الخميس، 21 يوليو، 2011

هكذا يفكر محمد الفايز!

ربما لا يوجد دولة على وجه الأرض يتغنى إعلامها بالوطنية و حب الوطن و منجزات الوطن بقدر إعلامنا الحكومي و شبه الحكومي بمختلف أذرعه المتعددة بين تلفزون و إذاعة و صحافة. و ما أداراك ما الصحافة!
و رغم كل هذه البوربجندا الصاخبة عن الوطنية و الوطن لا تكاد نلمس أثراً لها على أرض الواقع فالفساد في ازدياد، و السخط الشعبي في تعاظم و مشكلاتنا الكبرى و الصغرى لا تجد لها حلاً إلا بالمسكنات التي تخفي الأعراض قليلاً و لا تتعرض لأصل المرض حتى يستفحل و يصعب علاجه..و هنا يأتي السؤال: ترى لماذا رغم الوفرة المادية الهائلة لازلنا نعاني ذات مشاكلنا أيام الشح المالي؟ بل و تعاظمت مشاكلنا و ازدات حدة؟ لماذا رغم الإنفاق الهائل في الميزانية على بنود الصحة و التعليم و الخدمات، تتردى الصحة و التعليم و الخدمات؟ بل تزداد البطالة و الجريمة و تفوح رائحة الفساد الكريهة من كل ركن؟
الإجابة على هذه الأسئلة مهمة عسيرة و كبيرة جداً و تحتاج إلى خبراء متخصصين ليجدوا لها الإجابة الشافية، لكنني سأكتفي بذكر مثال صغير وقع بين يدي يلقي شيئاً من الضوء على سبب تخلف البلاد و تراجعها رغم كل الشعارات الطنانة التي نرفعها صباح مساء.
لعل الجميع يذكر الأسلوب المهين الذي قابل به وزير الخدمة المدنية (محمد الفايز) مجموعة المهندسين الذين تجمهروا أمام وزارته مطالبين بإقرار كادرهم الذي تعثر في أروقة وزارته لسنوات و كيف زجرهم بأَنَفةٍ و قال (لا تتجمعوا مثل الحريم) و رفض حتى استلام ورقة مطالبهم، و على الرغم من أن معالي الوزير عاد فيما يشبه الاعتذار و وعد باعتماد الكادر عبر الصحف خلال أربعين يوماً( ولم يفعل) إلا أن رسالته الأعم و الأشمل قد وصلت بوضوح و هي أن المواطن مهما طالب و مهما علا صوته بحق أو بدون حق فلا قيمة لصوته و لن يلتفت له أحد من معالي الوزراء مالم تأتيهم أوامر بذلك، بل إن أصحاب المعالي حريصون جداً على القبض على كل قرش و هللة في ميزانية الدولة و منعها من جيب المواطن اللحوح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ربما بسبب هذه الحادثة لم أشكك كثيراً في صحة خطاب (سري) وصلتي صورة منه عبر البريد الإلكتروني مؤرخ في ٢-١١-١٤٣١ هـ و موجه من محمد الفايز إلى وزير المالية بخصوص كادر المهندسين ذاته، و الذي يخبره فيها بخلاصة إجتماع لجنه مكونه من وزارته و وزارة الشؤون البلدية و هيئة المهندسين خلصت إلى (تأجيل البت في كادر المهندسين الجديد) و ترى أن من مبررات عدم اعتماده أن (نسبة المهندسين السعوديين في القطاع العام لا تتجاوز ٤.٧٪ من موظفي القطاع العام). والمبرر الوجيه الآخر هو (عدم وجود تسرب للمهندسين من القطاع العام للقطاع الخاص) أما السبب الوجيه و العبقري الأخير الذي أورده الخطاب ( أن رواتب الفئة الهندسية لدينا تتجاوز رواتب نفس الفئة في بعض الدول المجاورة)
و هكذا و بعد تلك المبررات الخارقة الذكاء خلص الوزير إلى أن يتم تأجيل النظر في الموضوع.
تخيلوا معي مستوى تفكير و أداء وزير في أهم منصب حيوي يقبض على شرايين و مفاصل الثروة البشرية للبلاد و يفكر بنفس طريقة محاسب بقالة بخيل في حارة صغيرة. فمعالي الوزير يتحدث عن قطاع حيوي وهام و يمس عصب التنمية في البلاد كأنه بضاعة كاسدة يفاصل معاليه في السعر الذي تستحقه و لماذا ندفع أكثر و المستورد أرخص و أحلى و يؤدي الغرض؟
لم يفكر معاليه و اللجنة الموقرة التي اجتمعت معه في أثر ذلك الغبن على التنمية في البلاد و لا أثره على مستقبل الهندسة كمهنة حساسة و ضرورية في المجتمع و لم يفكر للحظة أنه بذلك القرار الغبي يهدر الكثير من الملايين التي ظن أنه وفرها على الدولة و التي أنفقت على المدارس و الجامعات و كليات الهندسة لتخرج المهندسين الذين لا يرى معاليه ضرورة لاعتماد كادر رواتب يليق بهم.
و هو عندما قارنهم ببعض الدول المجاورة التي لم يسمها لم يكلف نفسه مقارنتهم بزملائهم في القطاعات شبه الحكومية في ذات الدولة كشركة الكهرباء و الخطوط السعودية و شركة أرامكو الذين يمنحون ذات المهندسين رواتب تبلغ ثلاثة أو أربعة أضعاف رواتب معاليه التي يراها تزيد على رواتب الدول المجاورة
ترى هل يفكر معاليه أو يعرف معنى الإنتاجية و الكفاءة و الجودة الشاملة لدى موظف يعاني الإجاط و الغبن؟
و هل عدم تسرب المهندسين القلة في القطاع العام مبرر لظلمهم و عدم إنصافهم؟
كيف نطالب موظفاً بأن يتميز في أدائه و هو يرى مرجعه يعامله كصندوق (بندورة بائته) لا تستحق الثمن الذي دفع فيها؟
ثم أليست كل المشاريع الحيوية في البلاد يشرف عليها و يستلمها من منفذيها مهندسوا القطاع العام؟
أليس من الأولى أن يقلق معاليه أن نسبة المهندسين السعوديين في هذا المكان الحساس لا تتجاوز ٥٪؟
أليس من الأولى أن يكون هذا حافزاً لدعم هذا القطاع و تصحيح أوضاعه بدلاً من تركه في منطقة مظلمة موزعاً بين المحبطين و الأجانب؟
الوطن ليس بقالة صغيرة يفرح مالكها بأرباح الحساب الختامي، بل هو شيء أكبر من ذلك بكثير و يعصب شرحه لمعالي الوزير، كما أنه ثمة أشياء أخرى تحفز على الوطنية و حب الوطن أهم من الأغاني و البوربجندا الممجوجة..إنها الإحساس بالعدل و الكرامة و حفظ حقوق الناس..و لا أظن أن محمد الفايز و رفاقه يفهمون ذلك!

الأحد، 3 يوليو، 2011

كنت رئيساً لمصر: عن الثورة التي ضلت الطريق مبكراً!

المؤلف: محمد نجيب
الناشر: المكتب المصري الحديث 1984


كلما قرأت كتاباً عن ثورة الضباط الأحرار أملاً في المعرفة و رفع الحجب، أزدت حيرة و تشتتاً. فكل كتاب أقرأه يصف لي ثورة مختلفة و أشخاصاً مختلفين كأنني أقرأ عن عشرات الثورات و مئات الأحداث لا الثورة ذاتها. فبينما يرفع محمد حسنين هيكل الثورة إلى عنان السماء و يمجد عبدالناصر حتى يكاد يجعله نبي العصر المرسل متسلحاً بكومة لا تنتهي من الوثائق و الملفات، تجد آخرين يكيلون أقسى التهم لعبدالناصر و أيام الثورة التي يصفونها بالسوداء كمصطفى محمود في معظم كتابته عن عبدالناصر، و يقف آخرون منها موقفاً حيادياً يحلل سلبياتها و إيجابياتها بأسلوب علمي منطقي مثل جلال أمين الذي يقسم الثورة إلى مراحل و يفصل في التغييرات الاجتماعية و السياسية التي أحدثتها في المجتمع. لكن هناك قلة من الكتب النادرة التي تتحدث عن وقائع و أحداث و مشاهدات يومية، هذة الكتب لا تعنى بالتفسير و التبرير و تنقل صورة حية و صادقة لما كان يحدث دون أن تهتم بالتوصيف بكيف و لماذا. أحد هذة الكتب هو هذا الكتاب و الذي يسجل فيه أول رئيس للجمهورية المصرية الحديثة مذكراته بعد عقود ثلاثة قضاها داخل المعتقل. و يسرد وقائع يومية لأحداث ساخنة صاحبت فترة الثورة و فترة حكمه القصيرة التي تلتها و التي لم تتجاوز العامين قبل أن تتم إزاحته عن سدة السلطة لصالح جمال عبدالناصر.


يحكي محمد نجيب بمرارة ظاهرة في كل حروفه قصة الثورة التي كانت مجرد انقلاب عسكري لتصحيح الفساد داخل الجيش ثم تطورت لتصبح حركة ثم تجرأت لتسمي نفسها ثورة بعد التفاعل الشعبي الذي نالته في بداية أيامها. و ينسب محمد نجيب تلك الشعبية لضيق الناس من فساد الملك فاروق و لمرارة الهزيمة في حرب فلسطين ١٩٤٨ و احتلالها من قبل الصهاينة لا لشعبية الضباط الذين لم يكن يعرفهم أحد في ذلك الوقت.

و يفصل الأيام الأولى للثورة و الحيرة و الارتباك التي صاحبتها و الفراغ الدستوري و الدستور المؤقت ثم إسقاط الملكية و إعلان الجمهورية و كيف بدأت الثورة تحيد عن مسارها بتسرب العسكر إلى سدة الحكم بدلاً من العودة إلى ثكناتهم و تسلطهم على الحريات و الحياة السياسية في البلاد و إلغاء الأحزاب و تأسيس المخابرات ثم تحول أنياب تلك الثورة تجاه أبنائها فشرعت في التهامهم واحداً بعد الآخر فمزقتهم بين قتيل و سجين و شريد و لم يبق على سدة الحكم إلا ديكتاتور واحد خلف حكماً تسلطياً مركزياً بلا مؤسسات هو جمال عبدالناصر.

يكيل الكتاب الكثير من التهم لمجلس الثورة و لجمال عبدالناصر شخصياً و الذي لا يراه سوى ديكتاتور تسلطي يجيد لعبة الحيل السياسية و المؤامرات الخفية. و تتراوح هذه التهم بين الفساد الشخصي و الانحراف السياسي و بغض النظر عن التهم الشخصية الصغيرة التي يصعب التحقق منها، فقد أفرد الكتاب صفحات كثيرة لنقد موقف عبدالناصر من السودان و تفريطه في الوحدة معه بسبب جهله هو وصلاح سالم بالخلفية التاريخية و الاجتماعية للشعب السوداني و الاحزاب السودانية التي كان معظمها مؤيداً للوحدة مع مصر. و يصف في تفاصيل كثيرة الخطوات التي قام بها نجيب قبل عزله لتحرير السودان من الاحتلال البريطاني و التمهيد لوحدته مع مصر و الفشل الذي حل بتلك الوحدة بعد عزله و توجس السودانيين من الضباط الذين يعتقلون رئيسهم بسبب خلاف على السلطة و إصرار السودانيين على عودة نجيب إلى سدة الحكم بسبب ارتباطهم العاطفي و السياسي به و هو الذي لم يسمح به عبدالناصر و أدى إلى فشل الوحدة و تحول السودان مع الوقت من حليف إلى عدو.

الانتقاد التفصيلي الآخر الذي يعرضه الكتاب هو اتفاقية الجلاء التي وقعها عبدالناصر مع الانجليز بعد فترة وجيزة من عزل محمد نجيب و يسرد المؤلف تفاصيل الاجتماعات الطويلة له مع الانجليز و رفضه للكثير من الشروط المجحفة في الاتفاقية و التي رأى أنها تهدد السيادة المصرية على أراضيها و فوجئ فيما بعد بعدالناصر يقبل بها بكل ترحاب بل بما هو أسوأ منها، و يرى نجيب أن توقيع عبدالناصر على الاتفاقية هو ثمن موافقة الانجليز على بقائه في الحكم بعد إزاحة نجيب!

وسواء اتفق البعض أو اختلف مع رأي محد نجيب في رجال الثورة و قراراتهم التي ربما يراها البعض مبررة بالنسبة للظروف التي واجهوها فإن ما لا يحتمل التبرير على أي وجه هو الطريقة اللا إنسانية التي عامل بها رجال الثورة زميلهم ورئيس الجمهورية و قائد الثورة بعد تتحيته عن سدة الحكم.

ففي سطور مثقلة بالمرارة و الأسى يصف اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية تفاصيل اعتقاله من قصر عابدين(مقر الرئاسة) و نقله إلى فيلا عارية من الأثاث صادرتها حكومة الثورة من أحد السياسيين في ضواحي القاهرة ليقيم فيها معتقلاً تحت حراسة مشددة و وسط رقابة لصيقة و إهانات مستمرة من الحراس امتدت لثلاثة عقود و لم تتوقف الإهانات عند شخصه بل لحقت أبناءه الثلاثة الذين دخل أكبرهم المعتقل و مات بعد خروجه منه بأشهر و أغتيل الثاني في ظروف غامضة أثناء دراسته بألمانيا و أقصي الأصغر من وظيفته بقرار رياسي و انتقل للعمل سائق أجرة و ربما هو أول نجل رئيس جمهورية يشتغل بهذه الوظيفة

و لعل أكثر أيام الاعتقال مرارة هي أيام حرب ١٩٥٦ عندما دخلت الجيوش البريطانية و الإسرائلية لمصر لاحتلال قناة السويس و الذعر الذي أصاب الثوار وقتها و دفعهم لنقل محمد نجيب من معتقله و إخفائه لمدة شهرين في منفى آخر في أقاصي الريف لمدة شهرين في غرفة رطبة مظلمة خوفاً من أن يثور الشعب على الهزيمة المتوقعة حينها و يطالب بتحريره و عودته إلى سدة الرياسة

يحكي محمد نجيب موقفاً أثر فيه كثيراً في المعتقل عندما عاد ولده من المدرسة ليسأله (هل صحيح يا أبي أنك كنت رئيساً للجمهورية؟)

و يجيبه الأب بنعم، فيخرج الإبن كتابه المدرسي ليريه ما كتب فيه

( الرئيس جمال عبدالناصر هو أول رئيس للجمهورية) فدمعت عينا الرجل و قال يا ولدي هذه إرادة الحكومة لا إرادة الشعب.

ترى مالذي كان سيحمله المستقبل لمصر لو لم تتم تنحية نحمد نجيب عن الحكم؟

وهل زرعت الثورة بذور نهايتها منذ ذلك الوقت المبكر بالأخطاء الفادحة التي ارتكبتها؟

هل كانت أسباب ثورة ٢٥ يناير كامنة منذ مدة أبعد كثيراً مما تخيلنا؟