الأربعاء، 29 ديسمبر، 2010

منع من النشر : في ذكرى محرقة غزة هل سنغسل بالذل حد السيف؟ مقال للدكتور عبدالمحسن هلال


تمهيد: كتب الدكتور عبدالمحسن هلال مقالة في ذكرى محرقة غزة إلا أن جريدة المدينة السعودية امتنعت عن نشرها. و يسرني نشر المقالة الممنوعة بنصها الكامل مع خالص شكرنا لكاتب المقالة و للمدون أحمد صبري الذي ساعدني في الحصول عليها


مرت قبل يومين الذكرى الثانية لمجزرة غزة أو محرقتها أو سكب الرصاص عليها، تعددت الأسماء وفعل القتل واحد، لا جديد إن لم يحفل الإعلام العربي بها، يكفي تنويه إعلام العالم الحر عنها، لا جديد إن لم تحرك ساكنا فينا، يكفي تحرك شرفاء العالم لها، لا جديد إن قذف بعض القراء بالصحيفة والمقال وصاحبه جانبا، كثيرون يعتبرونه حديثا معادا لا طائل منه، حديث من لا موضوع لديه. منذ أن طُمس علي أعيننا بقضايانا الداخلية الصغيرة، ومنذ تخلينا عن فلسطين كقضية مركزية، منذ ران علي فكرنا أن دولنا القطرية تأتي أولا وليأت الطوفان بعدها، مذ ذاك ونحن ندور في حلقات مفرغة تدور فيها الدوائر علينا، وهاهو الطوفان وصل إلينا ومزق دولنا شر ممزق.

فلسطين باعها أهلها قبلنا، هكذا قال السفهاء منا، ولما أفقنا علمنا أن ضياع فلسطين أضاعنا، تنبه من ظن أن حدود فلسطين هي القضية فإذا بالصهاينة يشاركونه لقمة عيشه وفراشه وأحلامه. منذ بداية الصراع قيل لنا أن الخنجر المصوب للخاصرة سينفذ إلي القلب، قلب العروبة النابض، ولم نصدق، منذ البداية حُذرنا أن النصل سيبلغ مداه عرين الإسلام الرابض، ولم نصدق، ها نحن وبعد فوات الأوان، نوقن أن فلسطين كانت بداية الصراع وأن نهايته لم تأت بعد، ولن تأتي حتى يكتمل النصاب وتصبح (إسرائيل) داخل الأبواب. ليس هذا جلدا للذات، هذا شيء فات أوانه وترف مضى زمانه، وليست هي دعوة لإحياء ذكرى تتكرر فصولها كل يوم، بل دعوة للعودة إلي العقل.. عودة إلي الأصل.. أصل القضية، لا سبيل سوى تقديم المقاومة علي ما قدمناه من تنازلات مهينة، ليس سوى عودة للسيف وإعداد رباط الخيل، فهل بالإمكان صقل سيوفكم الصدئة القديمة؟

سيقول المترفون من الأعراب هذه دعوة للانتحار، أو لنحر الفلسطينيين الذين لا قبل لهم بآلة (إسرائيل) الحربية، سيقول المرجفون في المدينة هذه مزايدة ودعوة لمقاومة عبثية عدمية، فمن يده في النار ليس كمن يده سليمة، وأنه يكفي ما عانى الفلسطينيون من قتل وتشريد وهزيمة. أقول لهم لم يهزم أحد هناك إنما أنتم هنا سر الهزيمة، لم يشتكي أحد هناك إنما أنتم من تباكيتم وتنازلتم عن حقوقكم ونصبتم أنفسكم أوصياء علي فلسطين الأبية، كل حروبكم كانت لحماية حدودكم، وحرب واحدة لأجل فلسطين لم تشنوها فكفاكم هزيمة، قبل السؤال عن استعداد المقاومين اسألوا أنفسكم عن مدى استعدادكم أنتم لمقاومة الذل داخل أنفسكم السقيمة. قال شاعرنا قديما أصبح الآن عندي بندقية إلي فلسطين خذوني معكم، وأقول لكم جوزيتم، بالأحرى خسئتم، فأجلسوا، دعوا الفلسطيني يحمل عبء القضية.

وإذا صح ما رشح عن نية الرئيس الفلسطيني تقديم استقالته، فما أشبه الليلة بالبارحة، ما أشبهه بأيام حرب 67م، يوم أنهار كل شيء وفكر حينها المسئول عن النكسة في الاستقالة فأعادته جماهيره إلي تحمل المسؤولية وتصحيح خطئه، وهذا ما حدث، وهذا ما ينبغي علي الرئيس الفلسطيني فعله. نعم، من الظلم مقارنة الظرفين وموقف الرجلين، ذلك وجد من وقف معه في الخرطوم وشد أزره، وهذا لا أحد معه بعد أن فرط فيما لديه ووثق بمن لا يستحق من صحبه. لكن برغم هذا يظل بيده فعل الكثير، بيده أن يصبح عظيما علي صفحات التاريخ بدل أن يذكر علي صفحاته ذليلا، عليه قبل الذهاب إلي هيئات العالم ومجلس أمنه العودة إلي شعبه، الالتفات لداخل الحدود قبل التوجه لخارج الحدود، قبل مطالبة الأمم المتحدة الاعتراف بدولته عليه سحب اعترافه بمن لم يعترف به ولا بدولته، بدلا من الزعم بعدم الرهان علي أمريكا مجددا عليه التخلص من الارتهان لها أولا.

لم يعد لديه ما يخسره، وهناك الكثير مما يمكن أن يقدمه، والسؤال لم يعد هل يمكنه ولكن هل يرغبه؟ يمكنه التخلص من عملاء (إسرائيل) داخل سلطته، يمكنه إقالة المنتفعين من إدارته، يمكنه إعادة شرفاء فتح الذين ابتعدوا بتأثير من سطوته، لكن قبل كل هذا عليه إلغاء التنسيق الأمني والقضاء علي عملاء جنرال دايتون في ضفته، عليه التنسيق بل الالتحام مع رجال مقاومته، عليه مصارحة شعبه الذي لم يعد لديه هو الآخر ما يخسره بعد خسران الشهداء والأرض والسلام ويكاد أن يخسر قضيته. علي الرئيس الفلسطيني أن يجيب علي سؤال هو الوحيد القادر علي إجابته، هل يمكنه تغيير جلده، هل يمكنه خدمة شعبه، ولا جواب هنا سوى بنعم أو الإسراع بتقديم استقالته. شعب فلسطين لن يعدم شريفا يقوده، شعب الجبارين قادر علي فرض إرادته إذا تخلص من قيود قادته، وكف عن مشاورة عربان الهامات القزمة الضئيلة إذا قيست بقامته.

كل الحلول تم تجريبها، التفاوض مضيعة للوقت، الذهاب لمجلس الأمن حيث الفيتو الأمريكي مضيعة للجهد، حتى حل السلطة صار مزايدة ومناورة مكشوفة، لا حل سوى ما برهنه التاريخ علي مر العصر، ما أخذ بالسلاح لا يسترد بسواه، كل تفوق (إسرائيل) لن يكسبها حربا إذا كان الشعب هو من تحاربه، هذا ليس قول متحمس فلسطيني أو قول مندفع مثلي،هو قول الصهاينة قبلي، بن اليعازر، وزير في حكومة العدو الحالية، حذر من اعتراف العالم بما فيه أمريكا بدولة فلسطين إن تحرك العرب بجدية، وصار يستجدي حكومته العودة للمفاوضات وإن بتجميد مؤقت للاستيطان. وقف التفاوض يعني عزلة (إسرائيل) دوليا وهو ثمن لا تستطيع أن تدفعه، لأنه يسلبها تعاطف العالم الذي مكنها مما تفعله، فهل سنعود نلهث خلف عظمة تجميد مؤقت ونترك مائدة للمقاومة تجبر (إسرائيل) علي إعادة ما سلبته؟

السبت، 25 ديسمبر، 2010

دليل المدون المبتدئ: عشرة أشياء لا تتحدث عنها في السعودية!


عزيزي المدون المبتدئ، يسرني أولاً أن أرحب بك في عالم التدوين بصفتي مدون غشيم، و لكن أقدم منك قليلاً ولا تستهن بلقب الغشيم في عالم التدوين فالتمكن منه علم لا يناله إلا الراسخون في ثناياه، كما أن المثل الشعبي يقول (أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة) لذلك يسرني أن أتجرأ و أقدم لك بعض النصائح في عالم التدوين السعودي لما له من خصوصية فريدة تحسده عليها كل مدونات الدنيا. و سواء كان طموحك التدويني الوصول إلى منصب مرموق أو الاستضافة في التلفزون لتلميع سياسة الخصوصية أو مجرد التنفيس عن أفكارك السوداوية فستجد النصائح التالية مفيدة جداً و هي باختصار قائمة بالأشياء التي ينبغي عليك تجنبها كمدون سعودي مبتدئ فأرجوك ركز جيداً و احفظها عن ظهر قلب.

١- السياسة: و السياسة كلمة مطاطة تعني الكثير ابتداء برأيك في وزير خارجية (غوثام سيتي) و انتهاء برأيك في من يخلف الرئيس ...احم ..رئيس نادي النصر طبعاً. و هذة أخطر النقاط و أشدها قابلية للانفجار في وجهك و ننصحك بالابتعاد عنها بشدة. أما لو كنت مصراً على الدخول فيها من باب الطموح الشخصي فننصحك بأخذ كورسات تدريبية بقراءة افتتاحيات الصحف السعودية كل يوم لمدة شهر و نضمن لك مستقبلاً باهراً في هذا المجال مالم تصب بجلطة في المخ قبل ذلك!

٢- الميزانية: و على الرغم من أنها تبدو ذات علاقة بالبند الأول إلا أنه من المهم إفرادها ببند خاص لما لها من جاذبية خادعة، فلا تغتر عزيزي المدون بكمية الحبر الذي يسيل في الحديث عن الميزانية و وصف محاسنها و امتلاء قوامها و ربربتها و تغزل الوزراء فيها. فذلك هو الحد المسموح به للحديث عن الحسناء ولا يجوز لك بحال من الأحوال السؤال عن نسبة الدخل أو ميزانية العام الماضي أو الدين العام أو طرق صرف الفائض أو طلب عرض الميزانية على مجلس منتخب لمناقشتها أو أي عمل فاضح يخدش حياء ميزانيتنا المصونة التي تؤمن بمبدأ استعينوا على تحرير ميزانيتكم بالكتمان.

٣- الإنتخابات: و لأن بعض الانتخابات إثم فقد تابت الحكومة توبةً نصوحاً عن هذا الإثم و استغفرت و كبرت ثلاثاً بعد الفساد الذي جرته انتخابات المجلس البلدي سيء الذكر و الذي أصبح أضحوكة المنتديات و فاكهة المجالس. لذلك ننصحك عزيزي المدون بعدم الاتيان على ذكر الانتخابات إلا من باب التشنيع و ضرب أمثلة سلبية لما جرته الإنتخابات على بلاد أخرى كالكويت مثلاً و لا تنس أن تكرر السؤال الذكي ( أين التنمية في الكويت؟ متى تم بناء آخر مستشفى في الكويت؟) و إذا أحببت أن تتذاكى أكثر فقل ( هل هذا ما تريدوننا أن نصبح عليه بالانتخابات؟ طائفية، و تناحر و تهديد للوحدة الوطنية؟) صدقني سترتفع أسهمك عندها كثيراً.

٤- الحج: لا تنتدهش نعم الحج، فعلى الرغم من أنه قطاع خدمي و وزيره من فئة محدودي النفوذ فإن الحديث عن أي تقصير في الحج يعتبر خطاً أحمراً لا مجال للاقتراب منه،و ككاتب محترم يحب بلده لا بد أن تحفظ عن ظهر قلب العناوين العبقرية التي اخترعها سدنة الإعلام الحكومي من طراز(نجاح باهر لخطة تصعيد الحجاج هذا العام) أو الأكثر عبقرية مثل(الجهود المبذولة لخدمة هذة الحشود لا مثيل لها في أي مكان في العالم). و تذكر أن مجرد كتابتك عن الازدحام أو التكدس أو سوء الخدمات يعتبر خيانة للوطن لا يمكن محوها من سجلك...فكن على حذر!

٥- البطالة: ولا تغتر بالكلام الكثير الذي يدور عن البطالة في الصحف، فهذا الموضوع أيضاً مخادع و لا يجوز لكاتب مبتدئ مثلك الخوض فيه بدون خبرة. لكن إذا أردت الحديث عن البطالة فعليك أن تهاجم الشباب الكسول الذي لا يحب العمل و الكفاح، و إذا أحسست أن دمك ثقيل بعض الشيء فلا بأس أن تخففه بالهجوم على رجال الأعمال (بدون تحديدأو تلميح) الذين لا يوظفون الشباب و يتكالبون على استقدام الأجانب ولا بأس أن تتحدث قليلاً عن الوطنية و الواجب الوطني. لكن احذر بشدة الحديث عن أرقام، أو التعرض لوزارة الخدمة المدنية، أو المالية أو ذكر وزير أو مسؤل حكومي بالإسم و إلا فإن الشيء الوحيد الذي سيسمح لك بكتابته بعد ذلك هو قائمة مشتريات السوبر ماركت! وللمزيد من التفاصيل أنصحك بمشاهدة برنامج صباح السعودية.

٦- سيول جدة: ما حدث في جدة مؤلم وقاس بلا شك، و خلف ضحايا و مصابين و قصصاً بالغة الأسى. و لأن الضحايا يحتاجون لمواساة فلا مانع من الحديث عن التطوع لمساعدتهم ولا مانع من أن تمدح جهود المتطوعين من الشباب و الشابات، و لو أردت أن تكون كاتباً لماحاً تحدث عن ضرورة استمرار الجهود لمساعدة الضحايا و أن تكون عملاً مؤسساتياً دائماً لا انفعالياً مؤقتاً( تذكر أن العبارات الفخمة مفيدة دوماً)و لو أردت بعض الإثارة انتقد الاختلاط الحاصل في مراكز التطوع و لو كنت أكثر جرأة تحدث عن سرقة التبرعات أو عن التجار الذين تبرعوا بأغذية فاسدة و منتهية الصلاحية و اكتف بهذا القدر لا يستدرجنك أحد لتسأل أسئلة سخيفة من طراز أين بلغت التحقيقات؟ أو نريد معرفة أسماءالمتورطين؟ و لا تستخدم عبارات غبية مثل (كي لا تتكرر مأساة جدة) كل هذا سيقودك سريعاً لقائمة المتهمين بالمتاجرة بضحايا السيول. تخيل!

٧- مجلس الشورى: يقبع مجلسنا الموقر في منطقة رمادية صعبة على التصنيف إعلامياً، فهو على الرغم من كونه (لا يهش و لا ينش) و على الرغم من أن أعضاءه يعينون و يستبعدون دون أن يسمع بهم أحد،إلا أن له طلعات و فرقعات كل مئة عام من أحد الأعضاء الذين يسوءهم تجاهل الإعلام لهم فيقرر في لحظة تهور أن يدلي بتصريح (يجيب العيد) و يشغل الإعلام لبضعة أيام ثم لا تسمع له همساً بعدها. و كمدون مبتدئ أنصحك بتجاهل مجلس الشورى تماماً في كتاباتك فهو موضوع ثقيل الدم و لا يحب أحد القراءة عنه و لا يخلو من مشاكل. فإذا مدحته اتهمت بالنفاق و قلة العقل و إذا هاجمته فلا تدري مالذي سيحصل لك و في كلا الحالتين لن يقرأ أحد ما كتبت فمن الأفضل أن تشتري راحة بالك!

٨- هيئة كبار العلماء: وهذة منطقة محظورة تماماً و يمنع الاقتراب منها بأي شكل من الأشكال و ستجد عليها حراسة رسمية و شعبية مستعدة للهجوم عليك و على دينك و مذهبك بمجرد طرحك لأبسط أنواع الأسئلة من قبيل ما طبيعة عمل الهيئة أو ما نظام التعيين فيها؟ و من المؤهل للانضمام إليها؟ و كيف يتم اختياره؟ أو عن إلزامية الفتاوى و هل تقدم على النظام في حال تعارضها معه إلخ..إلخ. لذلك لا تدرج إسم هيئة كبار العلماء في مدوناتك إلا عند الاستدلال بأحد فتاويها و ليكن ذلك على عجل و على سبيل الإطراء فقط لا غير!

٩- سياسة الرقابة: لأنك لم تتقن بعد الخوض في دهاليز اللعبة الإعلامية و التي هي من صميم خصوصيتنا السعودية، و لأنه لا يبدو أنك قريب من فهمها قبل أن تمضي عشر سنوات على الأقل في مجال الكتابة فلا تتهور و تنتقد حجب هذا المقال أو منع ذلك الكاتب. ولا تتساءل ببلاهة لماذا استحقت كتاباته المنع؟ و لا تحاول مقارنتها بغيرها من الكتابات الغير محجوبة ففضلاً عن أن قولك لن يقدم شيئاً أو يؤخر فسياسة الرقابة لا تخضع لأي مقياس سوى مزاج سعادته أو معاليه أو سموه أيهم آقرب. و لأنك في بلد يتمتع بالخصوصية و احترام الكبير فمن العيب أن ترد على الكبير قوله و إلا نالك شيء من التأديب يبدأ بحجب ما تكتب و لا ينتهي بزيارة الجيب الأبيض لمنزلك قرب الفجر. فتنبه يا رعاك الله!

١٠- لا تشتم سوى البواب: و هذة نصيحة عامة شاملة تصلح للتطبيق في أي قضية لم يرد ذكرها في ما سبق من نقاط و للتوضيح افترض أنك تسكن في عمارة فاخرة و أن سكان العمارة و المارة يلقون بالقاذورات أمام مدخل بنايتك باستمرار، في حالة مثل هذة يمكنك أن تشتم البواب لأنه لم ينظف المدخل ( و هو الحل الأكثر أماناً) أو أن تشتم سكان البناية لأنهم يلقون بقاذوراتهم أمام المدخل (و هو حل مكلف لكنه يعطيك شعبية) أو أن تتفلسف أكثر فتتحدث عن الأسباب التي جعلت السكان غير مكترثين بالنظافة و تعزو ذلك لنظام التعليم الذي أفسد أخلاقهم أو تزيد جرعة الفلسفة أكثر و تربطه بالاستبداد و غياب الديموقراطية الذي جعلهم سلبيين و اتكاليين إلى هذا الحد.( وهذا الحل هو طريقك للتقاعد السريع و الاستضافة في ضاحية ذهبان أو الحاير أيهما أقرب!)

لذلك يا عزيزي المدون الجديد إذا كنت ممن يبحثون عن التلميع و المناصب فعليك بشتم و ضرب البواب في كل قضية تمر عليك، أما إن أردت أن تكون مدوناً صاحب شعبية و عدد لا بأس به من المتابعين و تحافظ على سلامتك في نفس الوقت فعليك بشتم السكان و الشجار معهم في أي موضوع تتناوله و لا تنسى أن تدافع عن البواب الذي شتمه زميلك السابق. أما إن كنت فيلسوفاً و انتحارياً و لا يهمك شيء فأنت تعرف ما عليك فعله و لست بحاجة لتضييع وقتك في قراءة هذة السطور.








الجمعة، 3 ديسمبر، 2010

مجرد سؤال(٧): لماذا غضبت إندونيسيا من أجل "سومياتي"؟


تاريخنا مع العمالة الإندنوسية تاريخ طويل و حافل، و العلاقة بين ربات البيوت و العاملات الإندونيسيات هي علاقة(حب و كراهية) فربة المنزل لا تعتبر أن مظهرها الاجتماعي اكتمل بدون أن يكون لديها عاملة منزلية واحدة على الأقل، أما إن استطاعت الضغط على زوجها للحصول على أكثر من واحدة فستعد نفسها من ذوات الشأن الرفيع و من بنات العائلات الراقية. لكن ربة البيت نفسها تتوجس من العاملة شراً منذ يومها الأول فهي- طبقاً لما تختزنه ذاكرتها من حكايا الجارات و الصديقات- ساحرة محتملة، أو سارقة، أو كسولة، أو قذرة أو و هذه داهية الدواهي إمرأة لعوب تتربص بزوجها لإغوائه و الفوز به. و من الطبيعي في ظل هذه العلاقة المعقدة أن تنشأ الكثير من القصص و الحكايات داخل البيوت و خلف الأبواب المغلقة، بعضها إيجابي و الكثير منها غريب و عجائبي، فليس غريباً أن تسمع عن الخادمة التي سحرت أهل المنزل و استخدمتهم لخدمتها، أو الخادمة التي قامت بتسميم العائلة بوضع القاذورات في طعامهم، أو تلك التي تخدرهم كل ليلة لتخلو بصديقها في غرفتها دون مضايقات. و كان من الطبيعي أيضاً أن تسمع عن قصص التعذيب و الحرمان من السفر و حجب الرواتب و الضرب و حتى الإعتداء الجنسي في بعض الأحيان. كل تلك القصص للأسف قديمة و مكررة من عشرات السنين وأصبحت بكم الزمن فاكهة أي مجلس نسائي قل عدد زائراته أو كثر.
مالجديد إذاً في قصة تعذيب "سومياتي"؟ ولماذا غضبت البلاد كل هذا الغضب من أجلها؟ لماذا يتم استدعاء السفير السعودي؟ ثم تتدخل وزيرة الخارجية ثم الرئيس الاندنوسي نفسه و يأمر بتعليق سفر العمالة الاندنوسية إلى السعودية؟
ألم تواجه الحكومة الإندونيسية حالات تعذيب و اعتداء من قبل؟ ألم تتعرض العاملات الإندنوسيات في السعودية و غيرها لعشرات و ربما لمئات المضايقات قبل حادثة "سومياتي"؟ فلماذا "سومياتي" و لماذا الآن؟
قد يذهب البعض إلى القول بأنها مجرد فرقعة صحفية، و ربما ذهب عشاق المؤامرة إلى القول بـأنها مؤامرة لتشويه سمعة البلاد، و قد يتحمس ثالث فيصف الموضوع بمحاولة ابتزاز لرفع رواتب و تحسين ظروف عمل الخادمات الاندونسيات في البلاد.
لكن ما أراه أن الموضوع لا يمكن أن يؤخذ بالظاهر و أنه يحتاج ألى رؤية أعمق قليلاً داخل المجتمع الاندنوسي نفسه، فذلك المجتمع الذي حرر بلاده من الاحتلال الهولندي قبع بعده لفترة طويلة جداً تحت الحكم العسكري الديكتاتوري و الذي كلف البلاد الكثير من الأرواح و الأموال ولم يستطع التخلص من الحكم المستبد للديكتاتور سوهارتو إلا بانتفاضة شعبية عارمة تزامنت مع أزمة اقتصادية خانقة في عام ١٩٩٨ عجلت بنزع الحماية الأمركية عنه و بدأت اندنوسيا عهداً جديداً يتلمس خطاه نحو الديموقراطية. و لقد كانت التركة التي خلفها سوهارتو ثقيلة جداً و دامية جداً قدرها بعض المراقبين بأكثر من مليون قتيل و ثروة تزيد على ٧٠ مليار دولار وفساد مستشر في كل مفاصل البلاد و قد فشلت كل محاولات محاكمته حتى وفاته عام ٢٠٠٨.
كان من الطبيعي و البلاد تعاني من هذا الإرهاب و الاستبداد أن يكون ملف حقوق الإنسان في ذيل القائمة، و أن تكون الصحافة المسيسة بأمر الديكتاتور بعيدة كل البعد عن هموم المواطن البسيط خصوصاً لو كان يعمل بعيداً في بلاد بعيدة. لذلك لم تكن تشكل أي حادثة تحصل لأي فرد من العمالة الاندنوسية أي إحراج للبلاد مهما كانت بشاعتها أو خطورتها لأنها ببساطة سوف تطوى و لن يجرؤ أحد على الوقوف بباب الشرطة شاكياً حتى لا يتم اعتقاله.
كانت العشر سنوات اللاحقة لخروج سوهارتو من الحكم ضرورية لبدء التعافي في المجتمع الاندنوسي و لبدء تشكل الوعي بحقوق الإنسان و تكوين نواة لصحافة حرة تساهم في تشكيل الرأي العام و تضغط على الحكومة في قضايا الفساد و الحريات.
و إذا رجعنا لقصة "سومياتي" سنجد أن أول من التقط الخيط هي صحيفة محلية نشرت القصة ثم قناة تلفزونية ثم تعاقبت باقي الصحف و القنوات على النشر حتى أصبحت قضية رأي عام تتحدث عنها جمعيات حقوق الإنسان، و لأن الحكومة الاندنوسية حكومة (منتخبة) و يهمها قبل أي شيء صوت الناخب و رضاه كان لابد أن تستجيب لصوت الصحافة و أن تفعل ما فعلت.
و لكن مهما فعلت الحكومة الاندنوسية يظل أصل المشكلة عندنا، و أسبابها وجذورها لازالت متأصلة و متينة ففي ظل غياب أي قوانين أو تشريعات توضح العلاقة بين العامل و صاحب العمل ستبقى كل خادمة و سائق مشروع "سومياتي" أخر محتمل، و المواطن صاحب العمل أيضاً لا يعرف لمن يلجأ ليحفظ حقوقه في حال هروب العماله أو امتناعها عن العمل أو تسببها في ضرر شديد له أو لممتلكاته؟ و يظل المستفيد الوحيد من الحالة الضبابية تلك هي مافيا التأشيرات و أباطرة مكاتب الاستقدام الذين يتكسبون بلا خجل على حساب أمن البلاد و سمعتها