الأحد، 16 مايو، 2010

درب الموتى..قصة قصيرة من الأدب الأفريقي




درب الموتى

Dead Men's Path

قصة قصيرة

بقلم: شينوا اشيبي* (1930- )

CHINUA ACHEBE

ترجمة: د. فراس عالم


لم يكن (مايكل اوبي) يتوقع أن تتحقق أمنياته بهذه السرعة ، فقد تم تعينه مديراً لمدرسة ( ندوم )المركزية في يناير 1949. كانت المدرسة من المدارس المتأخرة في المنطقة و قد قرر المسؤلون إسناد إدارتها إلى مدرس شاب و نشيط لإصلاح شأنها. قبل (اوبي) المهمة بحماسة و وجدها فرصة مناسبة لتطبيق أفكاره الخلاقة على أرض الواقع.

حصل (اوبي) على تعليم ثانوي متميز نال بفضله لقب "مدرس أول" في التقارير المهنية مما جعله متفوقا على زملائه من مدراء المدارس الآخرين. كما كان صريحا في انتقاده لضيق الأفق الذي يلازم زملائه الأكبر سناً و الأقل تعليماً.

-"سنقوم بعمل رائع في تلك المدرسة" كانت تلك هي العبارة التي قالها لزوجته الشابة عند سماعه خبر ترقيته المبهج

-"سنقدم أفضل ما عندنا" أجابته زوجته ، ثم تابعت " سيكون لمنزلنا هناك حديقة جميلة و سأجعل كل شيء فيه حديثاً و عصرياً"

خلال فترة زواجهما البالغة عامين تمكن مايكل أن ينقل لها عدوى حماسته للحداثة و نفوره من "المدرسين القدامى و التقليدين الذين يراهم أقرب إلى الباعة في سوق شعبي منهم إلى التدريس".

أخذت تتخيل نفسها وهي محط الإعجاب كزوجة للمدير الشاب و ملكة للمدرسة، وبالطبع ستحسدها زوجات المدرسين على مكانتها، ستعتني بكافة التفاصيل في المدرسة ...و فجأة خطرت ببالها فكرة ألا يكون هناك زوجات أخريات معها، متأرجحة بين الخوف والرجاء سألت زوجها عن وضع زملائه المدرسين و هي تترقب إجابته بقلق.

-"كل زملائنا هناك من الشباب و غير متزوجين" أجابها بحماسة لم تشعر في هذه المرة أنها تشاركه فيها، لكنه تابع

_" وهذا أمر جيد!"

-" لماذا؟"

-" لماذا؟ لأنهم سيكرسون كامل وقتهم و جهدهم للمدرسة"

شعرت (نانسي) بالاكتئاب، ولدقائق قليلة أصبحت تشكك في جدوى الانتقال للمدرسة الجديدة، لكن امتعاضها سرعان ما تلاشى أمام سعادة زوجها وآماله الكبيرة. أخذت تتأمله وهو جالس بوضع منحني على المقعد، كان أحدب الكتفين ويبدو لمن يراه هشاً و سهل الكسر لكنه في بعض الأحيان يفاجئ الآخرين بموجة من الطاقة البدنية الهائلة. بدا لها في مجلسه في تلك اللحظة أن مصدر كل تلك الطاقة يكمن في نظرة عينيه الغائرتين والتي تمنحه قدرة عاتية على الاختراق. كان في السادسة و العشرين من العمر لكن يبدو و كأنه في الثلاثين أو أكبر و في العموم لم يكن يخلو من وسامة ظاهرة.

-" بنس مقابل ما تفكر فيه يا مايك" قالتها (نانسي) بعد برهة صمت مقلدة المجلات النسائية التي تقرأها

-" كنت أفكر في الفرصة العظيمة التي حصلنا عليها لنري الناس كيف تدار المدرسة كما ينبغي"

كانت مدرسة (ندوم) متخلفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى و قد كرس لها الأستاذ (اوبي) و زوجته كامل وقتهما وقد جعل نصب عينية هدفين رئيسيين ، تقديم مستوى عال من التعليم و تحويل مبنى المدرسة إلى مكان يشع بالجمال، وقد تحقق حلم زوجته بالحديقة المزهرة عندما هطلت الأمطار و تفتحت الورد الحمراء و الصفراء على شجيرات (الهيبيكوس) و (الالماندا) المكونة لسياج الحديقة المحيط بفناء المدرسة من الخارج في منظر بديع.

ذات يوم و بينما كان أوبي يتأمل نتاج عمله بإعجاب رأى منظراً أشعره بالخزي، فقد رأى امرأه قروية عجوز تعرج عابرة فناء المدرسة و قد داست حوض أزهار (الماري جولد) و سياج الشجيرات القصير. و بتفحصه للمكان أبصر أثراً باهتاً لطريق مهجور يمر عبر فناء المدرسة رابطاً بين القرية و بين الدغل في الجهة الأخرى.

-" أنا مندهش" قالها اوبي لأحد المدرسين -و الذي قضى ثلاث سنوات في المدرسة- ثم هز رأسه منفعلا و تابع

-" كيف تسمحون للقروين باستخدام طريق يمر عبر المدرسة؟ هذا ببساطة لا يعقل"

أجابه المدرس معتذراً

-" ذلك الطريق مقدس جداً عند القروين، فهو يربط بين المقام المقدس في القرية و بين المدافن، كما أنه نادراً ما يستخدم"

-" و ما علاقة المدرسة بكل هذا؟" تساءل المدير

هز المدرس كتفه قبل أن يجيب

-" لا أدري، لكنني أتذكر أن شجاراً كبيراً حصل منذ زمن عندما حاولنا إغلاق الطريق"

-" كان هذا في ما مضى. لكنه لن يستخدم بعد اليوم" قال له المدير و هو يبتعد بخطوات حازمة و يضيف

" ما الذي سيقوله عنا مدير التعليم عندما يأتي في جولته التفتيشية الأسبوع القادم؟ ربما سيجد القروين و قد احتلوا غرفة في المدرسة لممارسة طقوسهم الوثنية فيها وقت زيارته".

تم غرس قضبان ثقيلة على مسافات متقاربة لتسد الطريق من مدخله و مخرجه في طرفي فناء المدرسة، كما تمت تقويتها بأسلاك شائكة لفت من حولها.

بعد ثلاثة أيام قدم كاهن القرية للمدرسة طالباً مقابلة المدير، كان رجلا متقدما في السن محدودب الظهر يستعين بعصا غليظة لمساعدته في المشي و كان يطرق بها الأرض بقوة عندما يشدد على نقاط مهمة في حديثه. و بعد تبادل الأحاديث الودية شرع الكاهن في الكلام

-" لقد نما إلى علمي أن درب الأسلاف قد تم إغلاقه"

-" أجل" أجابه السيد (أوبي)، ثم تابع" لا نستطيع أن ان نجعل الناس تتخذ من فناء المدرسة طريقاً عاماً"

طرق الكاهن العجوز على الارض بعصاه ثم قال

-" أنظر يا بني، هذا الطريق موجود قبل أن تولد أنت، و قبل أن يولد أبوك، حياة القرية بالكامل تعتمد على هذا الطريق. أقاربنا الموتى يغادرون عبره، و أسلافنا يزروننا عبره، لكن الأهم من ذلك إنه الطريق الذي يأتي من خلاله الأطفال الذين سيولدون"

استمع السيد أوبي لحديث الرجل و على وجهه ابتسامة رضى ثم أجابه

-" الهدف الاساسي لوجود مدرستنا هو اقتلاع هذه المعتقدات من العقول، الموتى لا يحتاجون ممشى على الأرض، الفكرة بكاملها خرافة. مهمتنا هنا هي تعليم الأطفال أن يسخروا من مثل هذه الأفكار"

-" قد يكون ما تقوله صحيحاً" أجابه الكاهن العجوز ثم أضاف " لكننا نتبع ما كان يفعله أباؤنا، و إذا فتحت الطريق لن يكون لدينا ما نتشاجر بشأنه. ما أردده دائماً: دع الصقر يحط رحالة و دع النسر يفعل ذلك أيضاً". و هم الرجل بالنهوض

رد عليه المدير الشاب

-" أنا آسف. لا يمكن أن نجعل فناء المدرسة طريقاً عاماً. إن ذلك مخالف للأنظمة، ما رايك في أن تقيموا طريقاً آخر يلتف حول المبنى، و سوف نجعل الأولاد يساعدونكم في إنشائه، لا أعتقد أن الأسلاف سيجدون الانعطاف البسيط أمراً مرهقاً لهم"

-" لا يوجد لدي شيء لأضيفه" قال الرجل العجوز و هو يغادر المكان.

بعد ذلك الحديث بيومين توفيت امراة قروية خلال ولادة متعسرة، تمت استشارة عراف القرية فأمر بتقديم تضحيات عظيمة لاسترضاء الأسلاف الذين تمت إهانتهم بالسياج الذي سد الدرب المقدس.

استيقظ الأستاذ (أوبي) في صباح اليوم التالي على الخراب الذي حل بمدرسته، حيث تم تدمير الأسيجة النباتية الجميلة ليس فقط من ناحية الدرب المسدود بل من جميع الجهات المحيطة بالفناء، كما تم دهس الأزهار الجميلة بلا شفقة، بل إن أحد مباني المدرسة تم هدمه...

صادف ذلك اليوم يوم زيارة مشرف التعليم ذي الأصول البيضاء للتفتيش على المدرسة، والذي كتب تقريراً سيئاً عن حالة المبنى لكن الاسوأ كان ما كتبه عن " حالة الحرب و العداء بين المدرسة و القرية و التي سببها الحماسة الغير رشيدة لمدير المدرسة الجديد"

* شينوا أشيبي: كاتب نيجيري يكتب بالانجليزية.

السبت، 8 مايو، 2010

سينما ... قصة قصيرة


كان فيلماً رديئاً سيء الإخراج و التصوير، كل من دخلوا الفيلم عرفو ذلك مبكراً. أخذت المقاعد القليلة تفرغ بالتدريج حتى أصبح وحيداً في الصالة الخالية بعد ربع ساعة من بداية الفيلم، لكنة كان مصرا على المتابعة معتقداً أن شيئاً مهماً سيحدث قبل نهاية الفيلم. لا يمكن أن يكون الفيلم تافهاً و بطلته نجمته المفضلة التي يعشقها، لا يمكن لهاتين العينين الساحرتين المشعتين براءة و دهشة دائمتين من كل ما يحدث في العالم إلا أن تحملاه على النشوة، أن تحملاه إلى المجهول، إلى كنوز قادمة لا محالة من بعيد، إلى ينابيع الحلم الصافي الأولى حيث يغرف المبدعون بلا وجل. إنها تنتمي إلى هناك. تلك الرهافة و الرقة لابد أن تملك رسالة لماحة و ذكية تريد تمريرها إلى العالم عبر فنها....و لكن مشاهدالفيلم اتهت سريعاً دون أن يلحظ جوانب الإبداع التي انتظرها. فرك يديه المعروقتين بتوتر تلفت في المقاعد الخالية بعد إضاءه الأنوار حشر كفيه في جيبه و هو يهم بالقيام. لم يعره عامل الصاله أي التفات و هو يعبر من جواره و كأنه طيف غير محسوس. آلم أذنية الصخب في الخارج و شعر بقليل من الدوار و هو ينضم إلى نهر العابرين في ممرات الصالة..مشى خطوات قليله إلى الأمام فاقداً الهدف شاعراً بهزيمة لا يدري لها سبباً. لمح شابين صغيرين يمسكان بيد بعضهما و يغادران المبنى نحو موقف السيارات و بائعة صغيرة تركض وراءهما تحاول أن تبيعهما عقدا ذابلا من الفل الذي تحمله لكنهما يسرعان المشي و يتجاهلان نداءاتها عادت الصبية منكسرة تنتظر بجوار الباب الزجاجي التقت عيناها بعينيه لثوان قليلة ثم أشاحت عنه كأنها خمنت أنه لا يصلح أن يكون من زبائنها. اندهش من فعل الصبيه، ترى لماذا تجاهلته؟ مالذي رأته أو لم تره فيه حتى توجه له هذه الإهانة غير المباشرة؟ أخرج إحدى يديه من جيبه و تعمد رفع بعض النقود في كفه كي تراها..لكنها لم تلتفت قدر أنه حتى لو ذهب ليشتري منها عقد الفل الذابل فربما تأبى أن تبيعه. تلقى دفعة في كتفه من موجه جديدة من المتفرجين الذين فرغوا للتو من مشاهدة فيلم كوميدي جديد . تكاثف المزيد من العرق على جبهته و أحرجه عدم حمله للمناديل الورقية التفت إلى الخلف ليلمح شباك التذاكر و إعلان ملون كبير للفيلم الكوميدي يعتلي فتحة الشباك و قد بدأ الزحام من جديد للدخول للعرض التالي وجد نفسه منجذباً مرة أخرى نحو الشباك أخرج النقود المعروقة من جيبه، عدها بحرص ثم تقدم نحو بائعة التذاكر.
.........
.........
بدأ بث الحفلة التالية للفيلم
هذه المرة كانت القاعة خالية تماما لكن عامل الصاله بدا ساخطا على المتفرج الوحيد الذي أجبره على البقاء لمراقبته حتى ينتهي الفيلم
كان سخطه يتصاعد مع المشاهد الأولى للفيلم الذي يراه فاشلا و سخيفاً على الرغم من أن المتفرج الوحيد يتابعة بشغف غير مفهوم!!