الجمعة، 2 يوليو، 2010

مجرد سؤال(6): لماذا غضب معالي الوزير؟


يبدو أن شهر العسل الطويل بين معالي الوزير الربيعة والإعلام قد انتهى بالفعل. و يبدو أن جو المجاملات و التفاؤل و توقع الأحسن قد أخذ في التلاشي، و المتابع لأخبار المؤتمر الصحفي الأخير في مكة المكرمة الذي قطعه معالي الوزير بعد دقائق معدودة ورفض الإجابة على أسئلة الصحفين بضيق شديد لا يكاد يصدق أنه ذات الشخص الودود المبتسم في هدوء و سكينة و هو يجيب على أسئلة الصحفيين قبل و بعد عمليات فصل التوائم التي كان يجريها في مستشفيات الحرس الوطني.
و للإنصاف فإن جو المكان و ظروفه لهما تأثير بالغ على نفسية الإنسان و مزاجه و ردود فعله. فالقطاع الصحي في الحرس الوطني منظومة متكاملة من الرفاهية الإدارية و المالية و مشاكله مع العدد المحدود لموظفيه و مراجعيه لا تكاد تذكر، بل إن مستقبله الزاهي يشجع على الحلم و الإنجاز و تخيل أن الحياة لا يمكن أن تكون أجمل من ذلك، و أن الرعاية الصحية في البلاد بلغت بالفعل ذروة الذروة و بدات في تصدير خدماتها النوعية للخارج أيضاً. لذلك من الطبيعي أن يشعر المسؤول الأول عن هذا القطاع بالفخر و الثقة و القدرة على إجابة أي سؤال من أي إعلامي بالمعلومة الكاملة.
لكن عندما يتحول الوضع إلى وزارة الصحة-و ما أدراك ما وزارة الصحة- فإن الوضع يختلف بالتأكيد، فالنيات الطيبة أثبتت أنها لا تكفي، و التفاؤل و التعاون و الرغبة في التغيير و الشعارات الجميلة عن (رضى المريض أولاً) كلها أثبتت أنها بعيدة كل البعد عن جوهر المشاكل المعقدة و المتشابكة في وزارة يفترض أنها تتحمل مسؤولية علاج و وقاية ما يزيد على العشرين مليون إنسان موزعين على رقعة متاثرة تفوق المليوني كيلومتر مربع.
هنا يختلف الوضع تماماً عن الأجواء المتفائلة في (خشم العان). فالملفات شائكة و ثقيلة و متداخلة. و القرار لا يملكة شخص واحد يقرر في اجتماع واحد بحسم ما ينبغي أن يتم فتمضي كلمته كالسيف. هنا الوضع يختلف و أصغر القرارات كأكبرها لا يملك البت في شانها أحد حتى معاليه، فهناك وزارة الخدمة المدنية و هناك وزارة المالية و هناك مجلس الوزراء و قبل كل ذلك و بعده عدد لا نهائي من اللجان التي تجتمع دون هدف لتنفض دون قرار فتُبقي كل شيء معلقاً إلى مالانهاية. ابتداء بنقص المستشفيات و الكوادر، و تعثر المقاولين و انعدام الوظائف، و سوء تشغيل المستشفيات، و نقص الأجهزة و المواد الطبية، و ضعف التأهيل و الأخطاء الطبية، و سخط الأطباء على رواتبهم و كادرهم الذي لم يخرج من جعبة اللجان ولا يبدو أنه سيخرج قريباً. فضلاً عن المخالفات و الاختلاسات و الرشى و الهرم الإداري المترهل فيما يشبه كرة الصوف المتشابكة.
كل ذلك معروف و مقدر من قبل الإعلام و المواطنين لكن ما يثير التساؤل هو امتناع الدكتور الربيعة عن التصريح بضيقة من تلك المشاكل و قلة الانجاز في الوزارة بسببها.
و بدلاً من أن ينحى معالي الوزير منحىً شفافاً يواجه فيه الأمور بشجاعة على منابر الإعلام و يصارح المسؤلين و المواطنين بمواضع الخلل و القصور و خطته التي وضعها لتجاوز المشاكل و معوقاتها التي تمنع تنفيذها كما يفعل ذلك بشكل يومي مع كل مريض يعاينه في عيادته و يشرح له و لذويه تشخيص الحالة و سبل العلاج و مضاعفاته و ما هو متوفر و ما هو خلاف ذلك. بدلا من ذلك اتخذ الوزير الطريق السهل الذي يعمد إلى الطبطبة و المداراة و محاولة حصر المشاكل داخل الغرف المغلقة بدلا من نشر الغسيل أمام وسائل الإعلام. و فات معاليه أن قطاعاً حيوياً كالصحة لم يعد يحتمل المزيد من المداراه، و أن المعلومات السلبية ترشح عبر منافذ عديدة أولها ما يعاينه المرضى أنفسهم بشكل مباشر في المستشفيات و أروقة الوزارة بحيث لم يعد من المنطقي تغطيتها أو تجاهلها، و أن السخط المتزايد من المواطنين و الموظفين لم يعد يحتمل حقناً مخدرة من طراز (كل شيء يثلج الصدر) و (ما نراه هو خطوة عملاقة على الطريق). بالإضافة إلى أن تراجع مستوى الخدمات الصحية في البلاد و نقص الأسرة و تراكم الأخطاء الطبية لا يمكن التغطية علية بمؤتمر هنا و تقرير هناك و بالطبع فإن الامتناع عن الرد على أسئلة الصحفيين و الضيق بها لن يساعد في حل المشكلة.
ومن جهة أخرى فإن الصمت المدوي الذي تمارسه الوزارة تجاه تعطيل تنفيذ قرار مجلس الوزراء الخاص بالاطباء و الفنيين و الذي مر على صدورة أكثر من عام و لم ينفذ لا يدل على أن الأوضاع داخل الوزارة تبشر بالخير و يخلق بيئة فاقدة للولاء و خصبة بالشائعات، ولم يكن ليضير الوزارة في شيء لو أنها صارحت الموظفين بسبب تعطيل القرار و مراحله التي بلغها بدلاً من التعالي عليهم و تركهم نهباً للشائعات و الإحباط و إشعارهم بأن الوزارة خصم لهم بشكل أو بآخر
يا معالي الوزير..كلنا يعلم أن الحمل ثقيل و أن طريق الإصلاح طويل و معقد. و نحن لا نطالبك بحلول سحرية..كل ما نطلبه هو شيء من الشفافية التي تحترم ذكاءنا وقبل ذلك تحترم إنسانيتنا كبشر. و صدقني سيزول الكثير من غضبك و إحباطك وقتها!