
المصاب في كارثة جدة أليم جداً و أكبر كثيراً من أن تحتويه كلمات و حروف مهما تعملقت، و وقع الغضب أقوى و أعمق من أي ردة فعل يمكن أن تصدر الآن، ما حدث في جدة ملحمة عظيمة من الذل و المهانة و الانحطاط البشري، كوكتيل قميء من كل الخصال النفسية المقززة تم تغليفها و تأطيرها في غلاف براق و أُُجبرنا جميعاً على ابتلاعها و التأمل في قبحها مقنعين أنفسنا بأنها جميلة و لذيذة حتى استسغناها جميعاً، كانت القطرات تتقاطر من السد العفن قبل أن ينهار على رؤسنا جميعاً و في كل مرة نغض أبصارنا عنه و نصرف النظر متدثرين بعجزنا و استكانتنا و شيئ كثير من أنانيتنا.
حكاية المواطن الطيب
تسمع خبر موت الفتاة الصغيرة فاطمة في فتحة الصرف الصحي فتلوي شفتيك و تتمتم "حسبي الله عليهم...مجرمين" ثم تنصرف لتشتري عشاء ساخناً لأطفالك و تأكله في نهم. تسمع عن المشاريع التي سرقت و الأخرى التي توقفت، و فلان الذي أثري من وظيفته فأصبح مليونيراً بعد فاقة تقلب شفتيك مجدداً و تقول " فين يروح من الله" ثم تصادفه في مناسبة عامة فتبادله القبلات و وجهك يشع سعادة أن قابلته. لا تتورع عن شتم أي مسؤل كبير أو صغير ، تردد سيئاته و جرائمه واحدة واحدة ثم تصمت بمجرد أن تشك أن في المجلس "دبوس" يمكن أن يشكك بتقرير. مجرد شك...منك أو منه!
تشتكي من شح المياه و انقطاعها و طفح المجاري و رائحتها ثم تبتسم في نشوة و الصور تلتقط لك في الجريدة مع جموع المواطنين و أنتم تهنئون المسؤل الكبير بمناسبة الزيارة التاريخية، بل و تحتفظ بالجريدة كوثيقة مهمة ليراها أحفادك الصغار عندما يكبرون. ما أجمل أن يروا جدهم بمشلحة الأسود و غترته البيضاء المكوية بعناية و هو يبتسم بجوار المسؤل الكبير في الحفل المهيب!
تشتري ارضاً بلاخدمات في آخر الدنيا و يتستبد بك البنك فينهب راتبك حتى الموت و تدور في حلقة مفرغة لا تجد بضعة أحجار ترصها فوق بعض في أرضك النائية ثم تغني بفخر مع محمد عبدة "ارفع راسك...انت سعودي".
مطر..مطر..مطر
تنهمر الامطار و تجري السيول و يتكشف الغلاف المزيف عن القبح و العفن و الفساد. يجرف المنازل و السيارات و يقتل الأطفال و النساء و الرجال. تضج السماء بأرواح القتلى الصاعدة بلا عدد و المتزاحمة على أبوابها، تجلس أنت تمصمص شفتيك و تقول "لا حول ولا قوة إلا بالله" في بلادة شديدة لا يرضاها الله أبداً. تميل على جنبك و تفتح التلفاز على قناة محلية تتابع الكلام السخيف عن أن الكارثة من قدر الله و أنها تحدث في أي مكان في العالم..ثم يتمادى المتحدث فيقول " إن الموتى هم المخطئون" و كان عليهم أن لا يسكنو هنا، وكان الأحرى به أن يقول كان الأحرى بهم أن لايموتوا بيننا بهذه الطريقة المخجلة التي أحرجتنا. ألا يعرف هذا المواطن التعيس أن يموت في صمت كما كان يعيش في صمت؟ ينبغي تأديب هذا المواطن الذي يموت بهذة الطريقة الغير وطنية بالمرة والتي أحرجت الوطن أيما إحراج.
و أنت تهز رأسك في سلبية و لا تجرؤ على التعقيب، تمد يدك إلى الصحيفة المجاورة لمجلسك فتجد رئس التحرير و كتاب الأعمدة يمارسون نفس التخدير بنفس العبارات "التعقل ضروري"،"المشكلة قديمة و متراكمة"، "السيول فاجأتنا"،" وعي المواطن"...إلخ إلخ إلخ. لا يبدو عليك الاقتناع لكنك لا تفعل شيئاً, أقصى ما تفعلة أن تقلب الصفحة و تبحث عن موعد مبارة برشلونة و ريال مدريد، و تتمتم بأن المواطن مسكين دون أن تعرف بالضبط من هو المواطن هذا؟ و ما هو الوطن أساساً.
بعدها ببضعة أيام...
يصدر قرار مجلس الوزراء عن ضرورة المحاسبة و أن الغرقى أمانة في عنق الدولة...إلخ إلخ إلخ. تبتهج و تنفخ رئتيك و تقول" بالفعل هذا هو الصواب". تفتح التلفاز فتجد ضيوفاً متصلبين يتحدثون بصوت واحد عن الفساد المنتشر و عن هدر المال العام و عن سرقة بيت المال..إلخ إلخ.
تمد يدك إلى العدد الجديد من ذات الصحيفة فتجد رئيس التحرير نفسة و كتاب الأعمدة أنفسهم يتحدثون عن الأرواح البريئة و محاسبة المقصرين و فضح الفاسدين إلخ إلخ إلخ.
تلقي الصحيفة جانباً بعد ان تتأكد أن برشلونة فاز على ريال مدريد كما كنت تتمنى، تحك رأسك قليلاً في حيرة، تشعر بشيء يتلاطم في داخل رأسك وخلايا مخك تحاول يائسة أن تحشر المعلومات الجديدة مكان القديمة دون أن يحدث تعارض لكن الخلايا لا تتحمل هذا الضغط فتتلف..تشعر بصداع بسيط ثم بشيء من الارتياح العميق..لقد حلت المسألة و قبض الغرقى ثمن موتهم
تتمدد على فراشك في سعادة و تتغطى ببطانية سميكة اتقاءً للبرد والرياح كما حذرت مصلحة الأرصاد...بعد الكارثة بالطبع.
لكن خلية متمردة من خلايا مخك تظل ترسل سؤالاً ملحاً...
من الذي قتل الغرقى؟
و يسبح الجواب مبهما في ثنايا مخك التالف دون أن تستوعبه
لقد قتلهم السيل مرة..
و قتلتهم أنت مرتين.
أحلاماً سعيدة...أيها المواطن الطيب






