الجمعة، 29 يناير، 2010

أفخم قاعة احتفالات في العالم!



قد يكون العنوان مبالغاً فيه بعض الشيء، لكنك لا تستطيع أن تنكر مدى فخامة القاعة و هيبتها، كما لا يمكنك ان تدعي أنك رأيت ما هو اشد فخامة وبهاءً رأي العين المجردة. إلا لو كنت من أحصاب المليارات أو صديقاً شخصياً لهم، وفي كلتا الحالتين لا أظنك وقتها تهتم لقراءة هذه السطور.




هذه القاعه مزدحمة على الدوام، لا يخلو جدولها الأسبوعي من حفل صاخب يدعى له علية القوم، و تغطيه الصحافة و يحجز وقتاً ثابتاً في التلفاز كل اسبوع، و إذا أسعدك الحظ و شاهدت الحفل مسجلا على التلفاز فسترى كم الأناقة الباذخة التي تفوح في الأجواء، و الالتماعات البراقة لقصب المشالح المذهبة، و الساعات الغالية و النظارات و الأقلام. سترى السعادة على الوجوه، والابتسامات المشرقة و الاحترام المتبادل بين الحضور، و إذا بدأ الحديث يدار، فستجد قمة التنظيم، و الكلام المنمق المرتب، و الهدوووووء غير العادي في الانصات. قد لا تفهم كثيراً مما يقال، و قد لا يروقك بعض الحديث، و قد تصاب بالغيظ أحياناً عندما تحجب الكاميرات عن حفلة ساخنة يحضرها مسؤول كبيرلدواعٍ لا تعرف ما هي بالضبط. لكنك ستشعر بالتعويض في بعض الحالات النادرة عندما يزور القاعة بعض الوفود الأجنبية و التي ترتسم على وجوه أفراداها دائماً نفس النظرة المندهشة الأقرب إلى البلاهة، و بالطبع لن تستطيع أن تعرف سبب تلك النظرة و هل تعود إلى فخامة القاعة أو إلى سبب آخر؟ لكنك ستلحظ جوا منشرحاً و متراخياً في مثل تلك المناسبات، و كلمات ترحيبية و شيء من الاختلاط الذي عادة ما يكون محظوراً في القاعة الذكورية بالكامل، لكن أدب الضيافة يغلب التقاليد كما تعلم.


المدعون الدائمون إلى هذه القاعة لا يعرفون على أي اساس تمت دعوتهم؟ و لا يعرفون ما هي صلاحياتهم، ولا يعرفون ما المطلوب منهم عملة بالضبط؟ المهم أنهم يحضرون و يستمتعون بالأجواء و يقبضون المكافأت، و يصوتون على اشياء غريبة التفاصيل ثم ينصرفون وهم راضون تمام الرضى عن أنفسهم و عن العالم، واثقون أن الغد سياتي أفضل بكل تأكيد، و أن مستقبلاً باهراً ينتظر أبناءهم عما قريب.




الصخب و الجدال كلمتان غريبتان في هذه القاعة، و من النادر جداً ان تسمع فيها كلمات خادشة للحياء على غرار استجواب، أو محاسبة، أو مساءلة. و إذا شعر رئيس الحفل - في لحظات نادرة- ببوادر تعكير للأجواء بادر بإغلاق الجلسة و طرد الصحفين حتى (يتفاهم) مع المدعو و يشرح له ما ينبغي له أن يفعل.


المشكلة الأساسية التي تواجه قاعة الاحتفالات هذه أنها لازالت بلا اسم، و بلا هوية، و بلا ملامح، رغم كل الضجيج الذي تملاء به الإعلام اسبوعياً. و قد حار المحافظون الذين يرأسونها أغلب الوقت، و الليبراليون الذين يغزون جلساتها بانتظام في تسميتها. ففي حين يفضل الفريق الأول تسمية إسلامية(شورى) يفضل الآخرون تسمية غربية (برلمان). و في الحقيقة لا تستطيع تلك القاعة على كل مميزاتها تلبية شروط أي من التسميتين.


ببساطة لأن كلمة برلمان أو شورى او مجلس تشريعي إلخ... تعني في النهاية مجلس له سلطة. و سلطة نافذة على الحكومة، مجلس له الصلاحية في أن يحاسب و يقرر و يمنع. له الحق في مناقشة الميزانية، و محاسبة الوزراء، و استجواب اي مسؤول يشتبه في إخلاله بأمانة العمل. و الواقع أن برتوكول القاعة الفخمة على كل ما فيه من هيبة و وقار لا يسمح لأي من المدعوين بشئ من ذلك فكل ما لدى المدعوين من صلاحيات هو تقديم الاقتراحات، والرفع بالاقتراحات، و مناقشة الاقتراحات، و متابعة الاقتراحات ولا شيء غير الاقتراحات (راجع المادة الخامسة عشرة من النظام).




المعضلة الأخرى التي تعيق تسمية القاعة الفخيمة بأي اسم من الأسماء الرنانة هو أن كل من يدخلون القاعة مدعوون. لا أحد تقتحم القاعة برغبته، و لا بتزكية من جماعة تساندة و لا برغبة من هيئة أو نقابة أو حتى قبيلة. أنت لن تدخل هنا إلا إذا دعوناك. ولا تسأل على أي أساس تمت دعوتك ولا تسأل متى سيطلب منك الخروج، و بالطبع أنت أذكى من أن تسأل ما المطلوب منك فعله على وجه التحديد، فقط راقب الآخرين و افعل مثلهم و إن كنت موهوباً بالفعل فستستخدم فطرتك لابتكار المزيد من المنافع لك و للحضور.


المدعون لهم هم واحد و وحيد هو إرضاء الداعي، لن يهتم أحد من المدعوين بأصوات من يقفون في الخارج مهما علت أو تكاثرت، إنه لا يسمعهم و إن سمعهم فلن يفهمهم لأنهم يتكلمون لغة مختلفة تمام الاختلاف عن اللغة التي يفهمها.


لأجل ذلك..ستشعر بالغربة كلما شاهدت أحد أعضاء المجلس الموقر يتحدث في التلفاز عن مشروع من المشاريع، تلك اللغة الفاترة التي لا تراها أبداً في أي برلمان في العالم. و الإغراق الممل في تفاصيل التفاصيل لاتفاقيات غامضة و قوانين جامدة تعلم يقيناً أنها لن تؤثر على حياتك أبداً و أن أي مجلس خبراء قانونين محترف يستطيع القيام بتلك المهمة خير قيام بعيداً عن مكبرات صوت و بعيداً عن التلفاز و الضجيج الفارغ.


و لأنك تعلم أيضاً أن المرات القليلة التي أصدر فيها المجلس توصيات ذات ثقل تم تجاهلها أو تجميدها من قبل مجلس الوزراء(نظام الجمعيات الأهلية لو لازلت تذكره).


و لأنك لم تنتخب أحدا من السادة الضيوف، و لا تكاد تعرفهم،و لأنهم بالطبع لا يعرفونك و لأنك لم تلمس لهم أثراً في حياتك رغم السنوات الطوال التي قضوها في القاعة/المجلس باستثناء تسويد الصفحات الأولى من الجريدة التي تطالعها.


فينبغي لك أن لا تشعر بأي تأنيب للضمير و أنت تدير القناة لتطالع المسلسل التركي ذي المئة حلقة، حتى لو كنت تعرف مسبقاً نهاية الأحداث على الأقل ستجد حرارة و انفعالاً في الحديث و التعبير عن المشاعر أفضل كثيراً من البرود الصاعق الذي يتعامل به زوار أفخم قاعة احتفالات في العالم!

الأحد، 24 يناير، 2010

مايكل كرايتون: مربي الديناصورات وصديق ابن فضلان!







كان الديناصور العملاق يحطم أسوار "الحديقة الجوارسية"، و يتوجه نحو المدينة ساحقاً كل شيء تحت خطوات قدميه العملاقتين وحركات ذيله الهائل، في نفس الوقت كان ابن فضلان يعلم الأوروبين الهمجيين فنون الفروسية و صناعة السيوف، في حين يركض الطبيب الوسيم جورج كلوني في غرفة الطوارئ خلف عربة المريض محاولاً وقف النزيف بيديه الملوثتين بالدم. و تعلن حالة الترقب في البلاد نتيجة هروب روبوتات مصنعة بتقنية النانو من مركز الأبحاث في صحراء نيفادا تملك خاصية الذكاء الصناعي و التكاثر و إعادة شحن طاقتها بافتراس البروتينات البشرية. لكن "داستن هوفمان" الخبير النفسي يتوجه إلى قلب المحيط ليسبر أغوار سفينة فضاء غارقة هناك منذ أكثر من ثلاثمائة عام.. أي قبل اختراع محركات الطيران البدائية!و يرفع "شون كونري" حاجبيه في حيرة و هو يحدق في جثة الفتاة القتيلة و التي قد تثير قضيتها أزمة دبلوماسية بين بلاده و بلاد الشمس المشرقة .


هل تشعر بالدهشة؟


تلك كانت لمحة بسيطة من عوالم الكاتب الأمركي مايكل كرايتون و الذي يعد شبه مجهول لدى معظم قراء العربية ككاتب على الرغم من ذيوع صيت أعماله عندما تحولت إلى أفلام و مسلسلات كاسحة الشعبية. فمن منا لم يعرف و لو عرضاً سلسلة أفلام "الحديقة الجوراسية" بأجزائها الثلاثة و التي قدمها المخرج المثير للجدل "ستيفن سبيلبيرج" بتمكن و إعجاب تام . الجزء الأول من أفلام تلك السلسلة بني على رواية لمايكل كرايتون بذات الاسم و اشترت حقوقها شركة يونيفيرسال استوديوز بمبلغ تجاوز المليون و نصف المليون دولار ثم عهدت إلى ذات الكاتب ليصنع سناريو الفيلم مقابل نصف مليون دولار إضافية، و اتضح فيما بعد من الأرباح الخيالية التي جناها الفيلم أن صنّاعة لم يكونوا يضيعون نقودهم عبثاً.رغم أن كرايتون صرح بأن نص السيناريو اعتمد على عشرة في المئة فقط من الرواية الأصلية. حيث كان النص الأصلي مليئاً بالتفاصيل العلمية الدقيقة و التي تشرح طريقة استزراع الحمض النووي للديناصور في بويضة حيوان حي ثم إعادة إنتاج السلالة من جديد و التي لا تلبث أن تتمرد و تتحول إلى كابوس مرعب كما ظهر في الفيلم.


لم يكن مايكل كرايتون المولود في عام 1942 يتوقع و هو يعاني من العزلة على مقاعد الدراسة بسبب طوله الفارع أنه سيتحول في يوم من الأيام إلى علامة فارقة في تاريخ الأدب/ العلم الأمركي، و لا أن كتبه و أفلامه ستكتسح قوائم أفضل المبيعات، و لم يكن يعلم أن دخوله كلية الطب و تفوقه فيها بالإضافة إلى تعلقه بالكتابة و الإطلاع سيقوده إلى ابتكار نوع جديد من الأدب يلغي فيه الحواجز الوهمية بين ما هو علمي و ما هو أدبي. فعلى الرغم من أن كتابات كرايتون لا تحتوي أي من الجماليات اللغوية التي تؤهلها لجوائز على غرار جائزة بوكر و نوبل و على الرغم من احتوائها على كمية كبيرة من المعلومات الدقيقة و كأن كل فصل من الفصول بحث مصغر يمهد للحدث الذي يليه،و على الرغم من أن رواياته تحتوي ملحقا للمراجع العلمية التي استندت عليها الأحداث كأي بحث أكاديمي رصين، لكنه رغم كل ذلك ناجح جداً في انتزاع الدهشة و الانبهار من داخل القارئ و قادر بامتياز على دفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من قناعاته المسلم بها من قبل. و هذا هو لب الإبداع الحقيقي و جوهرة العميق مهما اختلفنا حول الأسلوب و التوصيف. لقد وصفت جريدة "النيويورك تايمز" كتابات كرايتون بأنها ذات نفس طفولي أشبه بقصص "أرثر كونان دويل" و "إدجار رايس بوروز" و رعب "إدجار آلا ن بو" لكن بجرعة قوية و مطورة من الخيال العلمي الممتع. و إن كنت أجزم أن في كثير من رواياته نفس فلسفي مبثوث بذكاء بين سطور الرواية المشوقة و المعقدة في آن. فرواية "الجسم الكروي" و التي تحولت لفيلم ناجح قام ببطولته داستن هوفمان و صامويل جاكسون" تبدأ بداية مشوقة و مثيرة للفضول فهناك سفينة فضاء اكتشفت بالصدفة في قاع المحيط و التحاليل لتراكم التربة و النباتات التي فوقها تثبت أنها ترقد هناك منذ أكثر من ثلاثمائة سنة و ينتدب فريق علمي لسبر غور السفينة الغامضة. و سرعان ما يكتشف الفريق أن السفينة تحتوي على جسم كروي عملاق أشبه ب "روبوت" مفكر يبدأ في الحديث إليهم و سرعان ما تتحول الرواية إلى الخط الفلسفي عندما يكتشف العالم النفسي أن الجسم الكروي له القدرة على تجسيد الخيالات الشريرة التي يملكها زملاؤه و تحويلها إلى واقع و أن كل الكوارث التي ألمت بهم خلال الرحلة ليست إلا نواياهم السيئة تجاه بعضهم البعض و أن السفينة ليست من كوكب آخر و لكنها تنتمي إلى المستقبل و قد قرر أهل المستقبل إرسال الجسم الشرير إلى الماضي حتى يتخلصوا من أثره المدمر.


و تكاد تكرر ثيمة الخطر الذي يصنعة الإنسان بغروره في معظم رواياته، لكنه على الرغم من نزعة التوثيق العالية لديه لم يضع لخيالاته حدودا و لم يقصرها على الأجواء العلمية و المستقبلية، فكتب روايته التاريخية الشهيرة "أكلة الموتى" و التي تحولت بعد ذلك إلى فيلم سينمائي أخرجه بنفسه تحت اسم " المحارب الثالث عشر" و قام ببطولته أنطونيو بانديراس و عمر الشريف. و عد الفيلم/ الرواية من العلامات الفنية النادرة التي أنصفت صورة العربي المسلم رغم كونها صنعت بيد أمركية بالكامل.


خاض كرايتون بالإضافة إلى الكتابة في مجالات عدة كتصميم برامج الكمبيوتر و الأبحاث العلمية و التدريس الأكاديمي البحت، لكن تفوقه كان لافتاً بالفعل في مجال الإخراج فقد قام بكتابة و إخراج العديد من الأفلام لعل أشهرها "المحارب الثالث عشر" و فيلم "الغيبوبة" الذي كتبه صديقة روبن كوك. كما كان منتج و صاحب فكرة و كاتب الحلقات الأولى للمسلسل الشهير "ER " الذي تدور أحداثه بالكامل تقريباً داخل المستشفى و تتابع على بطولته العديد من النجوم و افتتح الطريق لخط جديد في الدراما يمكن تسميته دراما المستشفيات أو المسلسلات الطبية. و في عام 1994 حصد كرايتون ثلاثه جوائز دفعة واحدة، جائزة تصدر فيلمة الحديقة الجوراسية قائمة الأيرادات و تصدر مسلسل ER نسب المشاهدة العليا و تصدر روايته الجديدة حين ذاك "الفضيحة" قائمة أكثر الكتب مبيعاً.


في الرابع من نوفمبر من العام الماضي 2008 توفي كرايتون اثر مضاعفات علاجه الكيماوي من سرطان الحنجرة و قد كان يعد لصدور روايته الجديدة،و التي لم تصدر حتى الآن. و على الرغم من تداول خبر وفاته من قبل وكالات الأنباء العالمية إلا أنه مر مروراً عابراً بمعظم مثقفي العربية و ربما نشرته بعض صحفها في ركن ضيق واصفه إياه بكاتب سيناريو فيلم الديناصورات!.


لو كنت تعتقد انك تتعرف على مايكل كرايتون للمرة الأولى اليوم و أنه لم يسبق لك أن تأثرت بشيء من إبداعاته من قبل ...راجع القائمة الطويلة لنتاجه ثم فكر ثانية!

الخميس، 7 يناير، 2010

راي برادبري: بائع الصحف الذي سكن المريخ


النجاح الكبير الذي حققه المخرج الأمركي "مايكل مور" في فيلمة "فهرنهايت 9/11" و الذي اتقد بشدة حرب بوش على الإرهاب و استغلاله أحداث سبتمبر لإرعاب الناس و تخويفهم و من ثم السيطرة على إرادتهم. ذلك النجاح الكبير يعزى في جزء منه لعنوان الفيلم و الذي اقتبسه مايكل مور بذكاء من رواية الكاتب الأمركي الشهير راي برادبري و المعنونة ب" فهرنهايت 451" تلك الرواية التي صدرت في عام1953 و لم تزل تتداول حتى اليوم كواحدة من كلاسيكيات الأدب الأمركي. تدور الرواية في أجواء كابوسية في زمن ما من المستقبل حيث تتحول إداره الإطفاء إلى إدارة للحرائق، لكن لتلك الإدارة مهمة خاصة وهي إرسال فرق جوالة إلى كل منازل البلاد و التنقيب عن الكتب و إحراقها، لأن الكتب مدمرة للعقل و تدعو إلى الفساد حسب رأي حكام المستقبل، ولإتمام تلك المهمة تم تزويد فرق الإطفاء/ الحريق بمضخات للهب تم ضبط درجة حرارتها على درجة 451 فهرنهايت و هي درجة الحرارة اللازمة لإحراق الورق!.
و على الرغم من أن تلك الرواية ليست الرواية الوحيدة لراي برادبري و الذي كتب قرابة ال60 كتاب و أكثر من 600 قصة قصيرة و مقالة إلا أنها بالإضافة إلى روايته الأخرى "تاريخ المريخ" تعدان أكثر كتبه ذيوعاً و الأعمق دلالة على أسلوبه المتميز في الكتابة و الذي يغور بعمق في أبعد مخاوف الإنسان الغامضة و يبرزها جلية بدون زخرفة أو مجاملة كما أنه لا يخفي تشاؤمة من مستقبل البشرية المظلم إذا استمرت تسير على النهج اللاأخلاقي الذي تتخذه الآن
ولد برادبري في عام1920 ولم يكن يتوقع وهو يعمل كبائع صحف بعد أن أوقف تعليمه عند المرحله الثانوية لضيق ذات اليد ولاحتى بعد أن تلقى أول 15 دولاراً كمكافأة على قصته الأولى، لم يدر بخلده يوما أنه سيتحول إلى ملهم و علامة فارقة لجيل بأكملة من الأمركيين . توج بنيله العديد من الجوائز أبرزها ميدالية الاستحقاق الوطنية للفنون2004 و التي تسلمها من رئيس الجمهورية المثير للجدلً وهو على مقعد متحرك!.

الاثنين، 4 يناير، 2010

قناة الجزيرة و غلطة الشاطر


لا يستطيع أحد أن يزايد على موقف قناة الجزيرة الثابت و الشجاع من القضية الفلسطينية، فعلى الرغم من التحولات الكثيرة التي مرت بها القناة خلال عمرها الممتد لأكثر من عقد من الزمن و على الرغم من موجات الصعود والهبوط التي تعرضت لها و الصراعات و المهادنات و عمليات الشد و الجذب السياسي مع دول و أنظمة المنطقة، رغم كل ذلك ظلت المهنية العالية لبرامج القناة و الإنحياز الكامل لقضية الشعب الفلسطيني كشعب يرزح تحت الاحتلال، الثابتان الالأبرزان في مسيرة القناة، و قد خصصت القناة على مدى سنوات بثها ألوف الساعات من البرامج الحوارية و التسجيلية و نشرات الأخبار التي توثق و تدافع باحتراف و وضوح عن حق الفلسطيني في أرضه المغصوبة، بل و كان التميز في تغطية القضية الحجر الكبير الذي حرك مياه الإعلام الرسمي الراكدة و الدافع لتأسيس قنوات مشابهة تقتسم كعكة الشعبية الجارفة التي استحوذت عليها الجزيرة لسنوات طوال.
و في الذكرى الأولى للحرب الأسرائلية على غزة كانت الجزيرة على الموعد و انفردت بتقارير عديدة تبين بؤس الحياة تحت الحصار و الآثار المروعة التي خلفتها الحرب و صورت الفلسطينين و هم يعودون لسكنى الخيام من جديد كما حدث أيام النكبة الأولى و ركزت على القصص الإنسانية البحتة و التي تنتزع التعاطف من أقسى القلوب و أشدها إعراضاً. ولكن..و آه من لكن هذة. ما ييصيبك بالدهشة و التناقض و أنت تتابع كل هذا الزخم من البرامج عبارة ثابته في الشريط الإخباري تبثها القناه بشكل يومي تقول إن السلطات الإسرائلية تواصل حرمان المعتقلين الفلسطينين في سجونها من.........مشاهدة قناة الجزيرة منذ أكثر من عام"!
لا يشكك أحد في نبل غرض القناة من نشر خبر مثل هذا، و رغبتها في الضغط على السلطات الإسرائلية من جهة لإلغاء التميز ضد القناة و في نفس الوقت لإيصال رسالة للمشاهد العربي بأن الإسرائيلين يخافون قناة الجزيرة و يكرهونها و بالتالي فإن عدو عدوي هو صديقي.
لكنني كمشاهد عربي لم استنتج أي من هذه المعطيات، أول ما تبادر إلى ذهني سؤال بريء، هل يوجد في السجون الإسرائلية تلفزونات؟ و هل يسمح للمعتقلين السياسيين أعداء الدولة و المنادين بزوالها بمشاهدة التلفاز؟ بل و الاختيار بين القنوات الفضائية العربية التي يفضلون؟ و هل يتم حرمانهم فقط من قناة الجزيرة؟ لست أدري لماذا أحسست رغماً عني أن اسرائيل دولة ديموقراطية بالفعل، و أنها دولة تراعي حقوق الإنسان إلى أبعد حد حتى لو كان سجيناً سياسياً من دين و جنس مختلف؟
كل ذلك غير صحيح بالطبع، والجرائم اليهودية أوضح من أن يجهلها جاهل لكن الخبر الذي تصر قناة الجزيرةعلى بثه بإلحاح يؤكد عكس ذلك. و ربما يبعث بعض الأفكار الخبيثة لدى البعض لمقارنة ذلك المعتقل الظالم الذي يمنع المساجين من مشاهدة قناة الجزيرة بتوقيف إدارة المرور لدينا ذي الخمسة نجوم!