبط في اضطراب، لقد بدأت تدرك كنه الشيء الذي يقترب ليمتلكها، أخذت تكافح لتقاوم سيطرته، لكنها كانت خائرة القوى، تماماً كيديها البيضاوين الفاقدتين لأي عزم. وعندما شعرت بالإنهاك تسربت همهمة صغيرة من بين شفتيها المنفرجتين قليلاً، ثم عادت لتكررها مرة وأخرى مع أنفاسها المتقطعة

- (حرة، حرة، حرة)!!

تلاشت النظرة الخاوية من عينيها، وحلت محلها نظرة قوية ومشرقة، شعرت بنبضها المتتابع يضخ دماءً دافئة في أطرافها، ويمنح الاسترخاء لكل سنتيمتر من جسدها. لم تتوقف لتتساءل ما إذا كان الشيء الذي امتلكها إرادة وحشية أم شيء آخر، كان شعور داخلي يسيطر عليها لتتجاهل التفكير في شيء كهذا.

كانت تعرف أنها ستبكي مجدداً عندما ترى يدي زوجها الكريمتين المرهفتين ملفوفتين برداء الموت، والوجه الذي لم يدخر عنها نظرات الحب وقد كسته الصفرة والجمود. لكنها كانت ترى أبعد من ذلك المشهد، كانت تستشرف موكباً طويلاً من السنوات القادمة لا يشاركها فيها أحد، وهي تفتح ذراعيها واسعاً لتستقبلها. لن تهب حياتها لأحد تعيش لأجله، ستحيا لنفسها ولنفسها فقط. لن يجرؤ أحد على فرض إرادته عليها أو التطفل على خصوصياتها ورغباتها (سواء كان ذلك التطفل بنية حسنة أو سيئة فإنها تراه الآن في لحظة إشراقها هذه جريمة لا تغتفر).

لقد أحبت زوجها بعض الوقت، لكنها في أغلب الوقت لم تكن تفعل. ما الفارق؟ ما الذي يعنيه الحب - ذلك اللغز المستعصي على الحل- حين يمتلك الرجل المرأة امتلاكاً تاماً وقهرياً إلى الأبد؟ كأنها كانت بحاجة لهذه الصدمة كي تستوعب وضعها الذي كان.

- (حرة، حرة الجسد والروح) أخذت تتمتم

كانت أختها (جوزفين) تركع عند باب حجرتها المغلق وشفتاها على ثقب المفتاح تتوسل الدخول

- ((لويس) أرجوكِ افتحي الباب، لا تؤذي نفسكِ، أتوسل إليكِ افتحي الباب)

- (اذهبي أنا لن أؤذي نفسي) ردت عليها.

في الواقع كانت تشعر أنها تشرب إكسير الحياة من خلال النافذة المفتوحة. انطلقت خيالاتها بشغب تمرح في الأيام التي تنتظرها، أيام الربيع، أيام الصيف، كل أنواع الأيام التي ستصبح ملكها. ارتجلت دعاءً قصيراً بأن تكون حياتها أطول وهي التي كانت بالأمس فقط ترتعد من فكرة الحياة الطويلة.

نهضت أخيراً وفتحت الباب لشقيقتها الملحاحة، كانت هناك نظرة انتصار محمومة في عينيها، وفي خطوتها تبختر كأنها آلة النصر ذاتها، احتضنت أختها من وسطها وأخذا ينزلان السلالم حيث ينتظرهما (ريتشارد) في الأسفل.

قام شخص ما بفتح الباب الخارجي مستخدماً المفتاح، كان المقبل هو (ميلارد) زوجها وعليه القليل من وعثاء السفر، حاملاً حقيبته ومظلته في هدوء، لا يظهر عليه أي أثر لحادث سير ولا يبدو حتى أنه سمع بحدوثه. وقف مذهولاً من صراخ (جوزفين) الحاد، ومن مسارعة صديقه (ريتشارد) نحوه ليحجبه عن نظر زوجته لكن يبدو أن (ريتشارد) تأخر كثيراً.
عندما جاء الأطباء لفحصها قالوا إنها ماتت بنوبة قلبية سببها انفعالات الفرح الشديد!!