03 ديسمبر, 2009

أمطار جدة...و المواطن الطيب!


المصاب في كارثة جدة أليم جداً و أكبر كثيراً من أن تحتويه كلمات و حروف مهما تعملقت، و وقع الغضب أقوى و أعمق من أي ردة فعل يمكن أن تصدر الآن، ما حدث في جدة ملحمة عظيمة من الذل و المهانة و الانحطاط البشري، كوكتيل قميء من كل الخصال النفسية المقززة تم تغليفها و تأطيرها في غلاف براق و أُُجبرنا جميعاً على ابتلاعها و التأمل في قبحها مقنعين أنفسنا بأنها جميلة و لذيذة حتى استسغناها جميعاً، كانت القطرات تتقاطر من السد العفن قبل أن ينهار على رؤسنا جميعاً و في كل مرة نغض أبصارنا عنه و نصرف النظر متدثرين بعجزنا و استكانتنا و شيئ كثير من أنانيتنا.


حكاية المواطن الطيب

تسمع خبر موت الفتاة الصغيرة فاطمة في فتحة الصرف الصحي فتلوي شفتيك و تتمتم "حسبي الله عليهم...مجرمين" ثم تنصرف لتشتري عشاء ساخناً لأطفالك و تأكله في نهم. تسمع عن المشاريع التي سرقت و الأخرى التي توقفت، و فلان الذي أثري من وظيفته فأصبح مليونيراً بعد فاقة تقلب شفتيك مجدداً و تقول " فين يروح من الله" ثم تصادفه في مناسبة عامة فتبادله القبلات و وجهك يشع سعادة أن قابلته. لا تتورع عن شتم أي مسؤل كبير أو صغير ، تردد سيئاته و جرائمه واحدة واحدة ثم تصمت بمجرد أن تشك أن في المجلس "دبوس" يمكن أن يشكك بتقرير. مجرد شك...منك أو منه!

تشتكي من شح المياه و انقطاعها و طفح المجاري و رائحتها ثم تبتسم في نشوة و الصور تلتقط لك في الجريدة مع جموع المواطنين و أنتم تهنئون المسؤل الكبير بمناسبة الزيارة التاريخية، بل و تحتفظ بالجريدة كوثيقة مهمة ليراها أحفادك الصغار عندما يكبرون. ما أجمل أن يروا جدهم بمشلحة الأسود و غترته البيضاء المكوية بعناية و هو يبتسم بجوار المسؤل الكبير في الحفل المهيب!

تشتري ارضاً بلاخدمات في آخر الدنيا و يتستبد بك البنك فينهب راتبك حتى الموت و تدور في حلقة مفرغة لا تجد بضعة أحجار ترصها فوق بعض في أرضك النائية ثم تغني بفخر مع محمد عبدة "ارفع راسك...انت سعودي".

مطر..مطر..مطر

تنهمر الامطار و تجري السيول و يتكشف الغلاف المزيف عن القبح و العفن و الفساد. يجرف المنازل و السيارات و يقتل الأطفال و النساء و الرجال. تضج السماء بأرواح القتلى الصاعدة بلا عدد و المتزاحمة على أبوابها، تجلس أنت تمصمص شفتيك و تقول "لا حول ولا قوة إلا بالله" في بلادة شديدة لا يرضاها الله أبداً. تميل على جنبك و تفتح التلفاز على قناة محلية تتابع الكلام السخيف عن أن الكارثة من قدر الله و أنها تحدث في أي مكان في العالم..ثم يتمادى المتحدث فيقول " إن الموتى هم المخطئون" و كان عليهم أن لا يسكنو هنا، وكان الأحرى به أن يقول كان الأحرى بهم أن لايموتوا بيننا بهذه الطريقة المخجلة التي أحرجتنا. ألا يعرف هذا المواطن التعيس أن يموت في صمت كما كان يعيش في صمت؟ ينبغي تأديب هذا المواطن الذي يموت بهذة الطريقة الغير وطنية بالمرة والتي أحرجت الوطن أيما إحراج.

و أنت تهز رأسك في سلبية و لا تجرؤ على التعقيب، تمد يدك إلى الصحيفة المجاورة لمجلسك فتجد رئس التحرير و كتاب الأعمدة يمارسون نفس التخدير بنفس العبارات "التعقل ضروري"،"المشكلة قديمة و متراكمة"، "السيول فاجأتنا"،" وعي المواطن"...إلخ إلخ إلخ. لا يبدو عليك الاقتناع لكنك لا تفعل شيئاً, أقصى ما تفعلة أن تقلب الصفحة و تبحث عن موعد مبارة برشلونة و ريال مدريد، و تتمتم بأن المواطن مسكين دون أن تعرف بالضبط من هو المواطن هذا؟ و ما هو الوطن أساساً.

بعدها ببضعة أيام...

يصدر قرار مجلس الوزراء عن ضرورة المحاسبة و أن الغرقى أمانة في عنق الدولة...إلخ إلخ إلخ. تبتهج و تنفخ رئتيك و تقول" بالفعل هذا هو الصواب". تفتح التلفاز فتجد ضيوفاً متصلبين يتحدثون بصوت واحد عن الفساد المنتشر و عن هدر المال العام و عن سرقة بيت المال..إلخ إلخ.

تمد يدك إلى العدد الجديد من ذات الصحيفة فتجد رئيس التحرير نفسة و كتاب الأعمدة أنفسهم يتحدثون عن الأرواح البريئة و محاسبة المقصرين و فضح الفاسدين إلخ إلخ إلخ.

تلقي الصحيفة جانباً بعد ان تتأكد أن برشلونة فاز على ريال مدريد كما كنت تتمنى، تحك رأسك قليلاً في حيرة، تشعر بشيء يتلاطم في داخل رأسك وخلايا مخك تحاول يائسة أن تحشر المعلومات الجديدة مكان القديمة دون أن يحدث تعارض لكن الخلايا لا تتحمل هذا الضغط فتتلف..تشعر بصداع بسيط ثم بشيء من الارتياح العميق..لقد حلت المسألة و قبض الغرقى ثمن موتهم

تتمدد على فراشك في سعادة و تتغطى ببطانية سميكة اتقاءً للبرد والرياح كما حذرت مصلحة الأرصاد...بعد الكارثة بالطبع.

لكن خلية متمردة من خلايا مخك تظل ترسل سؤالاً ملحاً...

من الذي قتل الغرقى؟

و يسبح الجواب مبهما في ثنايا مخك التالف دون أن تستوعبه

لقد قتلهم السيل مرة..

و قتلتهم أنت مرتين.

أحلاماً سعيدة...أيها المواطن الطيب

23 أكتوبر, 2009

مجرد سؤال(5):لماذا تصمت الصحف السعودية عن تجاوزاتSTC ؟

تشتهر الأفلام المصرية القديمة بشخصيات نمطية تكاد تتكرر في كل فيلم بنفس الممثل و نفس الملابس و أحياناً بنفس الاسم الفني حتى لو اختلف الفلم أو اختلفت القصة. و من أشهر تلك الشخصيات و أكثرها تعقيداً هي شخصية (فتوة الحارة) الذي يفرض شخصيته على أبناء الحارة و تجارها بقوته البدنية و يتخذها وسيلة للتكسب عبر فرض الأتاوات على كل سكان الحارة و أصحاب الدكاكين و حتى الزوار، لكن الفتوة لا يعدم أن يسبغ على وسيلة التكسب تلك طابعاً إنسانياً يكسبه بعض الاحترام الزائف لنفسه أمام الآخرين فيدعي أنه يقوم بحماية أبناء الحارة من الأعداء و تقويم سلوكهم إذا رأى شذوذاً من أحدهم حتى يستقيم شأن الحارة و تنصلح أحوالها، لكنه لن يعترف أبداً أنه على استعداد للتحالف مع أي أحد من أهل الحارة أو خارجها ممن يدفعون بسخاء للبطش بعدوه أو لإزاحة منافسه على قلب حسناء الحارة من الطريق أو حتى لمجرد إرضاء الباشا الكبير الذي دفع المبلغ المحترم، و سيجد جناب الفتوة ألف عذر و عذر لتبرير ما فعل على أساس أنه يعلم ما لا يعلمه أهل الحارة عن فعائل ضحيته الذي استحق التاديب و العقاب و بالطبع لن يجرؤ أحد على التشكيك في رأي الفتوة أو حتى مجرد إظهار دهشته حتى لا يصبح الضحية التالية لجنابه.
ما تفعله الصحف السعودية و محرروها و رؤساء تحريرها معنا نحن المستضعفين يشابه بالضبط ما يفعله الفتوة مع أبناء حارته، فالصحافة التي تملك الجرأة و القوة لتشن حملة شعواء على عضو هيئة كبار العلماء لمجرد رأي خجول لم يعجبها-أو لم يعجب أحد الباشوات- في سلسلة من المقالات الساخنة و التقارير و المقابلات حتى مهدت لإقالة الضحية بسرعة غير معتاده. تلك الحملة تم تبريرها بأنها لمصلحة المجتمع و لصالح التقدم و درءً للرجعية و التخلف و تمهيداً للطريق لرفاهية المواطن و الكثير من الكلام الجميل الذي يستطيع قوله أي فتوة يرفع الساطور و صوته أيهما أعلى!
نفس الصحافة السعودية التي تملك العين النافذة و الجرأة الكبيرة على نقد المسؤلين التنفيذين و الأجهزة الخدمية بقوة السوط /الصوت الحاد، فلا تتورع عن نشر تقارير مطولة عن رداءة الشوارع و طفح المجاري و انقطاع المياة، بل و تطارد القبح و نقص الخدمات إلى أطراف المدن البعيدة و حتى القرى التي لم يسمع بها أحد...جميل جداً هذا الحماس لرفاهية المواطن و البحث عن راحته و فضح القصور في الخدمات
لكن تلك الصحافة السعودية النزيهة نفسها التي سلطت كل أنواع نقدها الحاد و البارد، الطويل و القصير المدى على رداءة خدمات أساسية و ثانوية تصاب فجأة بالشلل و الصمم و الخرس و كل أنواع العاهات الأخرى عندما يتعلق الأمر بشركة الاتصالات السعودية، فعلى الرغم من انحطاط مستوى خدمة الهاتف و الجوال و الانترنت و على الرغم من المشاكل الكثيرة العالقة بين الشركة و عملائها و رغم ارتفاع أسعارها مقارنة بالخدمة البطيئة و القاصرة و تردي خدمة العملاء و إهمال المتصلين بل و الأدهى و الأمر الانهيار الأخير الذي حصل في نظام الفوترة في الشركة و الفوضى الخلاقة التي أختلقت فواتير بمبالغ خيالية على حسابات المواطنين و رفض الشركة الاعتراف بالخلل أو الاعتذار عنه أو حتى تصحيح ما حدث. رغم كل ذلك لا تكاد تقرا سطراً واحداً في صحيفة سعودية ينتقد من قريب أو بعيد ما يجري في شركة الاتصالات السعودية ولا يأتي أحد على ذكر لرفاهية المواطن و البحث عن راحته و فضح قصور الخدمات، و كأن الذي حدث و يحدث كل يوم مع ملايين المشتركين من مشاكل يجري في القطب المتجمد الجنوبي وليس في مكة وجدة و الرياض وكل مدن المملكة التي تصدر منها تلك الصحف الموقرة. بل و يأتي الانتقاد في صحيفة الفاينانشال تايمز الغربية لتتحدث عن سخط السعوديين على شركتهم السعودية (تأمل)!

و يأتي السؤال: لماذا تتفرعن الصحيفة على بعض المؤسسات و الوزارات و الشركات و تطلق محرريها في حملات ضارية عليها فلا تكاد تبقي لها على شئ من ماء الوجه، ثم تصمت صمت القبور على شركات تفعل الأفاعيل بالناس و بالبلد؟
ببساطة لأن الفئة الأولى لا تعلن في الجريدة ولا تدفع لها أي أموال ولا تقدم لها أي دخل يذكر، في حين أن الفئة الثانية تشتري صمت الصحافة بالإعلانات الملونة المبالغ في سعرها بمناسبة و بدون مناسبة حتى تفرض شروطها و قراراتها على الصحيفة، و تمنعها من ذكر أي شيء سلبي عن نشاطاتها بل و ربما استخدمتها لإزاحة من يقف في وجه مصلحتها، تماماً كما يفرض الباشا الكبير أوامره على الفتوة ليغض الطرف عما يفعلة في الحارة أو ليفتعل شجاراً في زاوية بعيدة يشغل الناس عما يحاك لهم في زاوية أخرى.
فاصلة...
الدعوات المنتشرة لمقاطعة شركة الاتصالات السعودية يجب أن يصحبها بل و يسبقها الدعوة لمقاطعة الصحف السعودية التي تنشر إعلانات الشركة و تشاركها في التضليل و الترويج للإساءة.

02 سبتمبر, 2009

حب و لكن! (قصص قصيرة جداً)


(1) :ولاء
أخبرها أنها حب حياته ..
أنها أعظم حادثة كونية غيرت مصيره، و أنه لا يتخيل أن يعيش بدونها يوماً.
....
خفق قلبها في نشوة، أنهت المكالمة و هي تحتضن الهاتف في حنان و تحلم بأيامها القادمة معه..في حين كان هو يبادر بمسح المكالمة من ذاكرة هاتفه الجوال و يعود ليركز على قيادة سيارته المسرعة!

(2) :كولا
قال لنفسه..
فكر بها كـ(نبتة)..
لا تفكر بها كزجاجة كولا!
النبتة تتجدد كلما قطفت منها ثمرة ( حتى لو قطفها آخر غليظ لا تحبه)
زجاجة الكولا تصبح كريهة جداً بعد أن يأخذ ذلك الغليظ أول رشفة منها !

(3) :حب ولكن
قام بلصق صورة قلب كبير ينبض على نافذة الحوار في شاشته. كتب تحتها بحروف ملونة أحبك و أرسلها عبر "الماسنجر".
كتبت له بعد دقيقة...
" أموت فيك"
ثم قامت بتظليل صورة القلب و الكلمة ذات الحروف الملونة. نسختها و ألصقتها في نافذة جديدة...
و أرسلتها إلى صديقها التالي!.

02 أغسطس, 2009

(ابنة راعي الغنم): قصة قصيرة


بقلم : وليام سارويان
(1908-1981)


ترجمة: د. فراس عالم


تعتقد جدتي باركها الله أنه لابد أن يكون لكل رجل حرفة ، و كانت تنصحني قبل لحظات و نحن على الطاولة أن أتعلم صناعة شيء مفيد، من الصلصال ، من الخشب، من المعادن، أو حتى من النسيج.
"هل هناك أي شيء تستطيع عمله؟" سألتني
"هل تستطيع صنع طاولة بسيطة، كرسي، طبق، سجادة، إناء قهوة؟ أي شيء تستطيع أن تصنعه؟" وحدقت في بغضب ثم تابعت
"أعرف أنه يفترض أن تكون كاتباً، و أعتقد أنك كذلك بالفعل فأنت تدخن كمية من السجائر تملأ المنزل بكامله بالدخان و تجعلك خليقاً بأن تكون أي شيء. لكن لا بد لك أن تتعلم حرفة حقيقة ، لا بد أن تتعلم صناعة أشياء حقيقة، أشياء يمكن أن تستخدم، يمكن أن تُرى و تُحس."
صمتت قليلاً ثم شرعت تحكي
" كان لدى ملك الفرس ولد، و قد وقع هذا الولد في حب ابنة راعي غنم، دخل الولد على أبيه و قال له يا أبي أنا أحب ابنة راعي غنم و أريدها زوجة لي. فقال له الملك، أنا ملك و أنت ابني و عندما أموت ستصبح أنت الملك من بعدي كيف تتزوج ابنة راعي غنم؟ رد الولد قائلاً، لا أعرف ، كل ما أعرفه أنني أحب هذه الفتاة و أريدها أن تكون ملكتي.
وقع في خلد الملك أن حب ابنه لهذه الفتاة أمر مقدر من الله فقرر أن يرسل لها رسالة، نادى على رسوله و قال له، اذهب إلى ابنة الراعي و قل لها إن ابن الملك يحبك و يريد الزواج بك، ذهب الرسول إلى الفتاة و بلغها الرسالة فقالت له الفتاة و بأي حرفة يعمل ابن الملك؟ أجابها الرسول ولماذا يعمل؟ إنه ابن الملك. قالت له الفتاة لابد أن يتعلم حرفة .
عاد الرسول إلى الملك و أخبره بما قالته الفتاة ، استدعى الملك ابنه و قال له : ابنه الراعي تريدك أن تتعلم حرفة ، هل لازلت تريدها زوجة لك؟ أجابه الابن بالإيجاب و قرر أن يتعلم نسج سجاجيد من القش، تعلم الفتى كيف ينسج القش بأشكال و ألوان و تصاميم مزركشة ، و بعد ثلاثة أيام تمكن الفتى من صناعة سجاجيد جميلة من القش. حملها الرسول إلى ابنة الراعي و قال لها هذه السجاجيد من صنع ابن الملك، عادت الفتاة مع الرسول إلى القصر و أصبحت زوجة لابن الملك "
تابعت جدتي الحكاية
" ذات يوم كان ابن الملك يمشي في شوارع بغداد و أقبل على مطعم نظيف و جميل فدخله و جلس على طاولة . كان هذا المكان وكراً للصوص و القتلة ، فأخذوا ابن الملك و وضعوه في زنزانة كبيرة ، حيث العديد من الشخصيات الكبيرة في المدينة محتجزون معه فيها و كان اللصوص يقتلون أسمن الأسرى و يطعمونهم للأصغر حجماً كنوع من التسلية. كان ابن الملك من السجناء الأصغر حجماً، ولم يكن أحد يعرف انه ابن ملك الفرس مما حافظ على حياته . قال ابن الملك للصوص : أنا أنسج سجاجيد من القش ذات ثمن مرتفع . أحضر له اللصوص القش و طلبوا منه أن يصنع السجاجيد، و خلال ثلاثة أيام صنع لهم ثلاث سجادات و قال لهم : خذوها إلى ملك الفرس و سوف يعطيكم مئة قطعة ذهبية عن كل سجادة . حُملت السجاجيد إلى قصر الملك و عندما رآها الملك عرف أنها من صنع و لده المفقود فأخذها إلى ابنة الراعي و أخبرها بالأمر . أخذت الزوجة السجادات و شرعت تتأمل كل واحدة بتمعن في تصميمها و خطوطها و استطاعت أن تقرأ رسالة من زوجها نسجها بالفارسية وسط خطوط الزينة المنقوشة على السجاد وقامت على الفور بتبليغ الملك."
أمر الملك بإرسال عدد كبير من الجنود إلى مقر اللصوص و القتلة ، و تمكن الجنود من قتلهم جميعاً و إنقاذ السجناء، عاد ابن الملك سالماً إلى والدة و زوجته – ابنة راعي الغنم- وعدما دخل الابن إلى القصر ورأى زوجته أنطرح أمامها و احتضن قدميها و قال لها: حبيبتي أنا مدين لك بحياتي. و سر الملك كثيراً بنجابة بنت الراعي.
"والآن" خاطبتني جدتي
" هل عرفت لم ينبغي لكل رجل أن يتعلم حرفة يدوية؟"
"أرى ذلك بوضوح" أجبتها و أضفت
" بمجرد أن أملك القدر الكافي من المال سأشتري مطرقة و منشاراً و قطعة من الخشب وسأجتهد ما استطعت لأصنع كرسياً بسيطاً أو رفاً للكتب".

13 يونيو, 2009

مجرد سؤال(4): عن الحذاء الحلال و الحذاء الحرام!

نشرت صحيفة عكاظ في نسختها الورقية بتاريخ 20-6-1430 الموافق 13-6-2009 إعلاناً لإحدى الشركات الوطنية المتخصصة في صناعة الجلود و منتجاتها من أحذية و حقائب و ملحقاتها.
الإعلان الملون جاء في الصفحة الأولى و على مساحة ربع صفحة كاملة و حمل عبارة صارخة في قمته تقول(لا لا لا ..للخنزير) كررها الإعلان ثلاث مرات ثم أتبعها برسم كرتوني لخنزير و قد طبعت فوقه علامة المنع المرورية الحمراء ثم جملة بين قوسين تحت الرسم الكرتوني تقول ( أكدت دراسات علمية أن 70% من الأحذية المستوردة تحتوي على جلد خنزير) . و قد جاءت العبارة العلمية الخطيرة مرسلة دون إشارة أو سند إلى المجلة العلمية أو المؤسسة البحثية التي قامت بإجراء هذه الدراسة أو تاريخ إجرائها أو حتى اسم شخص حقيقي أو اعتباري يرجع إليه للتأكد من صحة الدراسة المزعومة.
و بالطبع بعد الإعلان التحذيري عن تلك النتائج الخطيرة يأتي التطمين بعبارة كبيرة مسبوقة بعلامة صح بيضاء ثقيلة تقول نعم للجلد الحلال ثم صورة كبيرة لحذاء أبيض أنيق يحتل نصف مساحة الإعلان أعزكم الله.
و السؤال هنا موجة إلى معالي وزير التجارة: هل ماذكره الإعلان التجاري صحيح؟ و هل فعلاً أن 70% من الأحذية التي نرتديها ليل نهار مصنوعة من جلود الخنازير؟ إذا كان الأمر صحيحاً فأين دور الوزارة الموقرة؟
و أما لو كان الإعلان مجرد تدليس و متاجرة بمشاعر الناس و تدينهم فمن المسؤل عن محاسبة الشركة على مثل هذا التزوير؟ و هل أصبح الدين مطية رخيصة إلى هذا الحد حتى عند تجار الأحذية؟
و إذا كانت الشركة الموقرة تغار فعلا على الدين و تحب أن تجنب الناس إثم النجاسة فلماذا اتأخرت كل هذه السنين وهي تمارس تجارة الجلود منذ أكثر من عقد من الزمان على أقل تقدير؟
أم أن رعب أنفلونزا الخنازير الذي يجتاح العالم أنعش ذاكرة مسوقي الأحذية و جعلهم يتذكرون فجأة أن أحذيتهم حلال 100%و نقية من الخنازير. مما يجعلها مرغوبة من الجميع بغض النظر عن جودتها و سعرها؟
لقد تغير الزمان بالفعل و أصبح التاجر يجرؤ على ما لم يكن يجرؤ على فعله من قبل!

23 مايو, 2009

الكادر الصحي الجديد: لعبة السلم والثعبان


أخيراً تحدث الدكتورعبدالله الربيعة عن الكادر الجديد، وهو الملف الأكثر سخونة والذي تحاشى الحديث عنه أو الإشارة إليه سلباً أو إيجاباً لمدة تزيد عن مئة يوم هي فترة ولايته لوزارة الصحة. اختيار الوزير لحفل تخرج أطباء الهيئة السعودية و في حضور الملك لإعلان الموافقة على الكادر الجديد كانت خطوة ذكية و مدروسة من الناحية الإعلامية وأعطت كلام الوزير مصداقية عالية كانت تفتقدها تصريحات الوزير السابق. لكن إشارات ما بعد الحفل و المتابعات الصحفية للموضوع الساخن لم تكن مبشرة. فمعالي الوزير تهرب من أسئلة الصحفين بعد الحفل عن موعد الإعلان عن الكادر و أحالهم إلى وزير الخدمة المدنية الذي امتنع عن اتصريح بأي معلومة.


فيما بعد رشحت تسريبات صحفية تتحدث عن لجنة وزارية سوف تجتمع لوضع اللمسات النهائية على الكادر، و عاد الدكتور مرغلاني إلى الواجهة مرة أخرى ليصرح بأن التطبيق سيكون قريباً بعد أن تنتهي اللجنة الوزارية من مهامها( و هو الذي صرح قبل عام أن الكادر سيطبق خلال أيام).


غياب الشفافية هذا و الضبابية التي تحيط بموضوع حيوي و هام لقطاع حساس في المجتمع يذكرني بلعبة السلم و الثعبان العريقة، كي تفوز في تلك اللعبة عليك أن تصعد بطابتك على مربعات لوحة اللعب المئة من القاع إلى القمة حسب الرقم الذي تحصل علية من رمي الزهر في كل مرة. و إذا كنت محظوظاً فإنك ستقع على مربع تحتوي بداية سلم يسمح لك بالتسلق رأسياً إلى الأعلى مختصراً عدة أدوار، أما إذا كنت سيء الحظ فإنك ستقع لا محالة في مربع يحتوي فك ثعبان يبتلعك و يهوي بك عدة صفوف إلى الأسفل حيث ينتهي ذيله، و كلما كان الثعبان أطول كلما كانت السقوط أعمق و الخسارة أكبر.


ما يحدث مع الكادر الصحي الجديد يشبه إلى حد كبير لعبة السلم و الثعبان لكن يبدو أن الرقعة التي يتحرك عليها الكادر لا تحتوي سوى ثعابين و ثعابين كبيرة فقط، و يبدو حتى الآن أن دورة الكادر أشبه بلعبة سرمدية لا تريد أن تنتهي و لا يعرف أحد إذا كان هناك من يواصل اللعب أصلاً و يرمي الزهر أم أن اللعبة انتهت و اللاعبون انصرفوا. كل ما يتسرب لك كمواطن مطحون هو صدى أصوات اللاعبين و ربما صوت رمي الزهر على الرقعة لا أكثر، و بناء عليه لك أن تخمن كم مربعاً صعد الكادر نحو الأعلى أو كم صفاً هبط عندما ابتلعه الثعبان.


و الثعابين في لعبة الكادر للأسف كبيرة و متنوعة الأشكال و الأحجام، بعضها يمكنك التعرف على ملامحة بوضوح ودون مشقة يبتلعك و يخبرك ببساطة أنه لا يمكن أن يسمح لك أن تمر مهما كلف الأمر. أما بعضها الآخر فلا تعرف له وجها ولا ذنباً و لا تعرف إن كان سيجلس على الرقعة إلى الأبد أم أنه من الممكن أن يزحف قليلاً ليترك الكادر المسكين يمر. بالطبع يجب أن لا ننسى الثعابين الصغيرة التي تطلق فحيحها المنفر و تمارس لدغها السام لكن لأنها صغيرة تظل لقمة الكادر أكبر من حجمها فهي تتركه يمر لكن بعد أن ينال نصيبه من اللدغ و الإنهاك.


ترى هل يمكننا أن نعد تصريح الوزير الربيعة إيذاناً باقتراب نهاية اللعبة و هل لنا أن تنفاءل ببلوغ الكادر المنهك و الغامض حتى الآن مربع النهاية؟ أم أنه سيظهر ثعبان كبيييييير في المربع قبل الأخير ليبتلعة و يعيده عدة صفوف إلى الأسفل مجدداً؟


تبدو اللعبة مثيرة بالفعل لكن المؤسف أننا نسمع صداها من خلف الباب دون أن نراها عن قرب.


23 أبريل, 2009

(المطارد): قصة قصيرة لجون كولر







كان(الان اوستن) متوترا كهرة مذعورة وهو يصعد السلالم المظلمة والتي تصدر صريراً مع وقع خطواته في ذلك المنى المجاور لشارع (بيل). أمعن النظر كثيراً في لوحة أسماء السكان المعتمة قبل أن يجد الاسم الذي يريده مكتوبا بشكل مموه على أحد الأبواب.دفع الباب المفتوح مباشرة كما طلب منه أن يفعل عندما يجد المكان ووجد نفسه في غرفة صغيرة عارية من الأثاث باستثناء طاولة مطبخ صغيرة تتوسطها وكرسي هزاز وآخر اعتيادي.وعلى الجدار القذر شاحب اللون ثبتت عدة أرفف رصت فوقها دستة من القوارير والجرار.

كان الرجل العجوز يشغل الكرسي الهزاز ويقرأ في الجريدة، تقدم الآن نحوه وقدم له البطاقة التي أعطيت له بدون أن يتفوه بكلمة.

- "اجلس يا سيد أوستن". قال الرجل العجوز في تهذيب جم. ثم تابع" سعدت بمعرفتك"

سأله (الان):

- "هل صحيح أنك تملك خلطات لها مفعول غير اعتيادي؟"

- "يا سيدي العزيز". أجابه العجوز "بضاعتي لا تصنع بكمية تجارية، فأنا لا أتعامل مع خلطات المسهلات ومسكنات ألم الأسنان، خلطاتي من نوع مختلف ولا أعتقد أن أياً منها يمكن أن يوصف بالمألوف"

- "في الحقيقة أنا.."، و قبل أن يستطرد الان في الشرح قاطعه الرجل وهو يتناول قارورة من على الرف

- "على سبيل المثال، هذا السائل في القارورة عديم اللون كالماء وبلا طعم تقريباً، ولا يترك أثراً في القهوة أو الحليب أو النبيذ أو أي مشروب آخر. كما أنه لا يمكن ملاحظته في أي عملية تشريح بأي من الطرق المعروفة"

- "هل تعني أنه سم؟". تساءل(الان) مرتعباً..

- "سمه منظف قفازات لو أحببت". أجابه الرجل بدون اكتراث قبل أن يتابع "ربما ينفع في تنظيف القفازات فأنا لم أجربه من قبل. تستطيع تسميته منظف أرواح، الأرواح تحتاج للتنظيف بعض الأحيان.."

- "أنا لا أريد شيئاً من هذا القبيل" قال (الان)..

-" ربما تريد شيئاً مماثلاً". أجابه العجوز، ثم تابع "هل تعلم كم يكلف هذا الشراب؟ إن ثمن ملعقة شاي واحدة منه - وهي كافية - تساوي خمسة آلاف دولار، غير قابلة للتفاوض، لا تنقص سنتاً واحداً.."

- "أتمنى أن لا تكون خلطاتك الأخرى بنفس السعر المرتفع". قال (الان) مجادلاً..

- "أوه..كلا يا عزيزي، لن يكون جيداً أن أبيع جرعات الحب - على سبيل المثال - بنفس السعر، فمن النادر أن تجد شاباً يفتقد الحب يمتلك خمسة آلاف دولار، وإلا لما احتاج لشراء العقار.."

- "أنا سعيد لسماع ذلك" أجابه (الان)..تابع الرجل العجوز

- "أنا أنظر إليها من هذا النحو، أرض الزبون في البداية، وسوف يعود لك عندما يحتاج طلبية أخرى، حتى لو كانت أغلى ثمناً فسوف يدخر للحصول عليها لو اضطره الأمر لذلك.."

- "حسناً، هل تبيع بالفعل عقار الحب؟". سأله الشاب..مد الرجل يده إلى قارورة أخرى على الرف قبل أن يجيبه..

- "إذا لم أكن أبيع العقار فما الداعي للحديث عن الأشياء الأخرى؟ فقط عندما يلتزم المرء بوعوده يستطيع توفير الأشياء السرية..".

عاد (الان) ليتساءل..

- "وهذا العقار هل له مفعول ممتد أم أنه..". قاطعه الرجل العجوز..

- "أوه، كلا.. إن له مفعولاً دائماً. أطول بكثير من المشاعر العابرة وإن كان يشملها بالطبع، إنه شعور ممتد وافر وعميق."

- "يا الهي!!". هتف الشاب وفي عينيه نظرة ذهول محلقة قبل أن يتابع" يا له من أمر مثير".

-" لكن خذ بالاعتبار الجانب الروحي". قال الرجل العجوز..

- "بالتأكيد" أجابه (الان).

-" عند الأشخاص اللامبالين، فإن الخلاص والافتتان يحل في أرواحهم مكان الازدراء السابق، أعط جرعة صغيرة من العقار للفتاة الشابة - بالمناسبة هو بلا طعم تقريباً إذا أضيف لعصير البرتقال، الحساء، أو الكوكتيلات - ومهما كانت الفتاة مستهترة أو حتى مثلية فإنها سوف تتحول تماما. لن ترغب في أي شيء سوى العزلة وصحبتك."

-" لا أكاد أصدق ذلك، إنها مغرمة بالحفلات". أجابه الشاب.

- "لن تحبها بعد اليوم، بل إنها ستخاف عليك من فتيات الحفلات الحسناوات". قال الرجل العجوز

صرخ (الان) في دهشة:

- "هل فعلاً ستشعر بالغيرة؟؟ بالغيرة علي؟؟"

- "نعم، سوف تود أن تصبح كل شيء بالنسبة لك."

-" إنها كذلك بالفعل، لكنها لا تبالي."

- "سوف تفعل عندما تأخذ العقار، سوف تهتم بك بعناية فائقة، سوف تكون موضع اهتمامها الوحيد"

- "مذهل "هتف (الان).تابع الرجل العجوز كلامه..

- "سوف ترغب في معرفة كل ما تفعله، كل ما حصل لك خلال اليوم. كل شاردة وواردة، سوف ترغب في معرفة ما الذي تفكر فيه، لماذا تبتسم فجأة، ولماذا تبدو حزيناً.."

- "هذا هو الحب". صرخ (الان) منفعلاً..

-" نعم". أجابه العجوز ثم أضاف "كم ستكون حريصة عليك! لن تسمح للتعب بأن ينال منك، لن ترضى بأن تكون نهباً للهموم أو حتى أن تهمل طعامك. ولو تأخرت لمدة ساعة واحدة فسوف تصاب بالذعرعليك، ستعتقد أنك قتلت أو أن امرأة أخرى نجحت في إغوائك"

-" لا أكاد أتخيل (ديانا) تتصرف بهذا النحو". قالها (الان) بسعادة طاغية.

- "لن تحتاج لاستخدام خيالك، ولأن الحياة مليئة بالفاتنات فربما يصادف لأي سبب من الأسباب أن تنزلق قليلاً مع إحداهن. لا ينبغي عليك أن تقلق سوف تسامحك في النهاية ستكون مجروحة بعمق بالطبع لكنها ستسامحك في النهاية.."

- "هذا لن يحدث". قالها (الان) بحزم..

-" بالطبع لا". أجابه العجوز قبل أن يضيف "لكن إن حدث فلا تقلق فهي لن تطلب الطلاق أبداً، بالتأكيد لن تفعل وبالطبع هي لن تعطيك سبب، أدنى سبب للشعور بعدم الارتياح"

- "وكم يبلغ ثمن هذا العقار العجيب؟" تساءل (الان).

غمغم العجوز:

-" إنه ليس ثميناً كمنظف القفازات أو منظف الأرواح كما أسميه في بعض الأحيان فذلك ثمنه خمسة آلاف دولار لا تنقص سنتاً واحداً، على المرء أن يكون أكبر سناً منك لينغمس في هذه المسائل، على المرء أن يدخر المال ليحصل عليه.. "

- "لكن عقار الحب" قاطعه (الان).

- "أوه..هذا". قالها الرجل وهو يفتح درجا ًفي طاولة المطبخ التي أمامه ويتناول منه قنينة صغيرة متسخة

- "إنه لا يساوي أكثر من دولار واحد". شرع الرجل في ملء القنينة من القارورة و(الان) يراقبه ويتمتم:

- "لا أستطيع أن أعبر لك عن مدى امتناني"

أجابه الرجل:

- "أنا أحب مجاملة الزبائن، لأن الزبون سيعود في فترة لاحقة من حياته، وتكون أموره المادية قد تحسنت، عندها سيطلب أشياء أغلى ثمناً. تفضل العقار، ستجده فعالاً جداً"

- "أشكرك مجددا، إلى اللقاء" ودعه( الان)

-" إلى اللقاء". رد الرجل العجوز.