الأحد، ١٨ مارس، ٢٠١٢

الرجل الذي رفض دخول الحظيرة


الزمان: ٢٢ أكتوبر ٢٠٠٣ (قبل الثورة بأكثر من سبع سنوات)
المكان: دار الأوبرا المصرية بالقاهرة
الحدث: حفل تسليم جائزة الإبداع الروائي
وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت يقف وإلى جواره رئيس المجلس الأعلى للثقافة استعداداً لتسليم الجائزة للفائز الذي سيعلن اسمه بعد لحظات.
في الحقيقة كان الفائز قد أُخبر سراً بالنبأ وتمت دعوته للحضور والتأكيد عليه خوفاً من رفضه الجائزة نظراً لمواقفه غير الودية تجاه الحكومة. لكنه ولسعادة الوزير وافق على الحضور وأعطى اللجنة معلوماته الشخصية اللازمة لاستكمال كتابة شيك الجائزة البالغة قيمتها مائة ألف جنيه مصري إضافة إلى صور التكريم الأخرى. كانت سعادة الوزير بالغة وهو يستعد لمنح الجائزة للمعارض العتيد والشيوعي القديم الذي أمضى جزءاً لا يستهان به من سنوات شبابه في المعتقل وتعرض فيه للتعذيب والإهانات ولكنه خرج من المعتقل أكثر شراسة وصلابة في نقد الحكومة، ورغم عزلته شبه الكاملة فإن رواياته كانت توجه نقداً موجعاً لكل شيء تقريباً في البلاد، ولم تفلح السنون المتتابعة في كسر حدة النقد الذي تمرره الروايات ولا في جعله أكثر خفوتاً، بل على العكس كان المحارب القديم يزداد حنكة ومهارة مع الزمن وتزداد شعبيته وتتسع دائرة تأثيره مع كل كتاب يطبعه. لذلك كانت غبطة الوزير كبيرة عندما علم بنبأ قبول المقاتل العتيد جائزة الدولة، واعتبرها هدنة نجحت وزارته في توقيعها مع أحد خصومها الشرسين، ومقدمة لاستقطابه إلى فضائها عبر طرق كثيرة يتقنها مساعدوه المهرة.. قطع عليه سيل أفكاره صوت رخيم يعلن اسم الفائز بالجائزة، تلاه تصفيق حار يليق باسم الفائز ويؤمن على حسن الاختيار. تقدم المناضل العتيد نحو المنصة، نحيلاً ضامراً هدته السنون، لكنها منحته كذلك نظرة نافذة ذكية يسهل تمييزها في التماعة عينيه الصغيرتين خلف نظارته السميكة التي جعلته مع شعره الأشيب الكث والأشعث أشبه برجل أسطوري قادم من عالم الخيال. تقدم الرجل بخطوات هادئة نحو المنصة وطلب أن يلقي كلمة قصيرة بهذه المناسبة، تقدم نحو الميكروفون وبدأ حديثه بصوت منخفض وغير واضح لكن وقعه كان مفاجئاً ومدوياً كالقنبلة.
«أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة لا تملك في نظري مصداقية منحها، من حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء (في مصر) في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب».
وأضاف بذات الصوت المبحوح: «لا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيقة بوطننا، وهي لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية ولا على الإملاءات الأمريكية ولا على العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية وإنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا».
وتابع: «لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب، لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل، تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان وللضرب والتعذيب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته».
عمت لحظة صمت بدت كأنها الدهر كله، وبدا كأن وقع المفاجأة أصاب الجميع بالشلل، ثم وفجأة أيضاً انفجرت القاعة في تصفيق مدوٍّ، تصفيق حار ملتهب ومتواصل يختلف في صداه ونغمته عن أي تصفيق سمعته جدران القاعة من قبل. ارتبك الوزير وارتبك رئيس المجلس الأعلى للثقافة. تبادلا النظرات، نظرات الخذلان والعتاب، تقدم الوزير نحو المنصة، حاول التظاهر بالتماسك، قال إن المحتفى به كان على علم بنبأ فوزه ولم يعترض، ورغم ذلك فما حدث اليوم يدل على مدى الديمقراطية التي بلغناها! كان الرجل النحيل قد ترجل عن المنصة عالماً بمدى الضرر الذي سيلحقه والحرب الشعواء التي ستشنها عليه الصحف الرسمية، لكنه كان سعيداً من الداخل بعد أن بلغ رسالته، ولم يكن يعلم أن صدى صوته الواهن المبحوح سيتحول إلى صرخات هادرة ترددها ملايين الحناجر في ميدان التحرير بعد بضع سنين حتى تزيح أركان عرش الفساد الذي واجهه اليوم وحيداً.
كانت تلك قصة الرجل الذي رفض دخول الحظيرة: قصة «صنع الله إبراهيم»
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٠٤) صفحة (١٧) بتاريخ (١٧-٠٣-٢٠١٢)

الأحد، ١١ مارس، ٢٠١٢

البكاء بين يدي «حافظ»!


أشعر اليوم برغبة في تسجيل اعتراف خطير، اعتراف يدور في خلدي منذ سنوات وقررت أن أبوح به الآن، أما لماذا الآن، فلا أعرف السبب تحديداً لكنها عدة عوامل متراكمة عجلت بهذا الاعتراف المهم.
هناك يا سادتي «مؤامرة كبيرة» تحاك ضد اللغة العربية. مؤامرة قديمة جداً، لا أعرف متى بدأت بالتحديد لكن المتآمرين فيها كُثر، وقد اكتشفت مؤخراً أنني أحد أعضاء المؤامرة الفاعلين عن سبق إصرار وترصد.
نعم، هذه هي الحقيقة التي كنت أتهرب من مواجهتها لسنوات، ويبدو أنه قد حان الوقت للاعتراف بها، أنا أحد أركان المؤامرة على اللغة العربية، وكل نص كتبته من قبل ونشرته في أي مكان لم يخل من عدة طعنات نجلاء أصابتها في مقتل وشوهت حسنها وجمالها. واستلزم الأمر في كل مرة تدخلاً نحوياً عاجلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورغم تلك التدخلات العاجلة فإن المؤامرة نجحت في تسريب الكثير من الكوارث النحوية والتشوهات اللغوية الفادحة إلى نوافذ المدونات وصفحات الجرائد وأسماع المستمعين، فكانت جرعة من ضمن ملايين الجرعات السامة التي تحالف المتآمرون الآخرون على نشرها حتى يقتلوا ما بقي من غيرة ونخوة تجاه اللغة المسكينة.
لقد تحالفت عوامل عدة على صنع المتآمر الصغير، قبل أن تحوله لمتآمر كبير، فالمتآمر الصغير مثلي لم تنجح في تقويم لسانه وتهذيب ذائقته مئات الساعات الدراسية التي تلقاها في المدرسة ولا مناهج (قواعد النحو والصرف) التي بدأ دراستها منذ الصف الرابع الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، فضلاً عن مناهج الجامعة الإلزامية، لقد تبخرت كل تلك الشروحات والأمثلة والقواعد كأنها لم تكن، تداخل المبتدأ والخبر والفعل والفاعل والمفعول، تزوجت إن وكان وأخواتهما واختلطت أنسابهما فما عاد يُعرف من فيهما التي تنصب الفعل أو تجر الفاعل… عفواً! لا توجد أداة تجر الفاعل؟ شكراً للتنبيه!
لم يكن الوضع أفضل خارج المدرسة، لم يستطع التلفاز أو الراديو بكل برامجهما ومسلسلاتهما أن يصلحا ما أفسدته المدرسة، كانت «القوة الناعمة» كما يسميها المتحذلقون تسير في ذات الركب، كل شيء فيها يمجد العامية ويعلي شأنها وعندما يضطر المذيع للتحدث بالفصحى ارتجالاً فإن (سيبويه) يتقلب في قبره عدة مرات في الدقيقة لهول ما جاد به المذيع حتى تقول الرفات: ليته سكت!
كنت أعتقد أنني نسيج وحدي في التآمر، وأن أخطائي الفادحة عيب كبير يجب أن أسعى جاهداً للتخلص منه؛ كي أنضم إلى ركب المثقفين والكتاب الذين يمثلون صفوة المجتمع وقدوته، لكنني -كالعادة- اكتشفت مدى جهلي وسذاجتي عندما رأيت ما يكتب هؤلاء (الصفوة) بشكل مباشر على هواء (تويتر) بدون مونتاج (المصحح) ومؤثرات (المدقق). كانت الكوارث تتوالى بشكل لا يصدق، والأخطاء تجاوزت النحو لتبلغ الإملاء، وضاعت الفوارق بين الواو والضمة وبين الكسرة والياء، فلا بأس لديهم في أن تحل إحداهما محل الأخرى، أما عن الهمزة -و آه من الهمزة- فأرجوك لا تسأل لأن الهمزة بالذات تبدو في كتابات الصفوة كأنها اقتباس من اللغة العبرية يجتهد كل واحد في وضع قواعد جديدة خاصة بها!
في كتابها (تاريخ الدعوة إلى العامية) ترجع الدكتورة (نفوسة سعيد) أصول تلك الدعوة إلى جهود المستشرقين في القرن التاسع عشر، وترى أنها جزء من مؤامرة الاستعمار على العالم العربي لتفكيكه والسيطرة عليه عبر الدعوة إلى تبني العامية في الفن والآداب كلغة بديلة للفصحى (ألا يذكرك ذلك بالشعر النبطي؟).
وتتبع في بحثها الشيق تطور تلك الدعوات التي بلغت حد أن اقترح عبدالعزيز فهمي استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية في الكتابة، وأحمد لطفي السيد تمصير الأدب عبر كتابته بالعامية المصرية. بل إن المستشرق ويلهم سينا سبقهما بتأليف كتاب «قواعد العربية العامية في مصر» منذ عام ١٨٨٠! ولعل حافظ إبراهيم قصد هذه الدعوات عندما كتب قصيدته الشهيرة عن اللغة العربية، خصوصاً عندما قال:
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً
من القبر يدنيني بغير أناة!
وأسمع للكتاب في مصر ضجةً
فأعلم أن الصائحين نعاتي!
ترى ما الذي كان سيقوله ذلك الشاعر العظيم إذا رأى ما يكتبه (مثقفونا) في تويتر وفيسبوك هذه الأيام؟


نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧) صفحة (١٧) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٢)

فراس عالم لـ الشرق: لغز الخطوط الحمراء يضع الصحافة المحلية في مأزق أبدي




مكة المكرمة – الزبير الأنصاري

قال الكاتب والقاص فراس عالم إن هامش الحرية المتاح في الصحافة السعودية «من أكبر الألغاز التي مرت علي»، مؤكداً أن «الخطوط الحمراء شيء صعب القياس جداً، ولا تخضع لأي لائحة أو قانون». وأضاف «تندهش أحياناً من جرأة وقوة بعض المقالات والتحقيقات، وتتساءل: كيف مرت بين أنياب الرقيب؟ وتندهش أكثر، عندما يطاح برئيس تحرير، بسبب نشر تقرير صحفي أقل من عادي، وما لم يحل لغز الخطوط الحمراء ستظل الصحافة السعودية في مأزق أبدي». وقال عالم لـ»الشرق»، على هامش أمسية قصصية أحياها في المقهى الثقافي في «أدبي» مكة مؤخراً: «مهما كانت إدارة التحرير منفتحة في الصحيفة، فإن حريتها مرتبطة بالمناخ العام للصحافة ككل».

التدوين والصحافة

وحول ممارسته التدوين والفرق بينه والكتابة الصحفية، قال عالم: «بدأت التدوين في مدونتي الخاصة في منتصف عام 2008»، وهي «مغامرة من أجمل مغامراتي في عالم الكتابة».
وأضاف أن التدوين يمنح المدون فضاء رحبا، عبر قالب مراوغ غير مسبوق في الكتابة، يكون فيه الهاجس الوحيد للكاتب أن يكون كما يريد، دون مراعاة «إلا قيود النحو والإملاء فقط»، يستخدم فيه الصورة والكاريكاتير ومقاطع الفيديو، وكتابة سطور مقتضبة أو مقالة مطولة، أو نصاً بالغ السخرية، أو الجدية، أو مزيجا من هذا وذاك. فالمدون حر في فعل ما يشاء، دون أن يحمل هماً للرقيب، أو الناشر، أو حتى القارئ. وأوضح أن الكاتب الصحفي مقيد بعامل الزمان والمساحة، ولديه «عدد معين من الكلمات، وهامش محدود للحرية، وساعة صفر في كل أسبوع» يجب أن يكون مقاله جاهزاً قبلها، لافتاً إلى أنه ما زال يجرب، حتى الآن، ويبحث عن القالب المناسب الذي يمنحه ثنائية الفائدة والمتعة في المقال الصحفي. وفي رده على سؤال عن انتقال المدونين إلى الصحافة، قال إن «التدوين عالم مختلف ومحفز على التجديد والإبداع في قوالب وأنماط الكتابة، والمدونون الجدد نجحوا في فرض أسمائهم وحشد شريحة كبيرة من المتابعين بعيداً عن الإعلام التقليدي»، مشيراً إلى أن ما «يحصل الآن هو أن الإعلام التقليدي، يخطب ودهم، طمعاً في تجديد الدماء من ناحية، ورغبة في استغلال تلك الشعبية للترويج للمطبوعات التي يستكتب فيها هؤلاء المدونين»، معتبرا الأمر ظاهرة إيجابية، «لكن من المبكر الحكم على نجاحها أو فشلها».

النقد وحده لا يكفي

وعن إسهامات الاتجاه النقدي للمقالات الصحفية في تقويم عمل المؤسسات الحكومية، أشار عالم أنه لا يعرف إن «كان يسهم في تغيير المؤسسات. لكنه بالتأكيد يغير المجتمع، يمنح الناس جرأة أكثر في النقد والحديث عن الفساد والقصور. كما أنه يساهم في زيادة شعبية الكتاب ويحولهم إلى نجوم مجتمع، ويزيد من مقروئية الصحيفة»، موضحاً أنه لا يعتقد بأن المقالات تسهم فعلاً في الإصلاح، «فالإصلاح يحتاج لقوانين رادعة أكثر بكثير من سطور ناقدة».

تجربة ولياقة

أما عن تجربته في كتابة المقال، فقال إنها «لا تخلو من تحد واستدارج»، مؤكداً أن «على الكاتب أن يشحذ فيها أدواته، ليكون يقظاً ومنتبها طوال الوقت، ولكن ينبغي عليه أيضاً أن لا ينزلق إلى الثرثرة والتكرار». وأوضح أن «كثيراً من المبدعين استفادوا من الصحافة، حيث منحتهم لياقة القلم وسلاسة الأسلوب، بسبب تمرين الكتابة المنتظمة».

مشاهد بصرية

ويكتب فراس عالم، وهو طبيب أسنان، القصة بنفس مغاير لما يفعله مجايلوه، كما يظهر لقارئ مجموعته اليتيمة «المشبك الخشبي». وتتميز كتاباته القصصية بالمشاهد البصرية، وعن ذلك يقول: «إن مشاهداتي السينمائية ومشاهداتي للطبيعة أثرت علي في هذا الجانب، كذلك ميلي للملاحظة أكثر من الاستماع… أيضا هناك بعض الكتابات التي قرأتها في شبابي، وفي صغري لكتاب يهتمون بالوصف والحركة، مثل إرنست هيمنجواي… كذلك قناعاتي الفنية التي تشكلت منذ الصغر بأن القصة يجب أن لا تعطي المستمع والقارئ حكما جاهزا، ولكن تنقل له توصيف المكان والزمان».

الطب والكتابة

ورغم حضور «الطبيب» في كتاباته الصحفية، إلا أنه يغيب عن قصصه، لأن المفروض هو هذا، كما يقول، «فالمقالات مرتبطة بحدث آني وبمشكلة وبمعاينة، فكتابة المقال لابد أن تستمد بشكل أو بآخر من يوميات الحياة، أما النص فتحكمه ظروف ومعطيات كثيرة جدا»، موضحا أنه ليس حريصا على إظهار عمله كطبيب بشكل فج في النصوص، ولا يعتقد أن النص الفني يحتمل هذا الأسلوب في الكتابة.


نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٩٧) صفحة (٣٤) بتاريخ (١٠-٠٣-٢٠١٢)





السبت، ٣ مارس، ٢٠١٢

الأندية الأدبية بين الاستقلال و الممانعة

كتب الدكتور عبدالله حامد مقالاً نارياً في المجلة الثقافية لجريدة الجزيرة يوم ١-٤-١٤٣٣ بعنوان (ماذا حدث في انتخابات أبها..من فوبيا الأوراق إلى قمع الوزارة). هاجم فيه صراحة و بدون مواربة وزارة الثقافة و الإعلام ممثلة في وكيلها الدكتور ناصر الحجيلان و مدير الأندية الأدبية عبدالله الكناني. و يحسب للدكتور حامد دقته في توصيف و توثيق الحادثة التي بنى عليها رأيه و تعهده بإكمال الحديث في مقالات لاحقة ربما تثير الكثير من الجدل.
و لا أعتقد أننا نخالف الحقيقة كثيراً إذا عممنا رأي الدكتور حامد على شريحة كبيرة من المثقفين و التي شعرت بخيبة أمل كبيرة من انتخابات الأندية الأدبية تتوازى الطموح الكبير الذي رافق ولادة التجربة. و بغض النظر عن الممارسات السلبية من قبل أعضاء الجمعيات العمومية و ما أفرزته من ظواهر محبطة للكثيرين كالتكتلات خلف الاسم القلبي أو التحزب للمنصب الأكاديمي أو الديني. فكل تلك السلبيات كانت متوقعة بدرجة أو بأخرى كآثار جانبية لبدايات الممارسة الديموقراطية و من الممكن تخفيفها أو تجنبها بالكامل في المراحل اللاحقة من الانتخابات. لكن ما كان صادما حقاً هو ذلك التباين الكبير في الرؤية و التعاطي بين قمة الهرم الإداري متمثلاً في الوزير و بين المسؤليين الذين يلونه في تسلسل الهرم الذين حددهم الدكتور حامد في مقاله.
فالوزير د. عبدالعزيز خوجة كان عراب مشروع لائحة الانتخابات، و هي رغم كل التحفظات الوجيهة على بعض بنودها لائحة تقدمية إذا ما قورنت بلائحة المجالس البلدية مثلاً أو لائحة مؤسسات الطوافة، فمجالس الأندية الأدبية منتخبة بالكامل و لا يحق للوزير تعيين أي شخص في المجلس بالتزكية و للمرأة كامل الحق في الترشح و الانتخاب و للمجلس كامل الحرية في تحديد الرئيس و النائب و التصرف في ميزانية النادي بالطريقة التي يراها مناسبة. و يقتصر دور الوزارة على الإشراف و المراقبة و التمويل فقط.
هذه اللائحة لم تكن لترى النور لولا رؤية واضحة و بعيدة المدى من قبل الوزير خوجة و قناعته بأن الثقافة لا تزدهر إلا في مؤسسات مستقلة حتى لو أتى ذلك على حساب تقليص صلاحياته المباشرة على تلك الموسسات،. لكن تلك الرؤية تصادمت أكثر من مرة مع ما نستطيع تسميته (الممانعة البيروقراطية) و التي مثلها وكيل الوزارة د. ناصر الحجيلان بامتياز في أكثر من موقف. و تلك الممانعة تأتي من قناعة المسؤول بأنه لازال يمارس سلطته كرئيس يقود مرؤوسين لا مراقب يتابع عملية انتخاب مستقلة، و عليه أن يلتزم حدود اللوائح و القوانين و لا يتعداها.
من الأمثلة المبكرة على ذلك الصدام بين الممانعة و الاستقلال التعميم الشهير الذي أصدره دكتور الحجيلان بتاريخ١٤-٦-١٤٣٢ (قبل أيام قليلة من بدء انتخابات نادي مكة) و الذي طلب فيه من الأندية قصر الترشح على الرجال دون النساء في مخالفة صريحة للائحة الجديدة، و لم تمض ساعات على انتشار خبر التعميم حتى عاد الوزير خوجة عبر صفحته في الفيس بوك و تويتر ليؤكد حق المرأة في الترشح و رفض إصدار تعميم جديد ليؤكد علو اللائحة على أي تعميم يخالفها. و لم تكن تلك آخر الممانعات فقد حرص د. الحجيلان على تكريس مبدأ الممانعة في كل مرة تحدث مواجهة أو مطالبة من الجمعيات العمومية بشيء تقره اللائحة و لا يقره هو ، و لعل إصراره على تطبيق التصويت الإلكتروني رغم معارضة معظم الجمعيات العمومية له أحد أبرز الأمثلة على تلك الممانعة. و تجلت أمثلة ممانعة أخرى أكثر تغولاً كتجاهل الرد على طعون أعضاء جمعية نادي أبها و تدوير المناصب في نادي مكة و غيرها من المواقف الفردية الصغيرة التي لا تدل بحال من الأحوال على أي تجانس في الرؤية بين معالي الوزير و سعادة الوكيل.
ختم الدكتور عبدالله حامد مقاله بالتلويح بالجوء للقضاء و سبقه د. المورعي برفع قضية احتجاجاً على إزاحته من منصبه. و القضيتان في نظري بغض النظر عن ملابساتهما تحققان مكاسب كبرى للثقافة و المثقفين إذ تؤسسان لبداية عهد جديد يكرس استقلال المثقف عن الوزارة و يلغي تبعيته لها و تجبر الوزارة على احترام القوانين كوسيلة و حيدة للتعامل بينها و بين الأندية كما أنها تعكس صورة جديدة للمثقف خلاف الصورة السائدة بأنه تابع للوزارة تنعم عليه بالدعوات و الانتدابات حين ترضى عنه و تحرمه منها حين تغضب عليه.

السبت، ٢٥ فبراير، ٢٠١٢

خريف كوداك!


يمكنني أن أتذكر جيداً أول كاميرا رقيمة شاهدتها في حياتي، كان ذلك منذ مدة تزيد على عقد من الزمان. كنا لانزال طلاباً في كلية طب الأسنان، و كانت متطلبات الكلية تقتضي-ولازالت- تصوير الحالات التي يعالجها الطلبة قبل و بعد العلاج و تقديم الصور في نهاية العام لأستاذ المادة لإثبات أداء المتطلبات الإكلينيكية و دخول الامتحان النهائي. كنا نتشارك أنا و زملائي في كاميرا عملاقة بعدسة اسطوانية طويلة و فلاش حلقي ممتد بأسلاك ملتفة حول الكاميرا، كان منظر الكاميرا مهيباً و مرعباً تماماً كسعرها الذي اقتضى منا خططاً تقشفية طويلة المدى حتى تمكنا من تحصيل ثمنها. لكن سعر الكاميرا لم يكن مشكلتها الوحيدة، فبعد انتهاء التصوير تبدأ معاناة تحميض الأفلام، و لأن الأفلام التي نستخدمها من نوع الشرائح الشفافة، فكان تحميضها يتطلب الذهاب إلى معمل وحيد لشركة (كوداك) في طريق المدينة-وسط جدة- و التذلل لدى الموظف لقبول تحميض الفيلم بسرعة دون رفع السعر، و انتظار الصور التي في بعض الأحيان تخرج محترقة، أو مشوشة لأن أحدنا لم يحسن ضبط الفيلم أو ضبط الإعدادات الخاصة بالكاميرا. لكن و بخلاف حالات الخطأ تلك كانت معظم الصور آية في الوضوح و الدقة. في تلك الفترة جاء أحد الزملاء إلى العيادة بكاميرا غريبة الشكل، كانت مفلطحة أشبه بكتاب سميك، عدستها صغيرة ضامرة، و ليس لها ذلك الفلاش المهيب، لوح بها في وجوهنا و قال "هذه كاميرتي الجديده" ثم تمعن في وجوهنا المتعجبة و تابع "كاميرا ديجيتال..تعمل بدون أفلام!”. و ضغط زراً صغيراً في جانبها فخرج منها قرص مرن ، ثم تابع"لا حاجة للفيلم..هذا هو الفيلم". لم تستغرق دهشتنا سوى دقائق، حتى رأينا صور الكاميرا العجيبة، كانت آية في الفشل المطلق، صورها باهته مظلمة و فاقدة للدقة. كما أن القرص المرن لم يكن يحتمل أكثر من صورتين أو ثلاث على الأكثر و يحتاج إلى تبديله بقرص آخر. كان ذلك كافياً كي نطلق أحكامنا الواثقة: الكاميرا الرقمية اختراع فاشل، لا يمكن أن تقارن بأي شكل من الأشكال بالكاميرا العادية و أفلامها بالغة الدقة..خصوصاً عندما تقارن بأفلام من نوعية جيدة كأفلام شركه كوداك!.
بالطبع لست بحاجة لذكر مدى سذاجتنا و جهلنا في ذلك الوقت، و أن الأمر لم يستغرق عشر سنوات لتصبح كاميرتنا المهيبة شكلاً وسعراً قطعة من الخردة القديمة، و أن كل طلبة الكلية اللاحقين اصبحوا من ملاك الكاميرات الرقمية.
عادت تلك الحادثة إلى ذهني و أنا أقرأ بحزن خبر إفلاس شركة كوداك العملاقة، و التي كانت على قائمة أكبر الشركات العالمية لعقود و أثرت حياتنا باختراعات و تقنيات في مجال التصوير فحفظت ذكرياتنا و لحظاتنا الحلوة و ملامح أحبائنا في صدور مجالسنا و ألبوماتنا لنسترجعها متى ما راودنا الحنين.
ترى كيف غفلت شركة عملاقة مثل كوداك عن قراءة المستقبل القريب؟ كيف فشلت في التنبؤ بمصير أعظم منتجاتها و لم تبادر بتغيير سفينتها الغارقة قبل أن يغمرها اليم؟
كيف تشابهت قرارت مجلس إدارة محترف يدير جيشا من ١٤٥ ألف موظف مع قرارات شباب طائش لا يملك أي خبرة في الحياة مثلنا في ذلك الوقت؟
إن كان ثمة عبرة مما حدث لشركة كوداك فهي أن الثوابت لا تبقى على ثباتها طوال الوقت، و أن ثباتها لمئات السنين لا يعني مناعتها ضد التغيير، و أن ذلك التغيير قد يكون سريعاً و صادماً و دون توقع.
ثمة اختراعات و حوادث غيرت الكثير من القيم و الموازيين في العالم، و رغم بساطتها الخادعة فقد كانت أشبه بعود الثقاب الذي أشعل حقلاً يابساً. و في كل مرة كان الخاسرون هم أولئك الذين يترددون في اتخاذ قرار التغيير حتى يضطرون إليه في وقت يكون قد أصبح متأخراً جداً و مكلفاً جداً.
ترى كم من قررات التغيير التي ينبغي علينا أن نتخدها فوراً؟ و كم من القررات التي تأخرنا عن اتخاذها حتى الآن؟ هل لازالت نظرتنا الثابتة للحياة صالحة لعالم اليوم؟ أم أنها تحولت إلى قطعة خردة قديمة دون أن نعلم؟ و هل ما يشهده العالم من ثورات و تحولات يستدعي أن نعيد النظر في ما لدينا من طرق تفكير؟
ترى كم مقدار التشابه بيننا و بين كوداك؟ أخشى أن تكون الإجابة مرعبة!
صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٣) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٥-٠٢-٢٠١٢)

الأربعاء، ٢٢ فبراير، ٢٠١٢

ن




لا يوجد حرف أكثر دفئاً وحناناً من حرف النون، باستدارته الناعمة و ذراعيه المفتوحتين و تجويفه الذي يستعد لاحتضان العالم.
شبهه علماء اللغة بالدواة التي تمد القلم بزاده من العلم و بذلك فسروا القسم الإلهي به، فكانت "ن والقلم". الدواة و الحاضنة و الزاد و الملجأ و الملتجى للقلم و المداد للعلم و الثقافة و الحياة و النور.
رغم أن التاء كانت أداة التأنيث الدائمة في اللغة إلا أن النون وحدها استفردت بالدلالة على النساء، فكانت هي نون النسوة،و كأن الأنثى بكل ذلك الفيض من الحنان لا تحتمل قسوة التاء المربوطة التي تعزلها عن فضاء الصفحة البيضاء و العالم. لابد للأنثى أن تحتضن العالم بحبها و تحتويه في قلبها و تمنحنه كوامن فيضها، وحدها (النون) هي من تجاريها بنقطتها الوحيدة المستديرة المستقرة في باطنها، تحتويها كما تحتوي الأم جنينها، تحتضنها كما تحتضن حبيباً غائباً بكل كيانها فتجعله مركزاً لكل ذلك الفيض من الحب و الثراء.
ألم يحن الوقت لكي تبحث عن نونك الخاصة بك، ابحث عنها في أول من احتضنك و أنت نقطة صغيرة في رحمها، اركض نحوها، احتضنها بشوق و ادفن رأسك في صدرها، عد لتكون النقطة التي تحتويها بكيانها، اعط نفسك ترف الاحتضان و الانغماس في فيض الحنان الباذخ، ضمها إليك بقدر كل ما تعاظم فيك من ألم وجوع و قهر و حرمان،بلل صدرها بدمع الطفل الصغير الكامن فيك، ذلك الطفل الذي تاه منذ قرن و تحاول العثور عليه الآن في أحضانها.
انكفئ في حضن أمك، في نورها و نعيمها، لا تفعل ذلك لأنه واجب عليك، ولا لأنك تطلب رضاها، و لا لكي تنال التوفيق في يومك، افعله لأنك تحتاجه بشده، لأنك محظوظ جداً و سعيد جداً إن استطعت أن تناله. هناك، في قلب تجويف النون العظيمة، طاقة هائلة من الحب لو وزعت على الكون لجعلت الحيتان ترقص في البحر و النجوم تغني في السماء،و الصحارى تغتسل بنشوة المطر. طاقة من الحب تجعل الربيع سيد الفصول و الغزلان ملكات الغاب و البلابل وزراء القصر و ندماء الملكات. لكن كل ذلك الإكسير مخزون مخبؤ لك، مشفر على شفرة خلاياك و مسامات بشرتك و تجاعيد وجهك. كل ما تحتاجه هو أن تغمر نفسك فيه فتعود صبياً يافعاً ممتلئاً بالأمنيات.
لست بحاجة لتتسول الحب بعد اليوم من أحد، ولا أن تبحث عن القبول و الانسجام ممن قد ينمحه و يمنعه، دونك النبع كله و النهر ذاته، ما شق الأرض إلا لك و ما جرى إلا ليغمرك فلا تكن أعظم المحرومين بالإعراض عنه. أدركه الآن و انغمس فيه حتى الغرق، فأنت لا تدري متى يأتي اليوم الذي تطلبه فيه و لا تجده، فهو ككل الأشياء الجميلة لابد راحل!
ابحث عن باقي جملة النعيم من حولك، لا تنسى نونك الأخرى رفيقة دربك حبيبتك/زوجتك، لا تفرط في الإعراب كثيراً و لا تدقق في أحكام الصرف. اصنع جملتك الخاصة و قواعدك الخاصه ابتدئ منها و انتهي إليها انزلق على حواف النون لكن احرص دائماً أن تكون في داخلها، لا تقف على طرف الصفحة بعيداً و لا تفقد دهشتك من جمالها يوماً و ثق أنك كلما اقتربت أكثر كلما نلت من الدهشة و النشوة مالم تكن تحسب أنك نائله.
تلفت حولك، تأمل كل نون أحاطك الله بها، تأمل صغيراتك اللواتي يلعبن من حولك، تأمل بسماتهن و لمساتهن و صخبهن البديع، أطلق قيثارة قلبك لتدخل معهن في معزوفة الحب، أغمض عينيك قليلاً و اصغ لهن بروحك، دع فيض برائتهن يلامس شغاف وجدانك و يهز كيانك في رعشة نورانية لم تتذوقها من قبل، اقطع كل صلاتك بحروف الهجاء النابية و حركات الضبط الفجة، اكتب كل جملك مبتدئاً بحرف النون في أولها و وسطها و آخرها، تخيله مركبة نورانية تحملك لتطوف في نعيم الدنيا قبل أن تقلع بك محلقة نحو الجنة.
كم هم سعداء أولئك الذين أدركوا سر النون، الذين غاصوا في أعماق نعيمها و برد ريها. لازال هناك متسع من الوقت لتلحق بهم..فقط افتح عينيك جيداً و أعد قراءة سطور حياتك دقق في جملها و حروفها، أفعالها و ضمائرها، و ستندهش كم من نون عظيمة في حياتك لم تلق لها بالاً من قبل.بادر الآن يا صديقي..لا تخجل من تعلم حروف الهجاء مجدداً.


الثلاثاء، ١٤ فبراير، ٢٠١٢

المملكة من الداخل: الحكواتي الأشقر يكذب أيضاً!

الكتاب: المملكة من الداخل
المؤلف: روبرت ليسي
المترجم: خالد العوض
الناشر: المسبار


كان تركي الدخيل (ناشر النسخة العربية من الكتاب) واضحاً وصريحاً عندما قال في تقديمه للترجمة بأنه تدخل في بعض الأحيان لتهذيب و تشذيب بعض التعابير و المواقف بما يناسب (موروثنا الثقافي و تعبيرنا الأدبي) على حد قوله و أنه قد حصل على (موافقة المؤلف) على ذلك التشذيب!. و كانت تلك أيضاً أولى علامات الاستفهام الكثيرة التي رافقتني خلال قراءتي للكتاب، فبغض النظر عن الموقف الملتبس لدار نشر يملكها شخص مقرب من العائلة المالكة و التساؤل البديهي الذي يتبادر إلى الذهن عن مدى السماحة التي يمكن أن تبديها الترجمة في نشر كتاب لابد أن يحتوي حقائق و قصصاً محرجة إذا ذكرت بصياغتها و نصها الأصلي الحقيقي بعيداًعن القص و التهذيب، بغض النظر عن ذلك تبادر إلى ذهني تساؤل عن مدى مهنية المؤلف عندما يقبل أن يتم (تهذيب و تشذيب) مقاطع أو جمل من كتابه المنشور عند ترجمتها إلى لغة أخرى، و هل يتفق ذلك مع المهنية الصحفية و قواعد النشر المحكمة التي يتعامل بها روبرت ليسي كمؤلف غربي في بلاده؟ ترى ماهي المقاطع التي تم تشذيبها؟ و هل كُتبت هذه الجملة أو تلك بذات النص أم أنها اجتهاد من المترجم و الناشر؟ أين هي بالتحديد المقاطع التي شُذبت؟ و لماذا شذبت؟ هل لأسباب سياسية؟ أم لأسباب ترجع للموروث الثقافي و التعبير الأدبي فعلاً كما يقول الناشر؟ تلك التساؤلات المتوجسة هي ما صاحبني عند بداية القراءة، لكن و الحق يقال اكتشفت أنني مخطئ جداً في توجسي، و أن الكتاب جملة واحدة لا يمكن أن يكون مثيراً للجدل أو للتوجس من قبل شخصيات أبطاله، بل و يالدهشتي أبدى الكتاب و مؤلفه انسجاماً تاماً مع الرؤية الرسمية بشكل مثير للدهشة، وبدا واضحاً في آخر الكتاب أن أفضل دار نشر يمكن أن تقدم الترجمة العربية للكتاب هي دار نشر حكومية أو مرتبطة بالحكومة بشكل أو بآخر.
يقدم روبرت ليسي مؤلف الكتاب رؤيته للملكة العربية السعودية خلال أربع سنوات قضاها في البلاد أملاً في التعرف على التطورات و التغيرات التي حدثت في نسيجها الداخلي بعد مرور أكثر من عقدين على تاريخ نشره لكتابه الأول المثير للجدل (المملكة). و يبرر ليسي عودته مرة أخرى للسعودية برغبته في معرفة البيئة التي قادت السعودية لتحتل منصة الترقب و التعقب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و تورط خمسة عشر سعودياً انتحارياً في تلك الأحداث من أصل تسعة عشر.
لا يبدو ليسي - ظاهريا على الأقل- ككاتب غربي عندما يكتب عن المملكة، بل هو أقرب لكاتب شرقي يخاطب الغربيين ليعرفهم بمنطقته، فهو يبدي معرفة نابضة و عميقة بنسيج المجتمع السعودي و عاداته، يتحدث عن الجهاد و الصلاة و شهر رمضان و إكرام الضيف و عادات القبائل بتفهم و تسامح حقيقي، يشرحها في جمل سلسة مبسطة للقارئ الغربي بعيداً عن التهويل الذي تمارسه الآلة الإعلامية الغربية بجهل ممزوج بسوء نية، لكنه في ذات الوقت بعيد أيضاً عن التعقيد و الاسترسال الأكاديمي الذي تقدمه كتب أخرى جادة تطرقت للسعودية وتاريخها المعاصر.
يقسم روبرت ليسي كتابه إلى فصول أقرب ما تكون إلى فصول رواية حديثة، و يمنحها أسلوبه الجذاب و المسترسل نفساً درامياً لا يخلو من إثارة تجعلها في بعض الفصول أقرب إلى رواية تشويقية مثيرة مكتملة الأركان. فهو يتنقل في الحكي بين قصص منتقاه من التاريخ السعودي بدءاً بجهيمان و أحداث الحرم و مظاهرات الشيعة و حرب الخليج و مسيرة النساء لقيادة السيارات في ذات الفترة، ثم أحداث سبتمبر و بن لادن و الجهاد الأفغاني و حتى تولي الملك عبدالله و مسيرته التطويرية  داخل المجتمع السعودي. مروراً بفصول متعددة عن العلاقات السعودية الأمريكية قبل و بعد أحداث سبتمبر.
لكن و خلال ذلك النسيج المحكم و الممتع من الأحداث يستدرجك ليسي إلى منطقة خاصة جداً من الحكي، إلى مملكة غير المملكة التي تعرفها، بلاد هي بين بين، ليست متخيلة تماماً ولا حقيقية تماماً. ينصب لك المؤلف بذكاء مصيدة من الحكي أشبه ما تكون بممرات في غابة كثيفة الأوراق تحجب عنك الرؤية الكاملة فلاترى إلا طريقاً وحيداً ممهداً أمامك يستدرجك لتسير فيه كأنه الطريق الصحيح و لا مخرج سواه. ذلك بالضبط ما مارسه روبرت ليسي تجاه القارئ الذي يحسن الظن به كـ (خبير) بالمجتمع السعودي.
فرغم كل الخبرة التي يملكها ليسي تجاه السعودية و السعوديين فإن رؤيته كانت لا تختلف عن رؤية أي غربي آخر في صلبها القيمي. فالسعودية عبارة عن حكومة تحالفت تاريخياً مع المتديينين المتطرفين و هي تحاول الآن جاهدة التخلص من قبضتهم.
الأشرار على طول الخط هم المتدينون المتطرفون و الضحايا هم أفراد المجتمع و خصوصاً النساء، النساء الذين أفرد لهن أكثر من فصل ( وكل قصص الفصول حقيقية و ذات قيمة توثيقية عالية). و الحكومة التي تناضل بخجل و لكن بدأب أيضاً للتخلص من قبضة المتدينين الذين احتكروا السلطة و القرار منذ نشأة البلاد بالتحالف التاريخي بين ابن سعود و محمد بن عبد الوهاب.
فكل علل و أمراض السعودية مردها بشكل مباشر أو غير مباشر لتمكن الوهابيين من مفاصل البلاد
فالبطالة سببها سوء التعليم الذي يسيطر عليه الوهابيون و يحشونه بساعات طويلة من التعليم الديني الغير مفيد، و التطرف سببه الكبت الجنسي الناتج من الفصل المتعسف بين الجنسين، و اضطهاد النساء سببه النظرة الوهابية المتطرف للمرأة. و تخلف القضاء سببه منهج التشدد الديني كذلك. و تخلف الإعلام سببه حساسية المتديين لأي نقد حتى لو كان موارباً.
جميل، لكن ماذا عن الفساد؟ ماذا عن الحريات السياسية؟ ماذا عن المحاسبة و الشفافية؟ و كل تلك الأشياء التي لا علاقة مباشرة لها بالدين؟
يشير روبرت ليسي إلى الفساد إشارات غامضة و متباعدة و لا يراة عامل أساسي في صلب المشكلة و حادثة الفساد الوحيدة التي أشار لها صراحة حسب ما أتذكر هي حادثة صفقة اليمامة و التي شبعت بحثاً في وسائل الإعلام الغربية، و حتى هذه الحادثة وجد ليسي لها تبريراً على لسان الأمير بندر بن سلطان.
الإصلاح و الحريات هما مشروعان تحديثيان تأخذهما الحكومة على محمل الجد لكن ما يعيقها عن التقدم فيهما (دائماً و منذ أكثر من خمسين عاماً) هو التطرف .
الملك عبدالله رجل إصلاحي يقاوم الفساد و مستشاره التويجري الأب رجل عملي ديناميكي مثقف و الإبن كذلك لا يذكره ليسي إلا بالخير.
الإعتقالات و كبت الحريات لا تذكر إلا بطريقة مواربة جداً و مغمورة في الكثير من التفاصيل الصغيرة، فسجن الحائر يعتبر من فئة الخمسة نجوم إذا ما قورن بمعتقل جوانتانمو و برنامج المناصحة السعودي برنامج فعال ينسجم مع قيم المجتمع و أثبت جدواه بقضائه على دوافع التطرف الأساسية المتمثلة في البطالة و الكبت الجنسي.
وسط كل ذلك السيل الهادر من القصص و الحكايا الممتعة أو الأغصان المتشابكة يتجاهل روبرت ليسي عامداً قصة أكثر إثارة و تجذراً في المجتمع، و لايمكن أن يكون تجاهله من باب الصدفة، و هي قصة المطالبة بالإصلاح السلمي في السعودية، فالإصلاحيون السلميون لا مكان لهم على خارطة فصول ليسي المثيرة للجدل ، فباستثناء إشارات عابرة هنا و هناك في خضم الأحداث لا يكاد ليسي يعترف بوجودهم، ولا يراهم ضمن نسيج المجتمع الذي يعرف خباياه جيداً. هل يعقل أن يتحدث ليسي عن الشيعه و السنه و الإرهاب و الإصلاح السياسي و البيانات ثم يتجاهل كل شخصيات الإصلاح السلمي من شهاداته و شهوده الكثر؟ هل يعقل أن لا تتم الإشارة و لو بالإسم لشخصيات قضت سنوات من عمرها بين السجون و الإقامة الجبرية مثل د. عبدالله الحامد و د. متروك الفالح؟ و سعود الهاشمي؟ و سلمان الرشودي؟ و عبدالرحمن الشميري؟ و غيرهم من قائمة الإصلاحيين الطويلة؟
هل غيب روبرلت ليسي ذلك الفصل المثير من القصة لأنه لا يتفق مع الصورة التي يريد إظهارها للملكة من الداخل؟ أم لأن التوغل في هذا الجانب من الأدغال مكلف و له ثمنه الذي قد يضطره لخسارة الكثير من (أصدقائه السعوديين) الذين يعتز بصداقتهم على حد قوله.
هل كان من الصعب على روبرت ليسي الحصول على قصص موثقة عن التعذيب في السجون مقارنه بالقصص عن سجن الخمسة نجوم؟ هل كان من الصعب علية التحدث إلى أحد من ذوي معتقلي إستراحة جدة ليروي عن قرب الوجه الآخر للقصة؟
أم أن هذا الجزء سيبدو فاقعاً و نشازاً لذا فضل المخرج حذفه من السيناريو كي تظهر الحكاية رومانسية و شرقية بامتياز؟
على الرغم من كثرة الشهادات التوثيقية التي أوردها ليسي منثورة في ثنايا كتابه فقد شابها الكثير من الانتقائية و الانحياز تماماً كما هو نمط الكتاب. فالعاملان المشتركان بين معظم تلك الشخصيات هو أنها ليبرالية أو معتدلة الرؤية حسب وجهة النظر الغربية أو أنها (كانت) متطرفة ثم اعتدلت فيما بعد. و العامل الآخر هو أنها بشكل أو بآخر تقع تحت مظلة المرضي عنهم من قبل الحكومة السعودية.
و ربما تكون شهادة فؤاد الفرحان و شهادة محمد سعيد طيب الإستثناءان المؤكدان لتلك القاعدة، و قد تعامل معهما المؤلف بذكاء كي تخرجا منزوعتا الدسم إلى حد كبير.

ربما يكون الفصل قبل الأخير خير تلخيص لرؤية المولف للحكاية السعودية فهو يصف الحكاية التي تصدرت الفصل بأنها "تمثل الطريق الأفضل لفهم التقاليد و التطورات التي صنعت السعودية اليوم"
و يضيف في سطور لاحقة أكثر صراحة "هل حكم الفرد هو الحل لهذا اللغز؟ هل نعتقد أن الاستبداد الخير يستطيع أو ينبغي عليه أن يوفر للسعودية الطريق البعيد المدى نحو المستقبل؟"

أما القصة التي نسج حولها روبرت ليسي استنتاجه المثير و الصريح فهي قصة (فتاة القطيف)، تلك القصة بكل تشابكاتها يراها روبرت ليسي الطريق الأفضل للتعبير عن السعودية و يلتقط منها خيط تدخل الملك و أمير المنطقة (لتصحيح مسار الآلية القديمة التي يتبعها جهاز الشرطة و القانون من أجل تأمين ما نعتبره في الغرب العدالة)
و يضيف كذلك(رأينا هذه السلطة أيضاً و هي تتدخل لتحمي منصور النقيدان ذلك السلفي المتأمل، و تحمي محمد الحربي مدرس الكمياء التقدمي من بريدة)
لا أدري لماذا لا يرى ليسي تلك السلطة عندما وضعت أستاذاً في كلية الطب خلف القضبان لأنه تأمل أيضاً و لكن بطريقة مختلفة؟ هل نوع التأمل هو ما يمثل الحالة السعودية في نظر المؤلف؟ وهل يعقل أن يخرج علينا مولف غربي يتمتع بأزهى أنواع الحرية و الديموقراطية في بلادة ليخبرنا أن (الاستبداد الخيّر) هو أفضل ما يمكن أن يحكمنا ثم يركب طائرته و يرحل شاكراً ربه أن ذلك (الاستبداد الخيّر) لن يحكمه هو؟. هل يتفهمنا روبرت ليسي حقاً أم أنه يسخر منا؟
هل هو منحاز بالفعل نحونا كمجتمع و كشركاء في الإنسانية أم أنه كأي مستعمر آخر منحاز (لأصدقائه السعوديين) الذين يحمون مصالح بلاده و يغدقون عليها النفط و العقود؟
للأسف صدمني الكتاب صدمة كبرى، و لم أجد فيه سوى محاولة خبيثة لتكريس تخلفنا و تصويره كشيء إيجابي و لا بأس به أمام الآخرين ما دمنا دولة مختلفة مليئة بالأشياء المقعدة و....و المثيرة