الأربعاء، 25 نوفمبر، 2015

سفينة الصحافة التي تغرق!


في أيام الغزو العراقي للكويت، ظهرت أنماط وعادات جديدة داخل المجتمع السعودي؛ أحد هذه العادات الجديدة كانت النهم الشديد للأخبار والبحث عنها في مختلف المصادر والتي كانت محصورة في تلك الأيام بالتلفزون والصحف الرسمية، لذلك راجت تجارة أجهزة الراديو الحديثة فالإذاعة كانت المنفذ الوحيد للناس ليسمعوا الأخبار من مصادر مختلفة وبطريقة أكثر سرعة ومهنية، أذكر جيداً في ذلك الوقت أنه على الرغم من شغف الناس وتعطشهم لأخبار الغزو والحرب فإنهم لم يكونو يلتفتون كثيراً للصحف كمصدر لها وذلك لسبب بسيط هو أن كل الصحف كانت تصدر بعناوين وأخبار متشابهة حد التطابق، ولايكاد يميزها شيء عن بعضها البعض، ولأنها جميعاً تتبنى نفس اللغة وتستقي أخبارها من ذات المصدر وتنشر ذات الصور على صفحاتها الأولى أصبحت الصحف خارج المعادلة وربحت الإذاعة وحقق من خلفها تجار أجهزة الراديو الكثير من المكاسب
كانت تلك الفترة كاشفة عن تعطش شديد لدى المجتمع للانفتاح على العالم عبر نوافذ ومصادر أخرى غير تقليدية وغير مقيدة بالزي الرسمي الخانق، وسرعان فُتحت في جدار العزلة قليل من الثغرات عبر القنوات الفضائيةالتي كسرت شيئاً من  الحواجز  ثم انهار السد نهائياً مع دخول الإنترنت
وسرعان ما أصبحت الانترنت هي زاد السعودين وشاغلهم اليومي فهي مصدرهم للأخبار، وهي دار السينما الخاصة بهم، وساحة الهايدبارك التي يتحدثون فيها بحرية دون قيودسرعان ماصنع السعوديون عالمهم الافتراضي الخاص الذي ينعزلون فيه عن العالم الحقيقي بكل قيوده والتزاماته، فتجاهلوا التلفزون الرسمي والصحف الرسمية وكل شيء يذكرهم بزمن الحرمان القديم
هذا التغير في المزاج لم يكن حكراً على السعوديين وحدهم بل سبقهم إليه الكثير من سكان الكوكب ولكن بدرجات مختلفة، وأحد ضحايا هذا التغيير كانت الصحف الورقية التي بدأت تعاني من تسرب القراء نحو الإنترنت، فتقلصت مبيعاتها و تقلص إقبال المعلنيين عليها وأصبحت صناعة الصحافة برمتها تواجه ظروفاً شبيهة بالتغيير المناخي الذي أدى لانقراض الديناصورات
ترى هل تستطيع الصحافة الصمود في وجه موجة الإعلام الرقمي العاتية؟ عالمياً يستطيع أصغر طالب اقتصاد أن يعدد لك أسماء المؤسسات الصحفية التي أفلست وأغلقت أبوابها، وتلك التي قلصت نشاطها لتتحول لصحيفة أسبوعية بدلاً من يومية أو تتوقف عن الطباعة نهائياً وتكتفي بموقع على الشبكة العنكبوتية، وسيقدم لك نصيحة مجانية بأن تتجنب الاستثمار في أي مؤسسة صحفية لأنها تخسر باستمرار جزءً من قيمتها كل عاملكن هناك المتفائلون الذين يفرقون بين الصحافة كمنتج ورسالة وبين الورق كوسيلة توصيل، ويرون أن الصحافة ستسمر بدون الورق ولكن بشكل أكثر عصرية وتطوراً، لكنهم رغم تفاؤلهم لايعرفون من أين ستأتي الصحافة الرقمية بالمال وكل الإحصاءات تقول إن دخل الإعلانات على الإنترنت لا يتجاوز ١٥٪ في أحسن الحالات من دخل الإعلانات الورقية فضلاً عن أن الجريدة تكون متاحة مجاناً على الشبكةهذا ونحن نتحدث عن صحافة عريقة قوية ومستقلة لها جماهيريتها، تدافع عن الحريات وتعارض الأحزاب والحكومات فمابالك بصحافة رسمية ذات سقف حريات منخفض وإمكانيات هزيلة؟
للملياردير الأمريكي وارن بافيت مالك صحيفةبافلو نيوز عبارة شهيرة يقول فيهالو أن قنوات الكيبل والانترنت وجدت في زمن مبكر لما كان للصحف بشكلها المعروف حالياً وجود في عصرنا"
يبدو أن السؤال الأكثر منطقية هو كيف صمدت السفينة الورقية كل هذا الوقت دون أن تغرق، وكم بقي لها من الوقت قبل أن تتلاشى؟