الاثنين، 30 أبريل، 2012

مقتل طارق: خطأ أم جريمة؟


يغضب كثير من الأطباء من طريقة تعاطي الإعلام مع ملف الأخطاء الطبية و يرون في طريقة نشر و تداول الأخبار المتعلقة بالأخطاء الطبية الكثير من التجني و التحريض و يشرعون بمجرد بدء الحديث عن موضوع الأخطاء الطبية في مقارنة عدد تلك الأخطاء و الحوادث بعددها في الدول الغربية و يصرون على أن المواطن (فاهم غلط) و أن الوضع عندنا أفضل بكثييير من (بلاد برا) لكن الإعلام هو الذي يفتعل تلك المبالغات و لا يفرق بين الأخطاء الطبية و بين (المضاعفات) الناتجة عن التدخل العلاجي. و قبل الخوض في تفاصيل تلك الحجج، و التي قد يكون بعضها صحيحاً ينبغي أن نشير إلى السبب الحقيقي الذي جعل الإعلام و المجتمع من خلفه بكافة فئاته محتقناً و متوجساً تجاه الأخطاء الطبية؟، و لماذا يميل الناس إلى تقديم سوء الظن تجاه أي حادثة يشتبه في كونها خطأ طبياً؟ و لماذا يتسامح الناس مع مرتكبي حوادث السيارات التي قتلت أبناءهم و ذويهم و لا يبدون ذات السماحة تجاه الخطأ الطبي المحتمل؟
في الحقيقة يحتقن الناس تجاه الأخطاء الطبية لأنهم يشعرون بمزيج من الغبن و الاستخفاف من كافة الجهات التي تتعامل مع ملف الخطأ الطبي، ابتداء بوزارة الصحة و انتهاء باللجنة الشرعية و مروراً بالقطاع الخاص أو العام مصدر الضرر. فليس من المعقول و لا من المقبول أن تحال كل قضايا الوفاة و العجز إلى لجنة شرعية محدودة الصلاحيات أقصى ما يمكن أن تحكم به هو عقوبة القتل الخطأ أي الدية الشرعية فقط لا غير، خلاف بعض الغرامات التي تتقاضاها وزارة الصحة نتيجة المخالفات الإدارية. أي أن من يفقد فلذة كبدة نتيجة إهمال فاضح أو تجاوزات أقرب إلى القتل العمد عليه أن يرضى بالدية بعد شهور طويلة من مطاردة معاملة الشكوى في أروقة وزارة الصحة الموقرة و التي ستستفيد من تعب المواطن بتحصيل غرامات ستفرض على منشأة القطاع الخاص محل الشكوى في حال حكمت اللجنه الشرعية بثبوت الخطأ. أي أن التعب من نصيب المواطن المقهور و المكسب من نصيب الوزارة الموقرة!.
للأسف ما يجري في القطاع الصحي الخاص حالياً هو أقرب إلى جريمة تعمد القتل في معظم الأحوال و لا علاقة له من قريب أو بعيد بالأخطاء الطبية، فمالك المنشأة الطبية يتصرف كالمقاول الذي يرغب في أكبر قدر من الربح بأقل النفقات فيقلل من مصروفات البناء و من اشتراطات السلامة و من عدد العمال، ثم عندما يشب حريق في المبنى أو ينهار جزء منه على ساكنيه يتم التعامل معه على أنه قضاء و قدر و يعاقب مهندس الإنشاءات المسكين و يتم ترحيله في الوقت الذي يقوم فيه المقاول بتوقيع عقد مبنى جديد و هكذا.
إن تحميل الطبيب وحده مسؤلية الخطأ الطبي هو علاج للخلل الظاهر فقط وسكوت على أساس الداء المسبب للكارثة فأمهر الأطباء لا يستطيع علاج مريض واحد بدون طاقم عمل متكامل و أدوات تشخيص و معدات جراحية و علاجية و فريق طوارئ و عناية مركزة و تمريض فائق الكفاءة. ولأن تلك التجهيزات مكلفة فإن مالك المنشأة يستسهل في تجهيزها و يضغط على الطبيب (المستقدم من الخارج غالباً) ليقبل العمل بدون أي من تلك الوسائل بل ويعاقبه في بعض الأحيان على تبديد الوقت إن أطال الجلوس مع المريض. و هو مطالب برقم معين من الدخل كل شهر و إلا فإن الترحيل بانتظاره. ترى هل يلام طبيب في تلك الظروف إن تهاون أو أخطأ التشخيص أو أساء التصرف؟ وهل سيكون و هو المغترب الأجنبي أرحم بإبن الوطن من شقيقه المواطن صاحب المنشأة؟ وهل يعقل في حال وقوع الخطأ أن يعاقب هذا الطبيب وحده و يترك صاحب المستشفى أو المستوصف بدون عقاب سوى غرامات تافهة يصرف هو أضاعفها كل شهر على بند الدعاية؟
نشرت صحيفة سبق في يوم ٢٩-٥-١٤٣٣ خبراً مفاده أن ورثة المرحوم طارق الجهني أحد أشهر ضحايا الأخطاء الطبية قد حصلوا على أمر بفتح تحقيق جنائي في ملابسات موت طارق و أن ذلك الأمر استغرق أكثر من عامين و تطلب استعانة بمنظمة العفو الدولية لإقناع الجهات التنفيذية ببطلان حكم اللجنه الشرعية لأن القضية ليست قتل خطأ. و ما أتمناه و أرجوه أن يوفق الله محامي الأسرة المكلومة في إثبات الجرم الجنائي حتى يسجل سابقة تعيد فتح الملفات المغلقة على جراحات أهلها و تبث حمرة الخجل في وجه مسؤليي وزارة الصحة الذين استطابوا الاكتفاء بتحصيل الغرامات دون حرص حقيقي على تغيير الواقع الفاسد!


العبارات باللون الأحمر لم تنشر في الصحيفة

الجمعة، 27 أبريل، 2012

صاحبة الجلالة...مريضة!


لنبدأ بقصة قصيرة تصلح كمدخل لموضوعنا. نشرت صحيفة سعودية قبل بضعة أشهر تقريراً عن تكدس جثث الموتى في جازان و لجوء مديرية الشؤون الصحية هناك لحفظ الجثث في سيارات تبريد الخضار و الفواكه،بعد نشر الخبر بأيام تم تغيير مدير الشؤون الصحية هناك و تعيين مدير جديد. حاولت الصحيفة الخروج بأي تصريح من مسؤوليي الوزارة يربط بين تغيير مدير الشؤون الصحية و بين تقريرها عن ثلاجات الخضار التي استخدمت للموتى، و عندما نفت وزارة الصحة تلك العلاقة و بررت التغيير بأنه روتيني و مقرر سلفاً، تباكت الصحيفة على الشفافية المفقودة و على غياب حس المصارحة في المؤسسات الحكومية. لكن الطريف في الأمر أن رئيس تحرير ذات الصحيفة تمت إزاحته عن منصبه بعد الحادثة بأسابيع لأسباب تتعلق بتقرير آخر نشر عن ذات المنطقة أيضاً، و لم تجرؤ الصحيفة التي تباكت على غياب شفافية المؤسسات الحكومية قبل أيام على الإشارة و لو إشارة عابرة إلى خبر الإقالة فضلاً عن ذكر أسبابه أو حيثياته أو تداعياته، و كأن القارئ الذي يدفع من دخله البسيط ميزانية الصحيفة و يمنحها زهو الانتشار ليس له أي قيمة في حسابات الشفافية المفقودة.
تلك القصة ليست خاصة بصحيفة دون عينها، و قد أوردتها فقط للدلالة على حجم الخلل الذي تعاني منه الصحافة المحلية لدينا فخبر إقالة أي رئيس تحرير يعامل بحساسية غريبة، و تتواطأ كل الصحف الحكومية على تجاهلة كأنه لم يحدث قط، ولولا التسريبات و المنتديات الإلكترونية و تويتر و فيس بوك لظل الخبر أشبه بجريمة الشرف التي يتجاهلها الجميع علانية و يتهامسون عنها سراً.
ذلك التجاهل و الإعراض عن النشر يشير إذا أحسنا الظن إلى نوع من الخجل تمارسه الصحافة نتيجة الارتباك و عدم الفهم الذي تقع فيه عندما تمتحن في نقاط حساسة تخص استقلاليتها و مدى ارتفاع او نخفاض سقف حريتها. و عندما تفشل في تقدير ارتفاع السقف يقع الارتطام و الدوار و فقدان التوازن. ثمة منطقة رمادية لازالت تحكم علاقة الصحافة بالخطوط الحمراء و الخضراء، و مهما كتبنا من معلقات و قصائد عن الحرية التي بتنا نملكها مقارنة بالماضي فسنظل نخدع أنفسنا مالم نجرؤ على ملامسة النقاط الحساسة و التي تمس جوهر العمل الصحفي الحقيقي كاستقلالية الصحف، و حريتها و حقوق الصحفي المهنية و القانونية.
و إذا كنا نلتمس العذر للصحافة المحلية في غياب استقلاليتها و تماهيها مع الرأي الرسمي فإننا لا نجد أي عذر أخلاقي يبرر غياب تلك الاستقلالية أمام سطوة ريالات المعلنين، فقد تتفانى صحيفة ما في تتبع أخبار المرافق الحكومية الخدمية و تسلط عين النقد القاسية على زلاتها و أخطائها و تطالب بأعلى صوتها بمحاسبة المسؤلين عن تلك الزلات، لكن ذات الصحيفة تتحول إلى حمل و ديع و كائن فلسفي لا يسمع و لا يرى و لا يتكلم عن شكاوى يضج بها الناس و تصخب بها المجالس عن تجاوزات ارتكبتها إحدى الشركات العملاقة التي تعلن في الصحيفة بمبلغ يتجاوز الست خانات، و حرصاً على تلك الميزانية فلا مانع من بعض التجاهل الذي يحافظ على الدخل حتى لو أغضب القارئ قليلاً و حتى لو استهلك شيئاً من رصيد المصداقية لديه.
لكن العجيب أنه رغم كل تلك السلبيات التي ذكرناها، ورغم توفر البديل الأكثر مهنية و مصداقية و حرارة في الطرح فإن تلك الصحف لازالت صامدة و لازالت تواصل الصدور، بل و هناك صحف جديدة تطل برأسها على الساحة، فكيف تجتمع تلك السلبيات و ذلك الرواج سوياً؟
في رأيي أن ذات السلبيات التي ذكرنا هي مصدر الدعم و الثبات الذي تتمتع به الصحف، فغياب الاستقلالية و التماهي مع الرأي الرسمي له مقابل يتمثل في الدعم الحكومي عبر اشتراكات الدوائر الحكومية و إعلاناتها و التي تمثل دخلاً لا يستهان به و الذي ربما يكون السبب الوحيد الذي يمنح صحفاً ضعيفة التوزيع إلى حد كبير كصحيفة الندوة مثلاً القدرة على البقاء و الصدور حتى اليوم.
السبب الثاني لقدرة الصحافة المحلية التقليدية على البقاء هو الدخل الإعلاني، ولا أعني هنا الإعلان التجاري التقليدي فقط بل الإعلانات ال(بين بين)، و التي تتمثل في إعلانات التهاني و الترحيب بقدوم ذلك المسؤل أو سلامة الآخر و كذلك إعلانات التعزية و الشكر على التعزية و كلها إعلانات ذات خصوصية سعودية إلى حد كبير و قد أثمرت دخلاً بعشرات الملايين لتلك الصحف. و لكن وسط كل تلك الحسابات المعقدة أين يكمن الاهتمام بالقارئ؟ هل لازال لرأي القارئ أي اعتبار لدى صحفنا؟ أعد قراءة عناوين الصحف اليوم..و احتفظ بالإجابة لنفسك!

العبارات باللون الأحمر لم تنشر في الصحيفة

الجمعة، 20 أبريل، 2012

حساء بنكهة الدجاج!


صاحب صدور الجريدة التي بين يديك عزيزي القارئ نقاش و جدل ثري حول مستقبل الصحافة الورقية، و كان ذات السؤال يطرح كل يوم تقريباً ليجيب عليه كتاب مختلفون بآراء مختلفة. ترى هل لازال هناك مستقبل للصحف الورقية؟ أم أن الزمن تجاوزها و باتت رهينة الماضي؟
لا أنكر هنا أن الجدل كان مثمراً و مفيداً و استعرض كل طرف معلوماته و رؤيته الشخصية التي لا تخلو من وجاهة في معظم الأوقات. لكن شيئاً ما في مجمل الموضوع كان يبدو لي ساخراً و غير جدي. هاجس ماكر في داخلي يخبرني أن لا أحد ممن كتب في الموضوع يؤمن تماماً بما يقول لا أصحاب المدرسة القديمة ولا الجديدة، ثمة أمر تواطأ الجميع على إخفائه و الإعراض عنه و التظاهر بأنه غير موجود، أمر يختص جوهر الصحافة الحقيقية التي يتحدثون عنها، و هل هي موجودة لدينا بالفعل حتى نناقش أي قوالبها أفضل الورقي أم الإلكتروني؟ ذلك الهاجس الماكر كان يلح علي في كل مرة ليقول لي إنهم يعرفون كل شيء و يتظاهرون بالعكس. يعرفون أن هناك فرق بين الصحافة القوية صاحبة التأثير و السطوة و الرؤية الثاقبة و الصحافة منزوعة الدسم التي نتحاور حولها.
إن المفاضلة بين الصحافة الورقية و الإلكترونية هي كالمفاضلة بين أي الطريقتين أفضل لطهي الدجاج و هل الشواء يمنحه طعماً أفضل أم القلي، في حين أننا لا نملك دجاجاً حقيقياً و أن كل ما لدينا في أفضل الحالات هو مكعبات مرقة الدجاج و التي لا تصلح إلا لصنع حساء بنكهة الدجاج لا أكثر.
صحيح أن ذلك الحساء لذيذ الطعم في معظم الأحيان و صحيح أنه خفيف على المعدة و لا يصيب بالتلبك، أو عسر الهضم. و ربما تقتنع بجودته و فضله على أطعمة الدجاج الأخرى التي تقدم في المطاعم الخارجية، و التي لا تضمن سلامتها من الأمراض أو تشبعها بالدهون الضارة. و سيتحول اقتناعك إلى إيمان كامل لو كانت (أم العيال) المصونة هي من يقدم وجبة الحساء تلك وهي من يحاول إقناعك على الدوام بجدواها. لكنك لن تستطيع رغم كل الترغيب و الترهيب الذي تمارسه أم العيال أن تقاوم شوقك إلى وجبة دجاج حقيقية، غنية بالبروتين و الدسم، ستهرع دوماً إلى أقرب مطعم في كل مرة تحدثك نفسك بحاجتها إلى وجبة من الطعام الحقيقي، خصوصاً لو كان يقدم بطريقة جذابة و بنكهة حراقة غنية بالبهارات، ستحتمل تأنيب أم العيال و اتهامها لك بالخيانة، و ستحتمل مشاكل حرقة المعدة المصاحبة للوجبة الدسمة، و ربما تشعر بتأنيب الضمير تجاه فعلتك التي فعلت لكنك تدرك في قرارة نفسك أنك لا بد عائد لتناول تلك الوجبة، لن تهتم عندما يستبد بك الجوع نحو الدجاج الحقيقي إن كان مشوياً أو مقلياً أو حتى مطهواً على البخار، ستقبل أن تجرب كل شيء شريطة أن يكون مُشبِعاً و دسماً و مطهواً بطريقة جيدة تجعله لذيذ الطعم.
و بالعودة لموضوعنا الأساسي نجد أن ذات المواصفات الضرورية لوجبة الدجاج تنطبق بشكل أو بآخر على الصحافة، فالقارئ يبحث عن صحافة قوية النكهة، مشبعة بالمعلومات، مبهرة في الصياغة و خالية من الأكاذيب. صحافة يعلم أنها لن تضلله عند ذكر الحقائق، و لن تتبنى وجهة نظر (أم العيال) على طول الخط حتى لو كانت على خطأ. القارئ أصبح يملك القدرة على ارتياد المطاعم الأخرى و يستطيع كلما اشتاق للمعلومات الدسمة أن يغير القناة و يلجأ للمطاعم الأجنبية مهما حذرته (أم العيال) من ضررها. قد يصبر القارئ على حساء الدجاج منزوع الدسم لأنه الأسهل و الأكثر توفراً ،خصوصاً عندما يكون مريضاً و غير قادر على الأكل الدسم، أو لأنه يوقر أم العيال و لا يرغب في معارضتها. وذلك القبول قد يكون خادعاً لأم العيال و الحماة اللتان قد تقتنعان لبعض الوقت أن الرجل قد استكان و استسلم و رضي بالمقسوم. لكنهما في ذات الوقت تعلمان علم اليقين أنه يجامل و أنه يغش مهما ادعى الولاء و أن السمنة البادية عليه مصدرها وجباته التي يتناولها في الخارج معظم الوقت. لذلك فهما تعرفان أكثر من غيرهما أن إقباله على الحساء بنكهة الدجاج لا علاقة له بجودة الحساء ولا بقدرته على منافسة المطاعم الأجنبية و أن أي خلاف يحدث مع أم العيال مستقبلاً سيفضح المستور و يكشف ستائر الوهم التي يفضل الجميع الحفاظ عليها تجنباً للحرج
في الأسبوع القادم نتحدث عن مميزات حساء أم العيال وكيف ظل صامداً فوق المائدة حتى الآن؟

الأحد، 8 أبريل، 2012

متاهة البحث عن برايان!


سردت في الأسبوع الماضي تفاصيل لقاء حدث بين مبشر أمريكي في جدة يدعى برايان و بين مجموعة من الشباب السعوديين و إدعاء برايان في حديثه أنه على تواصل مع مالايقل عن ٢٥ مسيحي سعودي!. و قد أثارت العبارة الأخيرة ردود فعل متباينة خصوصاً بعد ان التقطتها بعض المواقع الإلكترونية الإخبارية و المنتديات و عممتها كأنها خبر صحيح، و تداولها القراء بالتعقيب و النقاش و الجدل الحاد في بعض الأحيان دون التحقق أو التثبت من المعلومة أو مصدرها و هل هي معلومة موثوقة أو دون ذلك!.
هناك فرق كبير بين الخبر الصحفي و بين التصريح، فالمعلومة لابد أن تكون مستندة إلى وثائق أو مقابلات أو شهادات متعددة المصدر كي ترقى إلى مستوى الخبر أما التصريح أو الادعاء فيظل قولاً لا ينسب إلا إلى قائله و يحتمل التكذيب و التصديق و لايمكن نقله أو التعاطي معه إلا بنسبته إلى قائله و هو مالم يحدث في رواية برايان عن أصدقائه المسيحيين ولا في الاستنتاجات و الشهادات التي بنيت عليه مما يضع علامة استفهام كبيرة أمام مصداقية المواقع الإخبارية التي نقلته و علامة استفهام أكبر أمام طريقة تفكيرنا كمجتمع و تعاطينا مع الوقائع بالعاطفة لا بالعقل.
كان السؤال الذي طُرح في نهاية المقال عن كيفية التعاطي مع حادثة برايان و قد تفاوتت الردود و الاتصالات بين فئة مخلصة ترى أن الموضوع أعطي أكبر من حجمة بكثير، و أنه من الطبيعي في هذا العصر أن يملك أي شخص حرية الحديث عن دينه و الدعوة إليه تماماً كما يفعل دعاتنا و علماؤنا في الداخل و الخارج. كما ترى أن التعاطي معه إعلامياً بهذة الطريقة سيؤدي إلى احتقان و تجييش بين فئات المجتمع و استحضار لشبح فتنة حمزة كشغري و ما جرته من مواجهات محزنة.
على الطرف الآخر كانت الكثير من الآراء المتحمسة تنادي بالحل الأمني و تقترح اللجوء إلى الأمارة أو الشرطة أو الهيئة أو حتى المحكمة العامة (للقبض) على برايان و معاقبته على فعلته، ودافعهم بالطبع الغيرة على عقيدة أبناء الوطن و الخوف من تغلغل التيار التبشيري تحت أقدامنا دون أن نشعر.
و الحل من مجهة نظري يقع في منطقة وسط بين الطرفين، فالمسألة أكثر تشعباً و عمقاً من أن يحتويها الحل الأمني، فبغض النظر عن برايان و مرجعيته فإن أي مسيحي متدين يقيم في البلاد يستطيع أن يدير عشرات الحوارات يومياً مع مئات الأشخاص و يثير ذات الشبهات، وليس من المنطق أن نسجن أو نرحل كل من تحدث في ذات الموضوع.كما أن ذات الشبهات تقابل الجميع تقريباً في وسائل التواصل الحديثة عبر القنوات الفضائية و مواقع التواصل الاجتماعي و رسائل البريد الإلكتروني.
مما يستحيل حجبه أو السيطرة عليه بالمنطق الأمني.
في المقابل لا أعتقد أن شيوع الأمر أو مخافة الفتنة تستوجب الإعراض عنه و السكوت عن مناقشته تحاشياً للتهييج، فلقد علمتنا التجارب أن الصمت لا يؤدي إلا إلى تفاقم المشاكل و تطرفها حتى تتحول إلى سرطان يصعب التعامل معه أو السيطرة عليه. وحده النقاش و طرح الأسئلة هو ما يعطي الأحداث حجمها الطبيعي بعيداً التهوين أو التهويل.
ما نحتاج أن نتحدث عنه و نناقشه بصراحة هنا كمشكله حقيقية هو لماذا أصبنا جميعاً بالذعر من محاولة تبشير بدائية و نحن أكثر بلاد الدنيا عناية بالمناهج الدينية و الأكثر كثافة في تدريسها و الأكثر تصديراً للدعاة حول العالم؟ هل اتبعنا وسائل التربية الصحيحة لمواجهة عصر الانفتاح الذي نعاصره راضين أو مرغمين؟ و هل ثقافتنا الإسلامية مبنية على الحوار و النقاش و المجادلة بالتي هي أحسن أم لازالت تخضع لمبدأ التلقين الذي لا يجدي في مثل هذه المواقف؟
ألم يحن الوقت كي نُشعِر أولادنا بالأمان كي يسألوا و يناقشوا ما يعترضهم من شبهات دون مخافة أن يتهموا بالزندقة و الكفر فيفضلوا كتم ما يعتريهم حتى يتعاظم و يصبح حالة معقدة غير قابلة للإصلاح؟
إن طبيعة المجتمع الإلكتروني المبني على التواصل اللامحدود تجعلنا في مواجهة عصر جديد يضعنا أمام أسئلة و تحديات كبيرة ويخضع ثوابتنا و عقيدتنا للتساؤل و التشكيك و مالم نتحصن بالثقة و المعرفة و السماحة مع الأبناء و الاستعداد للمجادلة بالحسنى فسوف نفاجأ بتحول أبنائنا بأعداد أكبر بكثير من التي ذكرها برايان في حديثه و لن يجدي وقتها أن نسجن برايان أو حتى نعلقه على أعواد المشانق!

عالم: رئيس «أدبي مكة» لم يستوعب ثقافة الانتخاب... وسيلقى «حساباً عسيراً»



مكة المكرمة - صلاح القرشي

أكد الدكتور فراس عالم، عضو الجمعية العمومية في نادي مكة الأدبي، أن رئيس نادي مكة الدكتور حامد الربيعي، لم يستوعب بعد عملية الانتقال من ثقافة التعيين إلى ثقافة الانتخاب. وقال عالم لـ«الحياة» على هامش قضية لجنة الإصدارات وتوقيع رئيس النادي بديلاً عن رئيستها الناقدة أمل الثقامي وما صاحب ذلك من تناقض وارتباك في خطابات النادي حيال هذه القضية: «مع تقديري الكبير للدكتور حامد الربيعي كقامة كبيرة في المشهد الثقافي المحلي، إلا أنه وبعض أعضاء مجلس الإدارة المنتخب لم يستوعبوا عملية الانتقال، من ثقافة التعيين إلى ثقافة الانتخاب، وما يتبعها من تحول سلطة القرار من مركزية في يد المدير - المسؤول إلى جماعية تخضع للرقابة والمساءلة، من مجلس منتخب وجمعية عمومية يفترض أن تكون رقيباً حاضراً على الدوام».
وأشار إلى أن التناقض في التصريحات في هذه الحادثة، «مثال واضح على الشفافية المغيبة، التي لا تستقيم في مؤسسة ثقافية منتخبة. فالدكتور الربيعي يصرح بأن المجلس أقر بقانونية الإجراء وسيصدر (المجلس) بياناً بذلك، في حين يصرح المتحدث الرسمي الدكتور فدعق، بأن المجلس ينتظر بياناً (توضيحياً) من طرفي الموضوع لمناقشته، وإصدار قرار بناءً عليه والفرق في المعنى كبير».
وقال عالم إن ما يرجوه كعضو جمعية عمومية، «أن يستوعب المجلس الهدف الأسمى للنادي كمؤسسة ثقافية يفترض أن تخدم أبناء البلد، وتشعل فتيل الحراك الثقافي، لا أن يستخدم النادي ثغرات اللائحة كوسيلة للتصفية والإقصاء، وتعطيل المشاريع القائمة بحجة اللوائح وتمرير مشاريع أخرى بالحجج ذاتها»، معتبراً أن الوقت حان «كي يتدارك المجلس أخطاءه المتراكمة التي أصابت المجتمع المكي كله بالإحباط. ولا أعتقد أن المجلس استوعب حتى الآن فقه ثقافة الانتخاب، وأن الأصوات التي وضعتهم في موضع المسؤولية ستحاسبهم حساباً عسيراً، على ما حدث ويحدث من منازعات وتحزبات، أساءت كثيراً للفعل الثقافي ولسمعة النادي المكي العريق».
من جهة أخرى، دخل نادي مكة الأدبي في اليومين الماضيين، حال من الارتباك والتناقض، في مواجهته لما حدث لرئيسه الدكتور حامد الربيعي مع خطاب لجنة الإصدارات.
ولاحظ كثير من المتابعين هذه الحال من الارتباك والتناقض، التي طغت على مواقف أعضاء مجلس إدارة النادي تجاه الخطاب الذي بعثه أعضاء لجنة الإصدارات السابقة، الذي يتهمون فيه رئيس النادي الدكتور حامد الربيعي، بالتوقيع نيابة عن رئيسة اللجنة أمل القثامي في خطاب سري موجه لعضو مجلس الإدارة الدكتور عدنان الحارثي لاعتماده محكماً لأحد الكتب، بعيداً من لجنة الإصدارات المنوطة بمثل هذا الأمر. وفي حين رد الدكتور حامد الربيعي قائلاً: «إن الموضوع قد نوقش في اجتماع مجلس إدارة النادي، وسيصدر بيان عن المجلس يوضح حقيقة الأمر، وأن ما تم من إجراء بشأن الكتاب المذكور ليس فيه أي تجاوز لأحد، بل هو الإجراء الذي ينبغي أن يتخذ وفق ما تقتضيه طبيعة الموضوع والمصلحة»، وصرح عضو مجلس الإدارة والمتحدث الرسمي باسم النادي الدكتور عبدالله فدعق، بأن المجلس «استعرض خطاب لجنة الإصدارات السابقة في جلسته التي عقدت يوم (السبت) الماضي، وأوصى الحضور بأن يعد كل من الدكتور الربيعي والأستاذة أمل القثامي بياناً تفصيلياً سيقوم النادي بنشر محتواه فيما بعد».


الثلاثاء، 3 أبريل، 2012

برايان و المسيحيون السعوديون


بدأت الحكاية بطلب صداقة على الفيس بوك، استقبل الشاب السعودي حديث التخرج و الذي سنتفق هنا على تسميته"أحمد"، استقبل طلب الصداقة كما يستقبل عشرات الطلبات التي يطالعها أسبوعياً، كان الطلب من شخص أمريكي تقول صفحته أن اسمه "برايان" تتوسط الصفحة صورة كبيرة له مع زوجته و أطفاله الثمانية. و هو ما لفت "أحمد" كونه من النادر جداً أن تصادف شخصاً أمركياً لديه هذا العدد من الأطفال، قبل أحمد طلب الصداقة من صديقه الجديد، و تفاجأ بأن مجموعة كبيرة من أصدقاء دراسته قد تلقوا طلباً مشابهاً و قبلوه كذلك و لم يلبث برايان أن بدأ بمراسلتهم بشكل جماعي.
أبدى برايان في رسائله الأولى إعجابه بالثقافة الإسلامية و أخبرهم أنه أمضى ثلاث سنوات من حياته في الشرق الأوسط قبل أن يعود إلى الوطن، و قد كان معجباً جداً بكرم الضيافة و الترابط العائلي و حماية النساء في المجتمع المسلم. و رغم أنه أمركي فإنه لا يثق كثيراً في آراء حكومته تجاه الشرق الأوسط.
أبدى أحمد و أصدقاؤه ترحيباً بصديقهم الجديد، و ردوا عليه ردوداً مرحبة، و تجاوب هو معهم بأن بدأ الحديث عن أسرته و نشأته و دراسته. و شيئاً فشيئاً تسرب الحديث إلى معتقداته، فأخبرهم بأنه نشأ في أسره متدينة ظاهرياً تزور الكنيسة كل أسبوع لكنها لا تقرأ الإنجيل، و أنه أخضع معتقداته للتشكيك عندما قرأ عن الإسلام و تساءل لماذا لا أكون مسلماً؟ و أنه دعى الله كثيراً كي يرشده إلى طريق الحق!.
بثت كلماته الحماسة في أصدقائه الشباب خصوصاً عندما أخبرهم برغبته في مقابلتهم في زيارته القادمة للسعودية. و لم يتأخر الوعد حتى تلقوا منه اتصالاً يفيد بوجوده في جدة بعد أن أنهى أعمالاً في المنطقة الشرقية!. رتب الشباب عشاء بسيطاً ترحيباً بقدوم الضيف (الحائر) و الذي يطمعون في إسلامه. لكنهم فوجئوا عندما استقبلوه و قابلوه بشيء مختلف في شخصيته.
كان برايان ودوداً و مهذباً، لكنه أبعد ما يكون عن شخص حائر، كان كلامه يمتلئ ثقة و معرفة بما حولة و يتصرف كأنه يعرف البلاد منذ سنوات، كما أنه يتحدث العربية بطلاقة لا بأس بها و يخلطها بلهجة مصرية مما دفعهم لسؤاله عن مصدر تعلمه للعربية فأخبرهم بأنه أمضى سنوات طويلة يعمل في مصر و السودان و مناطق أخرى كما أنه يزور السعودية بانتظام لإتمام أعماله، و عندما سألوه عن طبيعة تلك الأعمال لم يتردد في أن يخبرهم أنه يُدَرِّس الإنجيل (I am teaching bible). طوقت الصدمة مجموعة الشباب اليافعين و وجدها برايان فرصة للانطلاق أكثر في الحديث فأخذ يتحدث عن الكتاب المقدس و استحالة تحريفه. و تمادى أكثر ليحدثهم عن معرفته بأحمد ديدات و غيره من الدعاه و أنه يحترمهم لكن لديه إثباتات قاطعة بخطأ معتقداتهم، و أنه أقنع الكثيرين بها ثم ألقى مفاجأته الكبرى عندما قال" هل تعلمون بوجود مسيحين سعوديين؟" واصلت الدهشة عقد ألسنتهم فتابع هو "أنا على تواصل بما لا يقل عن ٢٥ مسيحي سعودي". و أخبرهم أنه يأتي بين فترة و أخرى لزيارة هؤلاء الأصدقاء. و قبل أن يستفيق أحد من هول الصدمة شكرهم على لطفهم و عاد إلى حيث يسكن و هو يؤكد رغبته في لقاء آخر.
استغرق الشباب وقتاً حتى يصدقوا أن كل ماجرى أمامهم حقيقي و ليس خيالاً، و بعد مشاورات بينهم قرروا أن الأمر خطير ولا بد من تبليغ الجهات المسؤلة لمتابعة نشاط برايان المشبوه. اتصلوا بهيئة الأمر بالمعروف بجدة، حدثوهم بقصة برايان و ما يزعمه عن نشاطه، أخبروهم أنهم يملكون رقم هاتفه و يعرفون مقر سكنه، لكن الموظف لم يبد اهتماماً و عندما علم أن برايان ينزل في مجمع سكني مغلق يخص إحدى المؤسسات الكبرى في البلاد اعتذر بأنهم لا يملكون صلاحيات تجاه المجمعات السكنية المغلقة و أن ذلك قد يسبب لهم مشكلة كبيرة و أغلق الخط.
أصيب الشباب بالإحباط، هاتفني "أحمد" ليستشيرني. أطلعني على صفحة برايان و المراسلات التي بينهم. حكى لي القصة كاملة و سألني بعد أن أحبطه البرود الذي أبداه مكتب الهيئة، هل هذا طبيعي؟ هل علي تجاهل الأمر و اعتباره حوار ثقافات؟ أم أن الأمر خطير و يحتاج تدخلاً من جهة رسمية؟ و ما هي هذه الجهة؟ و كيف الوصول إليها؟ لم أجد ما أجيبه به سوى نظرة حائرة، و ها أنا أنقل حيرتي إليكم...فما الحل برأيكم؟