الأربعاء، 26 سبتمبر، 2012

العصافير تتبادل السباب!


ظل إنسان العصور القديمة ينظر للطيور بكثير من الرهبة، و كان يعتقد و هو الذي لا يرى أبعد من مد بصره و تحاصره الأخطار من كل مكان و يكاد يهلك دون قوت يومه، أن هذه الطيور بقدرتها على التحليق و رؤية كل شيء تحتها و سرعتها في التنقل من مكان لآخر يرى أنها ذات قدرات روحية خارقة. فنسج حولها الأساطير و الخرافات و جعل منها مصدراً للقوة و المعرفة و ربما السحر و الشر . و تسربت لكل قصص الشعوب تقريباً قصص البطولات التي تربط الملك أو البطل بقدرته على التواصل مع الطيور و الأخذ بنصائحها.
ولكن التراث العربي يكاد ينزع عن الطيور تلك الرهبة و يؤنسنها في أدبياته، بل و يجعلها رمزاً للحب و معاناة الحبيب كما يقول أبو فراس الحمداني في قصيدته الشهيرة
أقول و قد ناحت بقربي حمامة // أيا جارة هل تشعرين بحالي؟
ثم يستمر في حواره الحزين معها و الذي ينكر عليها البكاء و هي التي لا تعاني الأسر أو الحرمان فيقول لها..
أيضحك مأسور و تبكي طليقة؟// و يسكت محزون و يندب سالٍ؟
و تراث مخاطبة الحبيب للطيور و تعلقه بها منحها انطباعاً رومانسياً طاغياً حتى اليوم، فالفتى المحب يهدي حبيبته عصفوراً ملوناً في قفص تعبيراً عن حبه، و لا شيء يهيج أحاسيس الحب لحظة لقاء العاشقين كزقزقة العصافير فوق الشجر وقت الغروب، و التي تبدو كأنها معزوفة الطبيعة التي تبارك الحب و لحظة اللقاء.
لكن هل العصافير و الطيور بتلك الرقة التي نعتقد؟
إن الحوار الموثق الوحيد بين البشر و الطير هو الحوار الذي نقله لنا القرآن الكريم بين نبي الله سليمان عليه السلام و الهدهد، و إذا تأملت مفردات ذلك الحوار تجده حواراً أقرب إلى السجال يستخدم فيه الهدهد ذو الريش الذهبي و المنظر الخلاب عبارات بالغة القوة تكاد تفتقر إلى التهذيب في حضرة النبي الملك. فيقول له "أحطت بما لم تحط به!” ثم يسرد له قصة بلقيس و قومها و لا يهاب تهديد سليمان بالعذاب الشديد و الذبح بل يتم مهمته و ينقل الرسالة دون أن يبالي بخطر القنص!. ولعل قوة شخصية الهدهد و جرأته هي التي جعلت نبي الله سليمان يستشعر نعمة الله عليه عندما يقول " يا أيها الناس علمنا منطق الطير و أوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين".
تخوض الطيور معركة قاسية مع الطبيعة، تهاجر كل عام لآلاف الأميال بحثاً عن الدفء و الغذاء، تلتزم بنظام قاس في الترحال، تتبع قائدها و تحمي بعضها بعضاً فلا تطير منفردة حال هجرتها. تتنافس و تتصارع في ما بينها على الغذاء و الإناث في وقت الحل، يسعرض الذكور مهاراتهم في النزال و الصراخ، و لا بأس ببعض الدماء إن استلزم الأمر، لذلك لا تتعجب إن عرفت أن تلك المعزوفة الجميلة من التغريد التي كنت تهديها لحبيبتك وقت الغروب ليست إلا فصلاً طويلاً من السباب و الردح تتبادله العصافير الملونة فيما بينها. و أن الحمائم الرقيقة التي ظل أبو فراس يحاورها دهراً كائنات صلبة مقاتلة لا وقت لديها للدموع و الرومانسيات التي صدعها بها الشعراء!.
لكن ما مناسبة هذا الحديث المسهب اليوم عن العصافير؟ في الحقيقة لم تعد خصائص العصافير حكراً عليها. لقد تم استنساخها ليمارس البشر ذات الصفات(السلبية للأسف) عبر اختراع حديث إسمه المغرد و ينادونه استسهالا بـ (تويتر).

في تويتر تتعرف الطيور على بعضها منذ أول تغريدة، تتقارب ذات اللون الواحد حتى تتداخل فتشكل سديماً عظيماً له رأس واحد و ذيول كثيرة، رأس ينطلق بها حيث شاء و تتبعه هي بلا نقاش. تمارس ذات الصراع الحاد و الصاخب ولكنه يسمى هنا تغريداً. تجد تماماً كما في الطبيعة كل المغردين يتحزبون حول قائدهم في تجييش تام و استعداد للنزال مع الطيور ذات الأشكال الأخرى طوال الوقت. لم يحدث قط في تويتر أن تخلى مغرد ما عن سربه لينضم إلى سرب آخر مهما طال سجال الإقناع.
في تويتر تعلو أصوات التغريدات و تتداخل حتى تشكل ذلك المزيج الصاخب من السجال و الشتائم بلا هدف و لا نتيجة لكن شخصاً ما مصاب بداء التفاؤل يراه معزوفة الديموقراطية!
قد يشعرك تويتر بالحماسة و الحفة لبعض الوقت، قد يحلق بك في نشوة الانطلاق و القدرة على التغيير لكن لا تنس أن أي تغيير حقيقي على الأرض أبعد كثيراً من أن تنجزه معزوفة عصافير تتبادل السباب!


أتركوا مصر للمصريين!


"لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً".. قالها الزعيم الوطني مصطفى كامل في نضاله ضد المحتل الانجليزي قبل قرن من الزمان و ظل صداها يتردد عبر الأجيال، عبارة مغموسة بالوطنية و الصدق و الشعور بالانتماء رغم كل ما كانت تعانيه مصر في ذلك الوقت من ألم الإحتلال و ذل الاستعمار، رغم الفقر و الأمية و الفساد السياسي.
محبة مصر و أرضها و أهلها ليست حكراً على المصرين وحدهم فكل عربي شاء أو أبى عرف أو لم يعرف مدين لمصر بالفضل في مرحلة من مراحل حياته و تكوينه، و لا تكتمل عروبة العربي حتى يخالط قلبه هوى مصر و نيلها و ترابها. شخصياً لا اعتبر مصر إلا وطني رغم الحدود و السياسة و الجغرافيا، كيف لا و أول من طبب الجسد الصغير مصري، و أول من علمني الحرف وداواني من داء الجهل مصري، و أول من أخذ بيدي نحو عالم القراءة و الأدب مصري، و أول من دوزن أوتار القلب و صاحب رحلة الحبيبة مصري. فأنا وربما أنت و كثير من الناس خليط من الهوى و المشاعر المدموغة بوسم مصر و رائحتها و ناسها، استحضر في ذهنك الآن أجمل القصائد التي قرأتها في صغرك و أجمل الأغاني التي سمعتها وأجمل الأفلام و المسرحيات التي شاهدتها، أجمل القصص و الروايات ستجدها لا تخلوا من قائمة طويلة من الأسماء المصرية . استرجع قائمة أفضل معلميك في المدرسة و الجامعة، طبيبك في المستشفى، جارك في الحي، ستجد الكثير من النجوم اللامعة الذين لونوا حياتك و رسموا على جدران القلب أزهار الحب و الحياة التي صنعت منك ما أنت عليه الآن.
عندما ثارت مصر في الخامس و العشرين من يناير و حج المصريون تجاه التحرير وقف العالم كله على قدم واحدة و حبس أنفاسه مترقباً ذلك الحدث العظيم، كانت لحظة نادرة من لحظات التاريخ التي يتوحد فيها شعب كامل في صورة بطل اسطوري جبار لكنه رحيم في ذات الوقت، ثائر على الظلم و حنون على أبنائه المظلومين، كانت و لا زالت ثورة بيضاء لا تليق إلا بمصر و المصريين.
مضى المصريون في بحر ثورتهم تجري بهم الريح ـ كما الدنيا ـ في سلاسة حيناً، و تشد العواصف من حولهم حيناً آخر، تميل دفتها قليلا نحو اليمين و لكنها لا تلبث أن تبحث عن طريقها المستقيم، قد يبدو الشعب الذي استعاد سفينته مرتبكاً و غير متمرس على دفة القيادة لكنه بالتأكيد لن يقبل أن يفقد السيطرة على الدفة مرة أخرى مهما كلف الثمن.
جيراننا الطيبون الذين احتفلوا بنصرهم لازال أمامهم الكثير من العمل، الكثير من الجهد لترتيب الدار و نفض الغبار و إخراج الأثاث الفاسد و القمامة كريهة الرائحة، لازال عليهم أن يعيدو تأثيث المنزل لجعله مكاناً صحياً و نظيفاً و صالحاً للحياة. لكنهم بالطبع و في غمرة الترتيب و التنظيف لن يكون صالونهم في كامل جاهزيته لاستقبال الضيوف و الجيران، ربما أصابه شيء من الفوضى، شيء من الغبار، أو حتى بعض الرائحة الغير مستحبة التي أثارتها إزاحة أكوام القمامة.
إن أحوج ما يحتاجه جيراننا الطيبون في هذه الفترة هي دعمهم، مساعدتهم في مجهودهم العظيم، تقديم ما يقدمه أي جار لجاره الطيب عندما ينقل أثاثه و ينظف بيته. و إن لم تفعل فإن أقل القليل هو أن تغلق بابك و تكف أذاك عن جارك و تدعه و شأنه.
المصريون اليوم ليسوا بحاجة لجار ثرثار يقف على آخر السلم لينتقد ما يجري و يبدي في وقاحة رأيه في لون الأثاث و نوعه و طريقة تركيبه، ليسوا بحاجة لأن يقول لهم دعو القمامة الفاسدة مكانها و موتوا بالتلوث كي لا تعكر رائحة التخلص منها أجواء الصالون الذي اعتاد على زيارته الجلوس فيه. ليسوا بحاجة لجار مراهق يتلفظ عليهم بعباراته الجارحة و يصفهم بما لا يليق لمجرد أن أحد أبناء الأسرة الذين لا يحبهم انتقل للغرفة الكبيرة مكان الابن العاق الآخر الذي كان يصاحبه و يعتقد أنه الأفضل.
قد يعلو صخب الجيران و هم يتناقشون حول ترتيب بيتهم الجديد لكنهم حريصون أن لا يتحول الجدال إلى شجار باليد مهما كلف الأمر كما أنهم أشد حرصاً على أن لا يتدخل أحد من الجيران لينصر أحد الأبناء على الآخر، أو ليشتم أو يحقر من رأي أحدهم أو هندامه أو طريقة تفكيره.
أيها الجيران.. مصر تقول لكم دعوني و أبنائي نرتب بتنا، و ليبق ما بيننا من الود كما كان دوماً و تذكروا المثل القائل
"أدعو على ولدي .. و أكره من يقول آمين"

الأربعاء، 12 سبتمبر، 2012

تأملات في أسبوع الاستقالات

لقد كان أسبوعاً صاخباً و لا شك، صاخباً و عسيراً على مسؤليي الصحة في البلاد. أسبوع وجدوا أنفسهم فيه تحت عدسة الإعلام الحارقة و بتركيز عال و في أكثر من قضية ساخنة.
و رغم أن قضايا الخدمات الصحية كانت و ما زالت إحدى مواضيع الإعلام المفضلة على مدار العام إلا أن قضية الأسبوع الماضي سجلت عدة سوابق لم يعتدها الناس من قبل،أهم هذه السوابق أن الشكوى هذه المرة جاءت من أهل الدار أنفسهم، فهي المرة الأولى التي يتحول فيها المراجع و المريض إلى متفرج يتابع بشغف سجالاً قوياً بين أبناء البيت الواحد، و يسمع اعترافات و انتقادات صريحة لقصور الخدمات و تعطل المشاريع و الأخطاء الطبية. إنها  المرة الأولى تقريباً التي تتلقى فيها الوزارة نقداً داخلياً قوياً على صفحات الجرائد و بشهادة من قيادي في موقع المواجهة الساخنة مع الجمهور، و هي المرة الأولى كذلك التي يسمع فيها المواطن البسيط صدى لشكواه يتردد داخل أروقة المستشفى بعد أن تعود دهراً على ردود فاترة موحدة الصياغة و المضمون تقول له إن كل شيء على ما يرام و أن ما حدث أمر عارض و يحدث في أي مكان في العالم و أن المشاريع المستقبلية التي تم اعتمادها كفيلة بتغيير كل شيء للأفضل في القريب العاجل. لكن الشكوى هذه   المرة جاءت مقرونة بإستقلات توالت بين حائل و القنفذة و تنوعت بين مدير إدارة المستشفيات و مدير مستشفى و مدير طبي و رؤساء أقسام و رغم تباعد المسافة إلا أن الشكوى كانت واحدة يمكن اختصارها في كلمتين هما "عدم التجاوب". و هي العبارة التي تكررت كثيراً في حيثيات الاستقالات، و المثير للدهشة أن عدم التجاوب هنا كان بين الطبقة العليا المسؤولة عن علاج المرضى و بين الإدارة المحلية للمنطقة، أي أنه من المفترض أن تكون هناك آليه سلسة لتلبية تلك الطلبات خصوصاً و هي تصدر من أطباء متخصصين في مجالهم و يتبوأون مناصب قيادية في مستشفياتهم و في نفس الوقت لا تعاني ميزانية الوزارة أي نقص في الموارد. فأين يكمن الخلل الذي يجعل مشروع ترميم مستشفى حائل يتأخر عامين و يجعل مدير الشؤون الصحية في القنفذة يرفض شراء أدوات جراحية لقسم العيون بحجة أنها "غير منطقية" رغم أن الذي تقدم بها رئيس القسم وهو طبيب إستشاري في تخصصه في حين أن  سعادة المدير "طبيب عام"؟
إن مشكلة القطاع الصحي لدينا معقدة و متداخلة و لا يمكن تحليلها في حديث عابر لكن تعقيد هذه المشاكل لا يبدو في طريقه للحل قريباً للأسف لعدة أسباب أهمها هو طبيعة النظام الإداري شديد المركزية و الذي تسير به الوزارة و لا يبدو أنها على استعداد لمراجعته فضلاً عن التخلص منه. فالطبيعة الهرمية في إدارة المستشفيات لا تكاد تمنح شيئاً من الصلاحيات للمسؤول المباشر بل تربطها كلها تقريباً بمدير الشؤون الصحية و تخضع كل الإجراءت الخاصة بالمستشفيات مهما كانت متخصصة لرأيه هو إن شاء أمضاها و إن شاء تجاهلها. و تلك الهرمية لا تخصص كذلك أي قناة رسمية لإبداء الرأي أو الشكوى فضلاً عن مناقشة القرار قبل أو بعد صدوره، فرئيس القسم مهما رفع من مرئيات و تصورات و مهما طلب من تحسينات و إمكانيات تظل كل طلباته غير ملزمة و حبراً على ورق حتى يمضيها صاحب الرتبة الأعلى في الهرم ثم الذي يليه و الذي يليه و هكذا دون أن يكون لأي من الذين يلونه ذات الكفاءة أو التخصص. و لكن الحال ينعكس تماماً عند ورود شكوى من مريض تجاه الإهمال أو التقصير فتجدها تتدحرج من قمة الهرم حتى قاعه لتقع على رأس ذات الطبيب الذي لم يستجب أحد لطلباته من قبل و يقف وحيداً لمواجهتها و الرد عليها. و هكذا تستمر الساقية في الدوران بين الأعلى و الأسفل بلا نهاية و دون القدرة على إمساك الخيط الذي يقود لحل المشكلة من جذورها.
فقط فكر معي عزيزي القارئ أيهما أكثر أهمية  و تأثيراً على حياة الناس، شركة الاتصالات أم وزارة الصحة؟ لاشك أن الثانية أكثر أهمية و خطورة. لكن الأولى حظيت بنقلة إدارية جبارة حولتها من "وزارة البرق و البريد و الهاتف" بكل عثراتها و نتوءاتها إلى الكيان الحيوي عالي الربحية و الإنتاجية الذي أصبحت عليه اليوم؟ أليست الصحة أولى نقلة مشابهة؟ فالمشكلة في القطاع الصحي لم تكن في يوم من الأيام مشكلة موارد بقدر ما هي مشكلة إدارة؟ و لن تحل تلك المشكلة بدعوة الأطباء لترك الإدارة و التفرغ لعياداتهم فقط . لكن تلك قصة أخرى!



العبارات باللون الأحمر لم تنشر في الصحيفة

من حكم البساطي: أتركه حتى يبرد!

ثمة مصادفات تترك أثرها العميق في وجدانك مهما تراكمت فوقها الذكريات و مهما تزاحمت من بعدها الأحداث، مصدافات تحفر وشمها العميق على روحك و أفكارك مهما امتد بك الزمن و لا تستطيع محو أثرها مهما حاولت.
كيف يمكنني أن أنسى ذلك اليوم البعيد ساعة الظهيرة و الحر الخانق و شارع عباس العقاد في القاهرة هادئ و شبه مقفر على خلاف العادة، ربما كانت الرطوبة الخانقة هي السبب أو ساعة الظهيرة التي لا تشجع أحداً على الخروج للتسوق، كان ذلك الكشك الخشبي المطلي باللون الأخضر يقبع وحيداً في نهاية الشارع بواجهة زجاجية ضيقة وباب موارب كأنه يتردد في دعوة أحد للدخول، تقترب و أنت في حيرة من أمرك، فضول عجيب يدفعك لمواصلة السير تحت سطوة الشمس لتبلغه لتدفع ذلك الباب الموارب، ترى هل كانت تلك كتباً؟ تلك المعروضة عى الواجهة الزجاجية. هل هذا شعار دار الهلال على الباب الخشبي؟ تدفع الباب فتجد رجلا سميناً أفزعة اقتحامك المفاجئ يحدق فيك و هو يجفف العرق عن صلعته لكنك لا تبالي، أنت أيضاً أذهلتك المفاجأة، كل تلك الأغلفة المبهرة للروايات تطالعك ،بخطوطها المرحة و الجذابة و التي عرفت لاحقاً أن معظمها بريشة المبدع حلمي التوني. تناديك في إغراء و قلبك يخفق من السعادة كطفل و جد نفسه في مصنع الشكولا.
ستظل مدينا لتلك اللحظة الباهرة التي تعرفت فيها لأول مرة و أنت مراهق صغير على مبدعين عظام كبهاء طاهر و خيري شلبي و صنع الله إبراهيم و محمد جبريل و ..و محمد البساطي.
في تلك الليلة كنت على موعد مع العالم الآسر لمحمد البساطي، اكتشفت لأول مرة تلك اللغة الشفيفة التي تكني ولا تصرح، تومئ ولا تقول،تمرر و لا تسدد.ذلك الضوء الضغيف الذي لا يكشف شيئاً ضوء "ساعة مغرب" يحدثك عن "أصوات الليل" و "صخب البحيرة" و يعدك ب "ليال أخرى" أكثر إمتاعاً.
كان محمد البساطي بالنسبة لي كاتباً قادماً من عالم آخر فهو زاهد إلى حد كبير في الظهور الإعلامي و لم أجد له حتى بعد وفاته إلا حوارات شحيحة لا تتجاوز أصابع اليد، يكتفي بإصدار رواية أو مجموعه قصصية كل بضعة أعوام و يتركها تثير الجدل و يتوارى مجدداً. كأنه لا ينتمي إلى هذا العالم أو أنه غير راض عنه و لا يحب الإنتماء إليه ولولا حاجته للنشر لاكتفى بالكتابة لنفسه، و الحمد لله أنه لم يفعل.
و رغم أنه من كتاب الستينات الثوريين الذين يعادون سياسات الانفتاح و التطبيع إلا أنه لم يترك شيئاً من مواقفه السياسية يتسرب  إلى كتاباته، فتجد في كل شخصياته التي يرسمها رهافة و أقتصاداً شديداً في العبارة و عناية فائقة بالتفاصيل و قدرة على الوصف و التخييل لجعل الأشياء و المواقف البسيطة تقول ما تود أن تسمعه دون صوت و دون صخب. فتجده يتحدث عن ال"جوع" و "الأيام الصعبة" و يخبرك بما يجري خلف ال"أسوار" دون أن يصرح بقبح تلك الأشياء بل يغزل مفرداتها في نسيج حكائي صغير و باهر في ذات الوقت تماماً كما يفعل كبار الكتاب العالميين في رواياتهم.
إن كنت لم تقرأ للبساطي من قبل فربما تجد في روايته القصيرة"دق الطبول" مدخلاً سلساً لعوالمه، حيث تتحدث الرواية عن بلد عربي غني و صغير تأهل منتخبه لكأس العالم فسافر كل سكان البلد لتشجيع المنتخب و بقي الخدم و العمال وحدهم في البلاد يتبادلون الحكايا و الخبايا التي يكنونها في صدورهم في حالة بوح إنساني ممتد على طريقة ألف ليلة و ليلة حتى عودة أهل الدار
و قد سئل رحمه الله في حوار نادر عن طريقته في الكتابة فقال إنه بعد أن يفرغ من الكتابة الأولى للنص ينصرف عنه "حتى يبرد" و يشغل نفسه لمدة يوم أو عدة أيام في عمل يدوي داخل المنزل ثم يعود إليه بعد أن يبرد ليقرأه بتأن و حيادية فيهذبه و يحذف منه و ربما أعاد كتابته من جديد.
و كم استوقفتني كلمة "حتى يبرد" و أحسست بمدى قوة و حرارة الوهج الذي يشع منه لحظة الكتابة و التي تجعل العمل الأدبي لديه  أشبه بسبيكة نادرة من الذهب المشغول بمهارة و التي تحتاج وقتاً كي تبرد حتى يتمكن الجواهرجي من تقويمها و تهذيب شذوذها قبل أن يعرضها للقراء.
رحل البساطي عن عالمنا في هدوء قبيل شهر رمضان المبارك بعد معاناة مع السرطان  و برحيله يفقد عالم الأدب أحد أجمل جواهره و أكثرها أصالة و إن لم تكن أكثرها لمعاناً
*****
تنويه:العبارات بين الأقواس هي عناوين لأعمال محمد البساطي رحمه الله