السبت، 25 فبراير، 2012

خريف كوداك!


يمكنني أن أتذكر جيداً أول كاميرا رقيمة شاهدتها في حياتي، كان ذلك منذ مدة تزيد على عقد من الزمان. كنا لانزال طلاباً في كلية طب الأسنان، و كانت متطلبات الكلية تقتضي-ولازالت- تصوير الحالات التي يعالجها الطلبة قبل و بعد العلاج و تقديم الصور في نهاية العام لأستاذ المادة لإثبات أداء المتطلبات الإكلينيكية و دخول الامتحان النهائي. كنا نتشارك أنا و زملائي في كاميرا عملاقة بعدسة اسطوانية طويلة و فلاش حلقي ممتد بأسلاك ملتفة حول الكاميرا، كان منظر الكاميرا مهيباً و مرعباً تماماً كسعرها الذي اقتضى منا خططاً تقشفية طويلة المدى حتى تمكنا من تحصيل ثمنها. لكن سعر الكاميرا لم يكن مشكلتها الوحيدة، فبعد انتهاء التصوير تبدأ معاناة تحميض الأفلام، و لأن الأفلام التي نستخدمها من نوع الشرائح الشفافة، فكان تحميضها يتطلب الذهاب إلى معمل وحيد لشركة (كوداك) في طريق المدينة-وسط جدة- و التذلل لدى الموظف لقبول تحميض الفيلم بسرعة دون رفع السعر، و انتظار الصور التي في بعض الأحيان تخرج محترقة، أو مشوشة لأن أحدنا لم يحسن ضبط الفيلم أو ضبط الإعدادات الخاصة بالكاميرا. لكن و بخلاف حالات الخطأ تلك كانت معظم الصور آية في الوضوح و الدقة. في تلك الفترة جاء أحد الزملاء إلى العيادة بكاميرا غريبة الشكل، كانت مفلطحة أشبه بكتاب سميك، عدستها صغيرة ضامرة، و ليس لها ذلك الفلاش المهيب، لوح بها في وجوهنا و قال "هذه كاميرتي الجديده" ثم تمعن في وجوهنا المتعجبة و تابع "كاميرا ديجيتال..تعمل بدون أفلام!”. و ضغط زراً صغيراً في جانبها فخرج منها قرص مرن ، ثم تابع"لا حاجة للفيلم..هذا هو الفيلم". لم تستغرق دهشتنا سوى دقائق، حتى رأينا صور الكاميرا العجيبة، كانت آية في الفشل المطلق، صورها باهته مظلمة و فاقدة للدقة. كما أن القرص المرن لم يكن يحتمل أكثر من صورتين أو ثلاث على الأكثر و يحتاج إلى تبديله بقرص آخر. كان ذلك كافياً كي نطلق أحكامنا الواثقة: الكاميرا الرقمية اختراع فاشل، لا يمكن أن تقارن بأي شكل من الأشكال بالكاميرا العادية و أفلامها بالغة الدقة..خصوصاً عندما تقارن بأفلام من نوعية جيدة كأفلام شركه كوداك!.
بالطبع لست بحاجة لذكر مدى سذاجتنا و جهلنا في ذلك الوقت، و أن الأمر لم يستغرق عشر سنوات لتصبح كاميرتنا المهيبة شكلاً وسعراً قطعة من الخردة القديمة، و أن كل طلبة الكلية اللاحقين اصبحوا من ملاك الكاميرات الرقمية.
عادت تلك الحادثة إلى ذهني و أنا أقرأ بحزن خبر إفلاس شركة كوداك العملاقة، و التي كانت على قائمة أكبر الشركات العالمية لعقود و أثرت حياتنا باختراعات و تقنيات في مجال التصوير فحفظت ذكرياتنا و لحظاتنا الحلوة و ملامح أحبائنا في صدور مجالسنا و ألبوماتنا لنسترجعها متى ما راودنا الحنين.
ترى كيف غفلت شركة عملاقة مثل كوداك عن قراءة المستقبل القريب؟ كيف فشلت في التنبؤ بمصير أعظم منتجاتها و لم تبادر بتغيير سفينتها الغارقة قبل أن يغمرها اليم؟
كيف تشابهت قرارت مجلس إدارة محترف يدير جيشا من ١٤٥ ألف موظف مع قرارات شباب طائش لا يملك أي خبرة في الحياة مثلنا في ذلك الوقت؟
إن كان ثمة عبرة مما حدث لشركة كوداك فهي أن الثوابت لا تبقى على ثباتها طوال الوقت، و أن ثباتها لمئات السنين لا يعني مناعتها ضد التغيير، و أن ذلك التغيير قد يكون سريعاً و صادماً و دون توقع.
ثمة اختراعات و حوادث غيرت الكثير من القيم و الموازيين في العالم، و رغم بساطتها الخادعة فقد كانت أشبه بعود الثقاب الذي أشعل حقلاً يابساً. و في كل مرة كان الخاسرون هم أولئك الذين يترددون في اتخاذ قرار التغيير حتى يضطرون إليه في وقت يكون قد أصبح متأخراً جداً و مكلفاً جداً.
ترى كم من قررات التغيير التي ينبغي علينا أن نتخدها فوراً؟ و كم من القررات التي تأخرنا عن اتخاذها حتى الآن؟ هل لازالت نظرتنا الثابتة للحياة صالحة لعالم اليوم؟ أم أنها تحولت إلى قطعة خردة قديمة دون أن نعلم؟ و هل ما يشهده العالم من ثورات و تحولات يستدعي أن نعيد النظر في ما لدينا من طرق تفكير؟
ترى كم مقدار التشابه بيننا و بين كوداك؟ أخشى أن تكون الإجابة مرعبة!
صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٨٣) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٥-٠٢-٢٠١٢)

الأربعاء، 22 فبراير، 2012

ن




لا يوجد حرف أكثر دفئاً وحناناً من حرف النون، باستدارته الناعمة و ذراعيه المفتوحتين و تجويفه الذي يستعد لاحتضان العالم.
شبهه علماء اللغة بالدواة التي تمد القلم بزاده من العلم و بذلك فسروا القسم الإلهي به، فكانت "ن والقلم". الدواة و الحاضنة و الزاد و الملجأ و الملتجى للقلم و المداد للعلم و الثقافة و الحياة و النور.
رغم أن التاء كانت أداة التأنيث الدائمة في اللغة إلا أن النون وحدها استفردت بالدلالة على النساء، فكانت هي نون النسوة،و كأن الأنثى بكل ذلك الفيض من الحنان لا تحتمل قسوة التاء المربوطة التي تعزلها عن فضاء الصفحة البيضاء و العالم. لابد للأنثى أن تحتضن العالم بحبها و تحتويه في قلبها و تمنحنه كوامن فيضها، وحدها (النون) هي من تجاريها بنقطتها الوحيدة المستديرة المستقرة في باطنها، تحتويها كما تحتوي الأم جنينها، تحتضنها كما تحتضن حبيباً غائباً بكل كيانها فتجعله مركزاً لكل ذلك الفيض من الحب و الثراء.
ألم يحن الوقت لكي تبحث عن نونك الخاصة بك، ابحث عنها في أول من احتضنك و أنت نقطة صغيرة في رحمها، اركض نحوها، احتضنها بشوق و ادفن رأسك في صدرها، عد لتكون النقطة التي تحتويها بكيانها، اعط نفسك ترف الاحتضان و الانغماس في فيض الحنان الباذخ، ضمها إليك بقدر كل ما تعاظم فيك من ألم وجوع و قهر و حرمان،بلل صدرها بدمع الطفل الصغير الكامن فيك، ذلك الطفل الذي تاه منذ قرن و تحاول العثور عليه الآن في أحضانها.
انكفئ في حضن أمك، في نورها و نعيمها، لا تفعل ذلك لأنه واجب عليك، ولا لأنك تطلب رضاها، و لا لكي تنال التوفيق في يومك، افعله لأنك تحتاجه بشده، لأنك محظوظ جداً و سعيد جداً إن استطعت أن تناله. هناك، في قلب تجويف النون العظيمة، طاقة هائلة من الحب لو وزعت على الكون لجعلت الحيتان ترقص في البحر و النجوم تغني في السماء،و الصحارى تغتسل بنشوة المطر. طاقة من الحب تجعل الربيع سيد الفصول و الغزلان ملكات الغاب و البلابل وزراء القصر و ندماء الملكات. لكن كل ذلك الإكسير مخزون مخبؤ لك، مشفر على شفرة خلاياك و مسامات بشرتك و تجاعيد وجهك. كل ما تحتاجه هو أن تغمر نفسك فيه فتعود صبياً يافعاً ممتلئاً بالأمنيات.
لست بحاجة لتتسول الحب بعد اليوم من أحد، ولا أن تبحث عن القبول و الانسجام ممن قد ينمحه و يمنعه، دونك النبع كله و النهر ذاته، ما شق الأرض إلا لك و ما جرى إلا ليغمرك فلا تكن أعظم المحرومين بالإعراض عنه. أدركه الآن و انغمس فيه حتى الغرق، فأنت لا تدري متى يأتي اليوم الذي تطلبه فيه و لا تجده، فهو ككل الأشياء الجميلة لابد راحل!
ابحث عن باقي جملة النعيم من حولك، لا تنسى نونك الأخرى رفيقة دربك حبيبتك/زوجتك، لا تفرط في الإعراب كثيراً و لا تدقق في أحكام الصرف. اصنع جملتك الخاصة و قواعدك الخاصه ابتدئ منها و انتهي إليها انزلق على حواف النون لكن احرص دائماً أن تكون في داخلها، لا تقف على طرف الصفحة بعيداً و لا تفقد دهشتك من جمالها يوماً و ثق أنك كلما اقتربت أكثر كلما نلت من الدهشة و النشوة مالم تكن تحسب أنك نائله.
تلفت حولك، تأمل كل نون أحاطك الله بها، تأمل صغيراتك اللواتي يلعبن من حولك، تأمل بسماتهن و لمساتهن و صخبهن البديع، أطلق قيثارة قلبك لتدخل معهن في معزوفة الحب، أغمض عينيك قليلاً و اصغ لهن بروحك، دع فيض برائتهن يلامس شغاف وجدانك و يهز كيانك في رعشة نورانية لم تتذوقها من قبل، اقطع كل صلاتك بحروف الهجاء النابية و حركات الضبط الفجة، اكتب كل جملك مبتدئاً بحرف النون في أولها و وسطها و آخرها، تخيله مركبة نورانية تحملك لتطوف في نعيم الدنيا قبل أن تقلع بك محلقة نحو الجنة.
كم هم سعداء أولئك الذين أدركوا سر النون، الذين غاصوا في أعماق نعيمها و برد ريها. لازال هناك متسع من الوقت لتلحق بهم..فقط افتح عينيك جيداً و أعد قراءة سطور حياتك دقق في جملها و حروفها، أفعالها و ضمائرها، و ستندهش كم من نون عظيمة في حياتك لم تلق لها بالاً من قبل.بادر الآن يا صديقي..لا تخجل من تعلم حروف الهجاء مجدداً.


الثلاثاء، 14 فبراير، 2012

المملكة من الداخل: الحكواتي الأشقر يكذب أيضاً!

الكتاب: المملكة من الداخل
المؤلف: روبرت ليسي
المترجم: خالد العوض
الناشر: المسبار


كان تركي الدخيل (ناشر النسخة العربية من الكتاب) واضحاً وصريحاً عندما قال في تقديمه للترجمة بأنه تدخل في بعض الأحيان لتهذيب و تشذيب بعض التعابير و المواقف بما يناسب (موروثنا الثقافي و تعبيرنا الأدبي) على حد قوله و أنه قد حصل على (موافقة المؤلف) على ذلك التشذيب!. و كانت تلك أيضاً أولى علامات الاستفهام الكثيرة التي رافقتني خلال قراءتي للكتاب، فبغض النظر عن الموقف الملتبس لدار نشر يملكها شخص مقرب من العائلة المالكة و التساؤل البديهي الذي يتبادر إلى الذهن عن مدى السماحة التي يمكن أن تبديها الترجمة في نشر كتاب لابد أن يحتوي حقائق و قصصاً محرجة إذا ذكرت بصياغتها و نصها الأصلي الحقيقي بعيداًعن القص و التهذيب، بغض النظر عن ذلك تبادر إلى ذهني تساؤل عن مدى مهنية المؤلف عندما يقبل أن يتم (تهذيب و تشذيب) مقاطع أو جمل من كتابه المنشور عند ترجمتها إلى لغة أخرى، و هل يتفق ذلك مع المهنية الصحفية و قواعد النشر المحكمة التي يتعامل بها روبرت ليسي كمؤلف غربي في بلاده؟ ترى ماهي المقاطع التي تم تشذيبها؟ و هل كُتبت هذه الجملة أو تلك بذات النص أم أنها اجتهاد من المترجم و الناشر؟ أين هي بالتحديد المقاطع التي شُذبت؟ و لماذا شذبت؟ هل لأسباب سياسية؟ أم لأسباب ترجع للموروث الثقافي و التعبير الأدبي فعلاً كما يقول الناشر؟ تلك التساؤلات المتوجسة هي ما صاحبني عند بداية القراءة، لكن و الحق يقال اكتشفت أنني مخطئ جداً في توجسي، و أن الكتاب جملة واحدة لا يمكن أن يكون مثيراً للجدل أو للتوجس من قبل شخصيات أبطاله، بل و يالدهشتي أبدى الكتاب و مؤلفه انسجاماً تاماً مع الرؤية الرسمية بشكل مثير للدهشة، وبدا واضحاً في آخر الكتاب أن أفضل دار نشر يمكن أن تقدم الترجمة العربية للكتاب هي دار نشر حكومية أو مرتبطة بالحكومة بشكل أو بآخر.
يقدم روبرت ليسي مؤلف الكتاب رؤيته للملكة العربية السعودية خلال أربع سنوات قضاها في البلاد أملاً في التعرف على التطورات و التغيرات التي حدثت في نسيجها الداخلي بعد مرور أكثر من عقدين على تاريخ نشره لكتابه الأول المثير للجدل (المملكة). و يبرر ليسي عودته مرة أخرى للسعودية برغبته في معرفة البيئة التي قادت السعودية لتحتل منصة الترقب و التعقب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و تورط خمسة عشر سعودياً انتحارياً في تلك الأحداث من أصل تسعة عشر.
لا يبدو ليسي - ظاهريا على الأقل- ككاتب غربي عندما يكتب عن المملكة، بل هو أقرب لكاتب شرقي يخاطب الغربيين ليعرفهم بمنطقته، فهو يبدي معرفة نابضة و عميقة بنسيج المجتمع السعودي و عاداته، يتحدث عن الجهاد و الصلاة و شهر رمضان و إكرام الضيف و عادات القبائل بتفهم و تسامح حقيقي، يشرحها في جمل سلسة مبسطة للقارئ الغربي بعيداً عن التهويل الذي تمارسه الآلة الإعلامية الغربية بجهل ممزوج بسوء نية، لكنه في ذات الوقت بعيد أيضاً عن التعقيد و الاسترسال الأكاديمي الذي تقدمه كتب أخرى جادة تطرقت للسعودية وتاريخها المعاصر.
يقسم روبرت ليسي كتابه إلى فصول أقرب ما تكون إلى فصول رواية حديثة، و يمنحها أسلوبه الجذاب و المسترسل نفساً درامياً لا يخلو من إثارة تجعلها في بعض الفصول أقرب إلى رواية تشويقية مثيرة مكتملة الأركان. فهو يتنقل في الحكي بين قصص منتقاه من التاريخ السعودي بدءاً بجهيمان و أحداث الحرم و مظاهرات الشيعة و حرب الخليج و مسيرة النساء لقيادة السيارات في ذات الفترة، ثم أحداث سبتمبر و بن لادن و الجهاد الأفغاني و حتى تولي الملك عبدالله و مسيرته التطويرية  داخل المجتمع السعودي. مروراً بفصول متعددة عن العلاقات السعودية الأمريكية قبل و بعد أحداث سبتمبر.
لكن و خلال ذلك النسيج المحكم و الممتع من الأحداث يستدرجك ليسي إلى منطقة خاصة جداً من الحكي، إلى مملكة غير المملكة التي تعرفها، بلاد هي بين بين، ليست متخيلة تماماً ولا حقيقية تماماً. ينصب لك المؤلف بذكاء مصيدة من الحكي أشبه ما تكون بممرات في غابة كثيفة الأوراق تحجب عنك الرؤية الكاملة فلاترى إلا طريقاً وحيداً ممهداً أمامك يستدرجك لتسير فيه كأنه الطريق الصحيح و لا مخرج سواه. ذلك بالضبط ما مارسه روبرت ليسي تجاه القارئ الذي يحسن الظن به كـ (خبير) بالمجتمع السعودي.
فرغم كل الخبرة التي يملكها ليسي تجاه السعودية و السعوديين فإن رؤيته كانت لا تختلف عن رؤية أي غربي آخر في صلبها القيمي. فالسعودية عبارة عن حكومة تحالفت تاريخياً مع المتديينين المتطرفين و هي تحاول الآن جاهدة التخلص من قبضتهم.
الأشرار على طول الخط هم المتدينون المتطرفون و الضحايا هم أفراد المجتمع و خصوصاً النساء، النساء الذين أفرد لهن أكثر من فصل ( وكل قصص الفصول حقيقية و ذات قيمة توثيقية عالية). و الحكومة التي تناضل بخجل و لكن بدأب أيضاً للتخلص من قبضة المتدينين الذين احتكروا السلطة و القرار منذ نشأة البلاد بالتحالف التاريخي بين ابن سعود و محمد بن عبد الوهاب.
فكل علل و أمراض السعودية مردها بشكل مباشر أو غير مباشر لتمكن الوهابيين من مفاصل البلاد
فالبطالة سببها سوء التعليم الذي يسيطر عليه الوهابيون و يحشونه بساعات طويلة من التعليم الديني الغير مفيد، و التطرف سببه الكبت الجنسي الناتج من الفصل المتعسف بين الجنسين، و اضطهاد النساء سببه النظرة الوهابية المتطرف للمرأة. و تخلف القضاء سببه منهج التشدد الديني كذلك. و تخلف الإعلام سببه حساسية المتديين لأي نقد حتى لو كان موارباً.
جميل، لكن ماذا عن الفساد؟ ماذا عن الحريات السياسية؟ ماذا عن المحاسبة و الشفافية؟ و كل تلك الأشياء التي لا علاقة مباشرة لها بالدين؟
يشير روبرت ليسي إلى الفساد إشارات غامضة و متباعدة و لا يراة عامل أساسي في صلب المشكلة و حادثة الفساد الوحيدة التي أشار لها صراحة حسب ما أتذكر هي حادثة صفقة اليمامة و التي شبعت بحثاً في وسائل الإعلام الغربية، و حتى هذه الحادثة وجد ليسي لها تبريراً على لسان الأمير بندر بن سلطان.
الإصلاح و الحريات هما مشروعان تحديثيان تأخذهما الحكومة على محمل الجد لكن ما يعيقها عن التقدم فيهما (دائماً و منذ أكثر من خمسين عاماً) هو التطرف .
الملك عبدالله رجل إصلاحي يقاوم الفساد و مستشاره التويجري الأب رجل عملي ديناميكي مثقف و الإبن كذلك لا يذكره ليسي إلا بالخير.
الإعتقالات و كبت الحريات لا تذكر إلا بطريقة مواربة جداً و مغمورة في الكثير من التفاصيل الصغيرة، فسجن الحائر يعتبر من فئة الخمسة نجوم إذا ما قورن بمعتقل جوانتانمو و برنامج المناصحة السعودي برنامج فعال ينسجم مع قيم المجتمع و أثبت جدواه بقضائه على دوافع التطرف الأساسية المتمثلة في البطالة و الكبت الجنسي.
وسط كل ذلك السيل الهادر من القصص و الحكايا الممتعة أو الأغصان المتشابكة يتجاهل روبرت ليسي عامداً قصة أكثر إثارة و تجذراً في المجتمع، و لايمكن أن يكون تجاهله من باب الصدفة، و هي قصة المطالبة بالإصلاح السلمي في السعودية، فالإصلاحيون السلميون لا مكان لهم على خارطة فصول ليسي المثيرة للجدل ، فباستثناء إشارات عابرة هنا و هناك في خضم الأحداث لا يكاد ليسي يعترف بوجودهم، ولا يراهم ضمن نسيج المجتمع الذي يعرف خباياه جيداً. هل يعقل أن يتحدث ليسي عن الشيعه و السنه و الإرهاب و الإصلاح السياسي و البيانات ثم يتجاهل كل شخصيات الإصلاح السلمي من شهاداته و شهوده الكثر؟ هل يعقل أن لا تتم الإشارة و لو بالإسم لشخصيات قضت سنوات من عمرها بين السجون و الإقامة الجبرية مثل د. عبدالله الحامد و د. متروك الفالح؟ و سعود الهاشمي؟ و سلمان الرشودي؟ و عبدالرحمن الشميري؟ و غيرهم من قائمة الإصلاحيين الطويلة؟
هل غيب روبرلت ليسي ذلك الفصل المثير من القصة لأنه لا يتفق مع الصورة التي يريد إظهارها للملكة من الداخل؟ أم لأن التوغل في هذا الجانب من الأدغال مكلف و له ثمنه الذي قد يضطره لخسارة الكثير من (أصدقائه السعوديين) الذين يعتز بصداقتهم على حد قوله.
هل كان من الصعب على روبرت ليسي الحصول على قصص موثقة عن التعذيب في السجون مقارنه بالقصص عن سجن الخمسة نجوم؟ هل كان من الصعب علية التحدث إلى أحد من ذوي معتقلي إستراحة جدة ليروي عن قرب الوجه الآخر للقصة؟
أم أن هذا الجزء سيبدو فاقعاً و نشازاً لذا فضل المخرج حذفه من السيناريو كي تظهر الحكاية رومانسية و شرقية بامتياز؟
على الرغم من كثرة الشهادات التوثيقية التي أوردها ليسي منثورة في ثنايا كتابه فقد شابها الكثير من الانتقائية و الانحياز تماماً كما هو نمط الكتاب. فالعاملان المشتركان بين معظم تلك الشخصيات هو أنها ليبرالية أو معتدلة الرؤية حسب وجهة النظر الغربية أو أنها (كانت) متطرفة ثم اعتدلت فيما بعد. و العامل الآخر هو أنها بشكل أو بآخر تقع تحت مظلة المرضي عنهم من قبل الحكومة السعودية.
و ربما تكون شهادة فؤاد الفرحان و شهادة محمد سعيد طيب الإستثناءان المؤكدان لتلك القاعدة، و قد تعامل معهما المؤلف بذكاء كي تخرجا منزوعتا الدسم إلى حد كبير.

ربما يكون الفصل قبل الأخير خير تلخيص لرؤية المولف للحكاية السعودية فهو يصف الحكاية التي تصدرت الفصل بأنها "تمثل الطريق الأفضل لفهم التقاليد و التطورات التي صنعت السعودية اليوم"
و يضيف في سطور لاحقة أكثر صراحة "هل حكم الفرد هو الحل لهذا اللغز؟ هل نعتقد أن الاستبداد الخير يستطيع أو ينبغي عليه أن يوفر للسعودية الطريق البعيد المدى نحو المستقبل؟"

أما القصة التي نسج حولها روبرت ليسي استنتاجه المثير و الصريح فهي قصة (فتاة القطيف)، تلك القصة بكل تشابكاتها يراها روبرت ليسي الطريق الأفضل للتعبير عن السعودية و يلتقط منها خيط تدخل الملك و أمير المنطقة (لتصحيح مسار الآلية القديمة التي يتبعها جهاز الشرطة و القانون من أجل تأمين ما نعتبره في الغرب العدالة)
و يضيف كذلك(رأينا هذه السلطة أيضاً و هي تتدخل لتحمي منصور النقيدان ذلك السلفي المتأمل، و تحمي محمد الحربي مدرس الكمياء التقدمي من بريدة)
لا أدري لماذا لا يرى ليسي تلك السلطة عندما وضعت أستاذاً في كلية الطب خلف القضبان لأنه تأمل أيضاً و لكن بطريقة مختلفة؟ هل نوع التأمل هو ما يمثل الحالة السعودية في نظر المؤلف؟ وهل يعقل أن يخرج علينا مولف غربي يتمتع بأزهى أنواع الحرية و الديموقراطية في بلادة ليخبرنا أن (الاستبداد الخيّر) هو أفضل ما يمكن أن يحكمنا ثم يركب طائرته و يرحل شاكراً ربه أن ذلك (الاستبداد الخيّر) لن يحكمه هو؟. هل يتفهمنا روبرت ليسي حقاً أم أنه يسخر منا؟
هل هو منحاز بالفعل نحونا كمجتمع و كشركاء في الإنسانية أم أنه كأي مستعمر آخر منحاز (لأصدقائه السعوديين) الذين يحمون مصالح بلاده و يغدقون عليها النفط و العقود؟
للأسف صدمني الكتاب صدمة كبرى، و لم أجد فيه سوى محاولة خبيثة لتكريس تخلفنا و تصويره كشيء إيجابي و لا بأس به أمام الآخرين ما دمنا دولة مختلفة مليئة بالأشياء المقعدة و....و المثيرة





السبت، 11 فبراير، 2012

رائحة تزكم الأنوف!

للراحل الكبير د. محمد عبده يماني مقولة حكيمة تقول بأننا بدأنا السعودة من الزاوية الخطأ.
والزاوية الخطأ التي قصدها رحمه الله هي زاوية سعودة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية وكرجل أكاديمي عريق خبر الدنيا والحياة في أكثر من مجال وجد الدكتور يماني أن الجامعات حقل خصب للبحث والتعليم ونقل التجارب والتقاء المدارس المختلفة في التفكير ووجهات النظر، وأن ثراء أي مؤسسة علمية يعتمد على تنوع أفكارها وتعدد مشارب أعضائها مما يمنحها الحيوية اللازمة لتستمر وتبدع وتدفع نمط الحياة في المجتمع نحو الأفضل وما حدث في بداية الطفرة من الاستغناء عن الأساتذة الأجانب سريعاً في جامعات ناشئة قد أضر بتطور تلك الجامعات وانفتاحها على العالم.
لكن يبدو أن معالي مدير جامعه الملك سعود (أغنى جامعات المملكة) قد فهم هذه المقولة بشكل آخر.
فقد أدلى بتصريح محير نشرته جريدة الحياة في ١٢-٩-٢٠١١ يقول فيه بالنص «الجامعة تعاني نقصاً كبيراً في أعضاء هيئة التدريس من النساء، وهو ما دعاها إلى استقطاب الكثير من المعيدات من خارج المملكة».
وما عجزت عن فهمه هنا هو الآلية التي قادت الجامعة إلى استنتاج أن البلاد ليس فيها صاحبات كفاءة من النساء اللاتي تنطبق عليهن الشروط ليصبحن معيدات في الجامعة.
ترى ما هي تلك الشروط القاسية التي لم تجد في عشرات الألوف من الخريجات وحاملات درجة البكالريوس من كل جامعات المملكة من يستحققن أن يمنحن لقب معيدات في الجامعة؟ وإذا كانت اللائحة الموحدة للجامعات لا تشترط لتعيين المعيد/ المعيدة سوى الحصول على الشهادة الجامعية بتقدير لا يقل عن جيد جداً من جامعة سعودية أو جامعة معترف بها.
بالإضافة لشرط مطاطي وهو «ما يضيفه مجلس الجامعة من شروط أخرى». ترى ما هي الشروط الأخرى التي وضعها مجلس الجامعة وعجزت بناتنا في جهات الوطن الأربع عن الوفاء بها؟ أليس من حق المجتمع أن يعرف تلك الشروط؟ وهل هي شروط واقعية وقابلة للتطبيق؟ وهل استطاعت المعيدات الأجنبيات الوفاء بتلك الشروط التي لا يعلمها أحد؟.
إن عبارة «ما يضيفه مجلس الجامعة من شروط» الواردة في كل فقرة تخص التعيينات في الجامعات فتحت للأسف باباً كبيراً لتمييع المقاييس والمعايير التي يتم تعيين أعضاء هيئة التدريس في الجامعات بناءً عليها، وجعلت الأمر مرهوناً بدرجة كبيرة للمزاج الشخصي للعميد أو رئيس القسم في تعيين من يراه مناسباً وفق مقاييسه الخاصة التي لا يستطيع أحد محاسبته عليها، لأن أي شكوى أو تظلم توجه للجامعة يتم الرد عليها بأن المتقدم لم يستوف الشروط.. تلك الشروط التي لا تحدها لائحة والتي تحولت إلى عرف غير مكتوب في أروقة الجامعات، فبعض الكليات لا تقبل أي معيد من خارج الكلية مهما كان مستواه ويعتقد مسؤولوها أن الوظيفة مثل البنت لا تُزوج أحد من خارج العائلة.
فضلاً عن شبهة التمييز الإيجابي التي قد يحظى بها أقارب المسؤوليين في الكلية أو الجامعة.
وليس بغريب أن ترى كلية من الكليات تغص ردهاتها بأعضاء هيئة التدريس من كل جنسيات الأرض عربية وآسيوية بعضهم حديث التخرج بدون خبرة تقريباً، ورغم ذلك تستقبله الكلية بكل سماحة وترحاب ولكنها تشيح بجفاء عن المواطن الذي يحمل ذات المؤهلات وتضع في وجهه العراقيل التي يشيب لها الولدان تحت مسمى «شروط مجلس الجامعة» والتي ولأسباب غير معلومة لا يتم تطبيقها إلا على المواطن الغلبان.
من الممكن أن نتفهم أن تستقطب الجامعة كفاءة متميزة في مجالها لتثري البحث العلمي وترفع مستوى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بل هو واجب ينبغي على الجامعات فعله بدلاً من دفع الأموال لمناصب وهمية.
لكن ما لا يمكن قبوله هو تعيين معيدات من غير السعوديات في الوقت الذي أصبحت فيه البطالة الهاجس الأول للدولة بكل مسؤوليها.
وسؤالي لمعالي مدير الجامعة: هل ستظل المعيدات الأجنبيات على ذات الوظيفة أم سيكملن دارستهن العليا كما يقتضي النظام؟ وهل سيكملنها على حساب الجامعة؟ وهل ستبتعثهن الجامعة للدراسة في الخارج على حسابها كذلك؟ ثمة شيء غريب وغامض في هذا القرار يا معالي المدير، وما لم تبادر بالإيضاح وكشف الحجب فستظل تنبعث منه رائحة غير مستحبة تزكم الأنوف!



 صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩)  بتاريخ ١١-٠٢-٢٠١٢

السبت، 4 فبراير، 2012

هنيئاً لسعادة الوكيل الحصري!


ثمة حادثتان شهيرتان اعتبرهما من أكبر حوادث الخداع الجماعي التي مررت بها، حادثتان تلاشت أمامها الحاسة النقدية المتشككة لدي و انخرطتُ في تماهٍٍ كاملٍ مع قطيع المخدوعين العريض حتى تكشفت اللعبة في النهاية و قد ربح من ربح فيها من الأذكياء و بقي المخدوعون من أمثالي يحكون رؤوسهم في حيرة حتى الآن.
الحادثة الأولى كانت حالة خداع عالمي و لم ينج من قبضتها أحد فيما أظن، و من تجرأ و شكك فيها لابد أنه غرق تحت أمواج الذعر و لم يُسمع له صوت، كانت تلك الحادثة هي (حمى سنة ٢٠٠٠ ) و ما رافقها من التهويل و التخويف بأن كل أجهزة الحاسب سوف تتعطل مع مطلع العام المهيب، الكثير من المقالات، و الكثير من التحليلات و التوقعات و التفسيرات للكارثة التي ستحل بالعالم نتيجة تحول التاريخ من خانتين إلى أربع خانات. و بالطبع لا يمكنك أن تنسى وجه المسؤول المهيب و هو يرتدي (البشت) الفاخر و يتحدث في جدية بأن وزارته قد استعدت لمواجهة مشكلة العام ٢٠٠٠ و أنهم اتخذوا كافة الاحتياطات اللازمة لذلك و أنه يحب طمأنة المواطنين بأن العمل في وزارته لن يتأثر إطلاقاً
بالطبع لم يتأثر العمل، الجهة الوحيدة التي تأثرت هي خزانة الدولة التي تحملت أعباء البرامج و العقود التي أبرمت مع تجار المرحلة و الذين لا زالوا يعتقدون أن عام ٢٠٠٠ هو أفضل عام مر على تاريخ البشرية!

الحادثة الثانية كانت قصة طويلة ممتدة لسنوات، كانت أحداثها أشبه بالمسلسلات التركية تتصاعد الإثارة فيها أحياناً ثم تخفت قليلاً ثم لا تلبث أن تعود إلى السطح مجدداً و هكذا بتكرار ممل لذات الأحداث. كان ذلك المسلسل هو قصة الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، و ما أدراك ما منظمة التجارة العالمية، الكثير و الكثير جداً من المصطلحات الغامضة التي يتفوه بها أشخاص مهمون جداً و بجدية كبيرة مع تقطيبة بين الحاجبين و الإشارة الدائمة إلى العولمة و الشفافية و الأسواق المفتوحة..إلخ..إلخ.
كانت مفاوضات الانضمام للمنظمة تبدو أشبة بمباراة في كأس العالم بين البرازيل و المنتخب السعودي لكن الفرق هنا أنك لا تشاهد المباراة لكن تسمع أخبارها من محللي القناه الرياضية السعودية فقط، تسمع عبارات (الحفاظ على خصوصيتنا، فرضنا شروطنا، لا تنازل عن ثوابتنا) حتى جاءنا البشير بأن المنتخب قد فاز بضربات الجزاء، و أن العملاق المسمى المنظمة قد أذعن صاغراً لشروطنا و وافق عليها و رحب باقتصادنا العملاق فيها. و لأنني مواطن صالح من فئة الموظفين لم أهتم كثيراً بمعرفة التفاصيل، لكنني صدقت ذلك المسؤول و هو يبشرني و براءة الأطفال في عينيه بأنهار العسل و اللبن التي ستغدق علي و بمزايا الشركات الكبرى التي ستافس على إرضائي، و بأن ريالاتي القليلة التي أجنيها ستصبح ذات قيمة أكبر أمام شركات عملاقة تطمح في كسب أرض جديدة لإرضاء الزبون
و في ذات الوقت كان مسؤول آخر يحذر التجار و الوكلاء المحليين من صعوبة المرحلة القادمة و أن عليهم تعديل أوضاعهم و تحسين خدماتهم قبل أن تكتسحهم الشركات الدولية.
و الآن و بعد مرور تلك الأعوام أكتشف أن الوحيد الذي تم اكتساحه هو أنا، تلاشت مدخراتي و ازدادت ديوني و غمرتني موجة غلاء حتى كتمت أنفاسي بلا رحمة. و ذات المسؤول يظهر كل عام ليتحدث عن متانة الاقتصاد و وفرة الميزانية و الرخاء القادم. يتحدث و إلى جواره معالي التاجر الكبير الذي يحتكر توريد ماركة سيارتي و يرفع في سعرها و سعر قطع غيارها كل بضعه أشهر دون رقيب، يلتفت المسؤول تجاه فضيلة التاجر ليشكره على حسه الإنساني و مجهوده الرائع في إيجاد فرص عمل للشباب العاطلين ولا ينسى بالطبع أن يهنئه بالجائزة التي نالتها شركته كأكبر موزع في العالم لشركه السيارات تلك. وطبعاً لا أحد يأتي على ذكر منظمة التجارة العالمية و التنافسية و الأسواق المفتوحة و كل ذلك الكلام الذي صدقه ساذج مثلي ذات يوم.
يبدو أنني مدين باعتذار لسعادة المسؤول المبجل عن سذاجتي التي حرمتني فهم المعنى العميق لكلامه الفخم و مدين كذلك بتهنئة لسعادة الوكيل الحصري...و أقول له ألف مبروك لقد ربحت الجائزة و المنظمة و الأنظمة و الشعب الذي تحتكره، فهنيئاً لك!


العبارات ذات اللون الأحمر لم تنشر في جريدة الشرق