الثلاثاء، 31 مارس، 2015

أشياء لا أحبها في وليد أبو الخير


ها هو عام قد مر على اعتقالك... يا الله ما أسرع ما مرت الليالي هنا.. استدار الزمان و توالت الأحداث و تغيرت الدنيا كثيراً و أنت أنت لازلت هناك تنتظر
خفت صوت محبيك و شاتميك، انشغلوا بقضايا أخرى وحروب جديدة. سطروا أمجادهم وبطولاتهم الوهمية على جدران الانترنت الخلفية ثم نزعوا أقنعتهم و خلدوا إلى فرشهم هانئين راضين عن أنفسهم وعن الدنيا.
ها هو عام قد مر على غيابك الباهر.. و أنا لم أنبس بحرف، لم أنطق بكلمة، لم آت على ذكرك في أي محفل. لم أدع في لحظة شجاعة لا أملكها أو جرأة لا أقود خطامها، لكن صدقني ليس الخوف هو ما منعني من الحديث عنك ..أو إليك
ليست رهبة البطش ولا خشية التنكيل وتشويه السمعة ولا تردد المتشكك في طريق النور الذي سرت فيه بلا وجل.
لم أجرؤ على ذكرك لسبب أكثر بساطة يا وليد..لأنني وبلا مواربة أشعر بالارتباك!. أجل أشعر بارتباك شديد و بفقدان للتوازن يمنعني من اشياء كثيرة أهمها الحديث عنك، لأنني لازلت حتى هذه اللحظة عاجز عن إيجاد أي تفسير منطقي لما قمت وتقوم به منذ سنوات. أنت تنسف دون أن تشعر كل المسلمات التي ترسخت داخل جمجمتي الصدئة، و القواعد التي ظننتها لا تخترق في مسارات الحياة الملتوية. لكنك كنت ولازلت تمارس اختراق تلك القواعد و تخلط عجين أفكاري و تمضي دون أن تدرك فداحة ما فعلت.
ثمة أشياء لا أحبها فيك يا وليد.. أشياء تمارسها ببساطة و عفوية لكنها وعلى خلاف طباعك الوديعة مؤلمة جداً وجارحة لأبعد الحدود.أولها مخزون الجرأة العالي عندك، أنت تملك جرأة عجيبة في الجهر بما تريد قوله، تقوله بأقل الكلمات وأكثرها حسماً ووضوحاً، لا تداري ولا توارب ولا تقيس درجة حرارة الجو قبل أن تطلق كلماتك كما علمونا أن نفعل. قالوا لنا إن الصمت حكمة، ولسانك حصانك، و مهلك الرجل من منطقه. صدقنا هذه الأقاويل و اختنقنا بكلماتنا ونحن نعتقد أننا نمارس الحكمة ولم تفعل أنت. ورغم أن كثيرين يعتقدون أن ماتفعله ضرب من الجنون والتهور.. لكنني أراه ضربة تجاه صنم الخوف في داخلي، ضربة لم تهدمه و لم تدعه في شأنه بل جعلته يصدر صدى مدوياً ليبدو أكثر بشاعة!. ويمنحني شعوراً قابضاً لا أحبه.
ليست الجرأة وحدها مايربكني فيك ياوليد، هناك كثيرون يملكونها كذلك لكنك تختلف، تختلف عنهم في اعتقادك اليقيني بقوه كلماتك، بقدرتك على تغيير الواقع بما تفعله وما تقوله. تلك الثقة المطلقة التي تشع من نظراتك و التي تكتسي بها كلماتك ليست ثقة غافل أو أمنيات حالم بقدر ماهي إيمان عميق في داخلك بأنك أقوى من كل ما حولك من عوائق وعقبات.

أنت على الرغم من تدينك العميق وحفظك لكتاب الله غير محسوب على فئة أو تيار، لست تابعاً ولا متبوعاً ليس هناك تيار تصطف خلفه لتنقل أفكاره ولا يصطف خلفك ليحميك ويذود عنك أمام الآخرين. لست محسوباً على أحد، لا فئة أو مذهب أو صاحب سمو أو نفوذ. أنت تنتمي إلى نفسك وأفكارك ومبادئك فقط لا غير. هي درعك وترسك وفرسك وجناحاك الذين تحلق بهما فوق كل ذلك الغبار.
إنني فقط أتأملك بعين الخيال و أنت تمضي بسيارتك القديمة التي تسخر منها في كتاباتك و أتساءل أي نوع من الأفكار تحمله و يسرح خيالك فيه وأنت تقطع الشوارع الوعرة المليئة بالحفر و المطبات. كيف لا تخاف السجن؟ كيف لا تخاف التهديد و الترهيب؟ كيف تحتمل توسلات أحبائك الذين يرجونك أن تكف كي لا يصيبك ويصيبهم الأذى؟ 
أخبرني بالله عليك إلى أي جدار تستند؟ و أي أفكار تحمل؟ ومن أي منبع عجيب استقيتها لعلي أروي نفسي وقومي منها بغرفة ولو صغيرة.

رغم كل ذلك أستطيع أن أتفهم جرأتك، وثباتك على مبادئك. أتفهم يقينك وإيمانك بعدالة ماتحمل حتى لو كنت وحيداً مجرداً من كل الدروع في وجه حملات التشكيك والتخوين والتكفير و تشويه السمعة وقذف العرض. أتفهم موهبتك النادرة في تحمل الأذى في سبيل نصرة ما تؤمن به واستعدادك للتضحية لأجله.. لكن ما لم أستطع تفهمه ولا تفسيره هو قدرتك العجيبة على الصفح، على التسامي فوق أعدائك، شعورك بالأسى و الشفقة لأجلهم بدل شعورك الطبيعي بالضغينة!. خبرني بالله عليك كيف استطعت أن تبلغ مابلغت؟ كيف امتلكت كل هذا القدر الهائل من النور بين جنبيك؟ أين كنت تخبئ هذه الطاقة الخارقة و أنت تقابل الناس بابتسامة خجلى ونظرة متواضعة؟ 

عزيزي وليد..
لا تعرف كم كانت شاقة هذه السطور وهي تكتب، كم هي مربكة وحائرة وتائهة الهوية.  إنا أشبه برسالة في قارورة أرسلها بحار ضال على سفينة غرقى، وهو يأمل أن تصل ليد من يستطيع إنقاذه..
لا أعرف إن كنت تصدقني أم لا.. لكنني عندما أحدق في صورتك المبتسمة خلف القضبان أشعر أن الدنيا خلفك واسعة وكبيرة ..أكثر اتساعاً من أن يدركها البصر و أن جدران الزنزانة تقبض على صدري أنا..تأسرني داخل خوفي وترددي وجبني وعجزي وحساباتي الغبية التي أعيدها كل يوم مئة مرة بلاجدوى.

أراك عظيماً مهيباً رغم بنيتك النحيلة و أرانا نتضاءل جميعاً، محبيك وكارهيك، أهلك وذويك، سجانيك ومعذبيك، كلنا نتصاغر حتى نكاد نختفي لكننا نظل رفع رؤوسنا عالياً لنحدق فيك وأنت تبتسم لنا في حب وإشفاق.