السبت، 25 أغسطس، 2012

محمد سعيد طيب..أديباً



لا يكاد اسم الإصلاحي و الحقوقي محمد سعيد طيب يغيب يوماً عن الإعلام بشقيه الجديد و القديم، فهو ضمن قلة قليلة استطاعت التكيف مع لغة العصر الجديدة و الانتقال بسلاسة من الساحة التقليدية للإعلام إلى ساحة المنتديات ثم فيس بوك و تويتر حاملاً راية الإصلاح و محافظاً على شعلته المقدسة كي لا تنطفئ. و سواء اختلفت أو اتفقت مع "أبي الشيماء" في رؤاه و أفكاره فإنك لا تملك إلا أن تقف احتراماً لمواقفه و تاريخه الإصلاحي و الذي ربما يكون أجمل و أصدق مافيه أن أفعاله و مواقفه تسبق كثيراً أقواله و تتفوق عليها و ربما لفرط تواضعه و إنكاره لذاته و ذوبانه في هموم الشأن العام أهمل توثيق و الحديث عن الكثير من تلك المواقف خوفاً من التورط في ما جبل عليه الكثير من مدعي الإصلاح من الإزدواجية و الزيف. لكن ذلك التواضع  و إن كان نزيه الدوافع فإنه حجب الكثير من الزوايا المضيئة في سيرة "أبي الشيماء". و قد ظللت أعجب من قلة نتاجه الفكري رغم خلفيته الثقافية الواسعة و بحر قراءاته الوافر فأنت لا تكاد تجلس معه في مجلس و يلتقط فيه طرف الحديث إلا أمتعك بعباراته المنسابة و المطعمة بالكثير من الاستشهادات المتقنة من كتب التراث و الأدب و الحديث في سلاسة و تبسط لا يتقنه إلا أصحاب الحرف الحقيقيون.
و زادت دهشتي تلك عندما قرأت طرفاً من سيرته في كتاب "السجين ٣٢" الذي حرره الزميل "أحمد عدنان" و ذكر فيه أن الطيب قد حاز  عدة جوائز أدبية و هو لا يزال على مقاعد الدراسة الأولية كما أنه ألقى كلمة مرتجلة في حفل خطابي و هو طالب ضمن كلمات لشخصيات رفيعة المقام من ضمنها الراحل "محمد حسين زيدان" فكان حديث المجلس في ذلك الوقت هو تفوق كلمة الطالب على كلمة الأستاذ الكبير و هي كلمة مرتجلة!.
و لعل الإصدار الوحيد الذي يحمل توقيع "محمد سعيد طيب" هو كتابه البليغ "مثقفون و أمير" و الذي أصدره قبل عشرين عاماً و تناول فيه في قالب حواري جميل الكثير من القضايا الملحة في الشأن العام كالحوار الوطني و حقوق المرأة و البطالة و الأقليات و الطائفية و العنصرية و تطوير مكة المكرمة و قضايا أخرى عديدة. و قد تناولت أقلام كثيرة الجانب المباشر في الكتاب و القضايا التي تعرض لها لكن اللافت في الكتاب و الذي لم يتناوله أحد في ظني هو أسلوبه الأدبي الفريد. فبغض النظر عن موضوعاته الساخنة يعد الكتاب نصاً مسرحياً محلياً غاية في الفرادة و الإبداع و قد كُتب بلغة راقية و جذابة تجمع  بين الأصالة و الفكاهةفي نفس الوقت و تتنقل بين المواضيع بحرفية و براعة لا يقدر عليها إلا أديب متمكن من أدواته إلى أقصى حد.
فالكتاب/المسرحية رغم قلة صفحاته يزخر بشخصيات متعددة أحجم المؤلف عن وصفها وصفاً تقليداً و ترك للحوار تحديد ملامح كل شخصية و سرعان ما يلتقط القارئ الخطوط العريضة لكل شخصية فيجد الشيخ المحافظ و الليبرالي الساخط و القومي المتزن و الأكاديمي و المواطن البسيط، يناقشون مواضيع سياسية و اجتماعية ساخنة تتشعب بهم الرؤى و تتصادم المواقف لكنها سرعان ما تعود لتتفق في نقاط مشتركة و ينتقل الحوار بهم من الحاضر إلى الماضي و من الماضي إلى المستقبل و من الأدب إلى الفكاهة بسلاسة تبدو عفوية بشكل كبير لكنها تستدرج القارئ ليتابع الحوار الحيوي حتى نهايته حيث يقوم المؤلف بجمع أبطال المسرحية ببراعة على أرضية مشتركة في نهاية الحوار كأنه يقول بشكل غير مباشر إن جميع أطياف الوطن هي خيوط من نسيج واحد لا يمكن فصلها عن بعضها البعض و أن تباين ألوانها و تنوع أشكالها هو مصدر جمال وقوة إذا منحت الفرصة الكاملة لتنسجم و تتناغم داخل ذلك النسيج.
 يُعرف الإصلاحيون و الثوريون عادة بأنهم قليلوا الكلام قليلوا التنظير لكن "محمد سعيد طيب" يظل رغم كل مجهوده الإصلاحي المشهود موهبة أدبية نادرة الطراز و من حق الأجيال التي كافح من أجلها أن يلتفت لها قليلاً ليدون لها ويحكي عن تلك الرحلة المليئة بالمحطات المثيرة و التي تستحق التدوين بلا شك. تستحق أن تروى برؤية أدبية تحليلية بعيدة عن الصراعات و المواجهات لتدخل التاريخ الحديث كعمل أدبي قبل أن تدخله كوثيقة تاريخية و هو خير من يعلم أن كل التاريخ ربما يكتبه المنتصرون لكن الأدب لا يكتبه سوى الموهوبون .. فكيف لو كانوا موهبين و أنقياء في ذات الوقت!

كان يفترض بهذا المقال أن ينشر في جريدة الشرق لكنه منع من النشر دون إبداء الأسباب!

الخميس، 23 أغسطس، 2012

في وداع "الندوة".. ذكريات و تساؤلات


من يملك الصحف؟ هل يملكها أصحاب رأس المال الذين أصدروها و يجنون أرباحها؟ أم هي ملك لمحرريها و فنييها الذين يسهرون عليها و يمنحونها الحياة؟ أم هي ملك القراء الذين يشترونها و يتداولونها و يمنحونها شرعية الوجود؟ أم هي ملك لكل هؤلاء سوياً وكلهم شركاء بشكل أو بآخر في ملكيتها؟
الصحف و المجلات ليست مجرد مشاريع تجارية تطوى في غياهب النسيان بمجرد إغلاقها. كما أنها لا تستمد قيمتها و أحقية وجودها بعدد الريالات التي تحققها.
طافت بذهني هذه التساولات و أنا أقرأ خبر توقف صحيفة الندوة الذي طالعتنا به الأخبار الأسبوع الماضي و استبدال صحيفة جديدة بها. كم هو صعب أن تطوي مرحلة كبيرة من وجدانك وذكرياتك هكذا فجأة و بدون سابق إنذار. محطات كثيرة في تكويني أنا وجيلي من المكيين مرت بشكل أو بآخر عبر "الندوة". تذكرت وقوفي قبل عشرين عاماً في منتصف الليل أمام بوابتها الحديدية في حي "العمرة" منتظراً اللحظة التاريخية التي يفتح فيها الحارس الباب و يناولنا عدد الغد الذي يحمل نتيجة الثانوية العامة، لم تكن في تلك اللحظة مجرد بوابة حديدية صدئة بل كانت نافذة نورانية نحو المستقبل عبرت من خلالها نحو عالم جديد لازلت أخوض غماره إلى الآن. تذكرت ذلك اليوم الذي سبق تلك الليلة بسنوات عندما تجرأت و أرسلت أولى قصصي القصيرة مكتوبة بخطي الرديء على صفحة من صفحات دفتر المدرسة إلى رئيس القسم الأدبي الأستاذ "محمد موسم المفرجي" رحمه الله أطلبه فيها إبداء الرأي و التوجيه ففاجأني بالقصة منشورة في الملحق الأسبوعي على مساحة عريضة جمباً إلى جمب مع مواد الكتاب الكبار، أذكر أن عيناي اتسعتا غير مصدقتين و أن قلبي كاد يتوقف وقتها و أنا أتصفح الجريدة في البقالة في طريق عودتي من المدرسة، ظللت أحدق في الجريدة لفترة لا أدري كم طالت ثم انطلقت بها راكضاً نحو المنزل دون أن أدفع ثمن الصحيفة!.
كانت الندوة في بداية التسعينات رغم تواضع عدد صفحاتها و بساطة إخراجها تملك روحاً خاصة و نفساً صحفياً مخلوطاً بتفاصيل الحياة المكية و يومياتها فلا يخلو عدد من الحديث عن أهلها و أحوالهم ابتداء بالحج و الحجيج و انتهاءً بنادي الوحدة و مباريات فريقه الذي أطلقت عليه الجريده لقب "فرسان مكة". كما كان ملحقها الأدبي يخوض معارك أدبية عنيفة منذ منتصف الثمانينات ضد الحداثة و رموزها، و على صفحات الندوة قرأت لأول مرة اسم عبدالله الغذامي و سعيد السريحي و محمد الثبيتي (كمتهمين بالحداثة) و كنت أرقب المعركة من جبهة واحدة و وعيي يتفتح على حراك صاخب لكنه حيوي و جميل.
فيما بعد دخلت الندوة متاهات التطوير الشكلي،و اكتسبت الألوان و الإخراج و لكنها فقدت حسها المكي و ضاعت في الزحام. و رغم تراجعها في السنوات الأخيرة إلا أنها ظلت فرصة استثمارية سانحة كجريدة تملك رخصة الإصدار اليومي و تصدر من مكة المكرمة و تملك تاريخاً يمتد قرابة الستة عقود.
و الخطوة التطويرية الأخيرة بزيادة رأس مال المؤسسة خطوة منتظرة منذ زمن لكنها تطرح الكثير من التساؤلات، فإذا كان الاكتتاب تم بحسب أنظمة المؤسسات الصحفية و أنظمة هيئة سوق المال كما طالعتنا الصحف، فلماذا لم يتم الإعلان عنه بشكل واسع في الصحف كما يحدث مع باقي الشركات؟ و أعتقد أن الكثيرين ممن فاجأهم الخبر كانوا سيبادرون بالاكتتاب في المؤسسة لو أتيح لهم ذلك.
كما أن تغيير اسم الجريدة من جريدة الندوة إلى جريدة مكة. بدا و كأنه قطيعة كاملة مع الصحيفة الأم، فالعدد الجديد سيحمل الرقم واحد بطاقم جديد و رئيس تحرير جديد كما صرح الشيخ صالح كامل، فهل منحت الوزارة تصريحاً جديداً لجريدة مكة؟ أم أنها استخدمت نفس التصريح الخاص بالندوة؟ و ما الجدوى الاقتصادية التي ستعود على المؤسسة بالتخلص من اسم الندوة؟
إن النظام التنفيذي للمؤسسات الصحفية ينص على أنه"لا يحق للمؤسسة التوقف عن إصدار أي من مطبوعاتها المرخصة إلا بعد تقديم المبررات والدوافع للوزارة لدراستها مع التزام المؤسسة للوفاء بكل الالتزامات التي ترتبت عليها للآخرين" فيا ترى ماهي المبررات التي قدمت للوزارة و اقنعتها بإيقاف جريدة الندوة بهذه السرعه و المبادرة لإصدار جريدة أخرى رغم أن المؤسسة تخلصت من ديونها وزادت رأس مالها؟
و ما الجدوى من إصدار جريدة يومية جديدة من نفس المؤسسة على حساب جريدة قائمة لها تاريخها و كيانها؟
أرجو من معالي الوزير أن يفيدنا بتلك المبررات التي اقتنعت بها الوزارة فجريدة الندوة كما يعرف معاليه هي رئة مكة و أهلها و من حقهم على الأقل عندما يذهبوا لتأبينها أن يعرفوا سبب وفاتها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٨) صفحة (١١) بتاريخ (١٨-٠٨-٢٠١٢)

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

بوفيه الرحمة المفتوح


لو كان الأمر بيدي لجعلت مساحة هذا المقال مخصصة لإعلان مختصر من ثمان كلمات فقط " اغتنم الفرصة و أدرك جائزة العمر التي ستغير حياتك". و لو كان الأمر بيدي لجعلتها تتكرر في كل صفحة من الجريدة و كل الصحف الأخرى و كل قناة تلفزونية و كل لوحة إعلانية على الطريق.
إنها بالفعل فرصة العمر التي نضيعها بغباء و جهل وقساوة قلب في كل عام، نستبشر برمضان في أوله، نتبادل التهاني و الدعاء بقبول الصيام و القيام، نبدأ لياليه الأولى بحماس في قراءة القرآن و صلاة التراويح، ثم و بعد أسبوع على الأكثر نكون قد انغمسنا في عالم آخر لا يمت لرمضان الروحاني بصلة، نندمج باستغراق في تفاصيل المسلسلات الساخنة التي نتابعها، نفق الساعات تلو الساعات في تتبع حلقاتها و أي قناة تبكر بعرضها قبل الأخريات و أيها تعرضها كاملة بدون إعلانات، و إن بقي لديك بعض الوقت في ليل أو نهار فلابأس بمتابعة أخبار مباريات الدوري التي انطلقت و كيف خسر الهلال وفاز الشباب و كيف ستكون عودة الوحدة؟
و إن سلمت من صداع الكرة و المسلسلات فلا مفر من جحيم الأسواق و حمى مشتريات العيد فالصغار ينقصهم الثياب و الجوارب و الأحذية و أنت لابد أن تشتري شماغاً جديداً يحمل البصمة رقم مليون و قلماً و محفظة و قميصاً و بنطالاً و حذاء رياضياً جديداً و كل ذلك في العشر الأواخر من رمضان.
نحفظ تقريباً كل الأحاديث التي تتناول فضل رمضان، نتبادلها في رسائل الجوال، نلقن أولادنا سورة القدر منذ الصغر و نقرؤها في أكثر صلواتنا، لكننا نتعامل مع ليلة القدر ذاتها كأنها ليلة خيالية لا تخصنا و لا علاقة لها بالواقع. نلغي وجودها تماماً و أقصى ما يربطنا بها ركعات باردة نؤديها في المسجد خلف الإمام و تأمينات فاترة على دعائه و بالنا مشغول تماماً في ما سنفعل عند خروجنا من المسجد. هل سيكون السوق مفتوحاً أم أغلق أبوابه؟ هل انتهى الخياط من تفصيل الثياب أم لا؟ هل سأتمكن من يبديل القميص الذي اشتريته البارحة؟ هل سأجد المطعم الصيني مغلقاً؟
نخرج من رمضان مخدوعين و قد فوتنا أعظم مافيه من فرص و أروع مافيه من لحظات و هي لحظة المناجاة الصادقة و التذلل بين يدي الله، و هي لحظة لا يعرف لذتها إلا من ذاقها. يقول مصطفى محمود في وصف أسعد لحظة في حياته"هي لحظة ذات مساء اختلط فيها الفرح بالدمع بالشكر بالبهجة بالحبور حين سجدت لله فشعرت أن كل شيء في بدني يسجد..قلبي يسجد..عظامي تسجد..أحشائي تسجد..عقلي يسجد..ضميري يسجد..روحي تسجد. حينما سكت داخلي القلق و كف الاحتجاج و رأيت الحكمة في العذاب فارتضيته و رأيت كل فعل الله خير، وكل تصريفه عدل، وكل قضائه رحمة و كل بلائه حب..لحظتها أحسست و أنا أسجد أنني أعود لوطني الحقيقي الذي جئت منه و أدركت هويتي و انتسابي و عرفت من أنا و أنه لا أنا بل هو و لا غيره..كانت لحظة و لكن بطول الأبد ..نعم تأبدت في الشعور و الوجدان و ألقت بظلها على ما بقي من العمر.”
في ثلث الليل الآخر من كل ليلة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيهرع إليه العباد و الزهاد و الصالحون يهجرون فرشهم و أحضان أزواجهم ليخلوا به و يجلسوا على مائدته، لكن الله في رمضان يدعوك أنت، أجل يدعوني و يدعوك. يقترب منك يفتح الباب و يلغي الحجاب و يصفد الشياطين و يدعوك لمائدته، يدعوك لتذوق طعم الرحمة الحقيقي و تستمتع بحلاوة المناجاة،لتتأمل جمال المغفرة و لتذوب في صفاء الأنس و تجرب نشوة التحليق خارج الجسد و خارج الدنيا.
صدقني مهما كانت همومك و مهما بلغت أمنياتك فلا شيء يطفئ الهم و يحقق الأمنيات مثل دعوة حارة في سجدة خاشعة و لا نشوة تهز كيانك و تغسل وجدانك مثل دمعة صادقة سالت على خدك في غمرة المناجاة.
يقول سبحانه "واسجد و اقترب" تخيل تلك السجدة التي تأخذك بعيداً..تأخذك عالياً..تحلق بك في سموات الله تقربك من رحمته و ملكوته و جلاله، تشم فيها رائحة الجنة و تلامس أجنحة الملائكة ثم تهبط و في قلبك حدائق الطمأنية و النعيم.
بالله أي خسارة تلك عندما يخرج الناس من رمضان بالأنس بالله و سعة الرزق و راحة البال و صلاح الحال و تخرج أنت خالياً إلا من ثوب العيد؟
لازال في الوقت متسع يا صديقي..فأقبل على خير موائد الكون..و أطلب ما تشتهي!

الأحد، 5 أغسطس، 2012

عندما ضيع أهل مكة طريق شعابها!




كتب الدكتور فايز صالح جمال في حسابه في تويتر قبل أيام أنه استغرق في طريقه للعودة من الحرم إلى منزله أكثر من ساعة و هو الطريق الذي لا يستغرق عشرين دقيقة في معظم الأحوال، ورد عليه أحد متابعيه بقوله" أنا أخدت ساعة من الحرم لموقف الباص المؤدي لمواقف كدي منظر صعود الحجاج في الباصات مؤلم ومقزز و مخجل"، و تتابع الحوار و التعقيبات حول الصعوبات التي يواجهها كل من قصد الحرم المكي في هذه الأيام و كل التغريدات تجمع على مشقة الوصول إلى الحرم و صعوبة العودة منه.

استوقفتني تلك التغريدات لأنها بدت لي مألوفة جداً و لو كان موقع تويتر موجوداً و متداولاً منذ عشر سنوات لما اختلفت تغريدات اليوم عن التغريدات التي تكتب قبل عشر سنوات لو قدر لها ذلك.

لقد كتب مكيون أفاضل عن رؤيتهم لواقع مكة و مستقبلها الذي يطمحون إليه، كتبوا و تحدثوا عن ملاحظاتهم و أمنياتهم لتطوير مكة تطويراً شاملاً يراعي انسيابية الحركة و تدفق الزوار و يحافظ في الوقت نفسه على طرازها المعماري و آثارها التاريخية التي تمنح المدينة روحها و تربط مستقبلها بماضيها.

و على مدى تلك السنوات حظيت مكة بمشاريع لا تنتهي في كل أحيائها تقريباً و خصوصاً في المنطقة المركزية حول الحرم الشريف. أزيلت أحياء كاملة و أعيد تخطيطها من جديد، ظهرت فنادق عالمية و ناطحات سحاب و أسواق تجارية فارهة تضم أرقى الماركات على بعد خطوات من الحرم، بل و تستخدم تلك الفنادق صورة الحرم في إعلانتها و تتباهى بإطلالتها المميزة عليه، لست هنا لأنتقد أو أقيم أثر تلك البنايات الشاهقة لكنني أتحدث عن مشاهداتي البسيطة كواحد من سكان هذا البلد الحرام، فرغم أن منزلي يبعد عن الحرم مسافة لا تزيد عن خمسة كيلومترات إلا أنني أجد صعوبة متزايدة كل عام في الوصول إليه، و أتذكر جيداً الموقف المحرج الذي يتكرر كل عام تقريباً عندما يزورني صديق من خارج مكة في رمضان و يطلب مني اصطحابة إلى الحرم، فأقف حائراً في أفضل الطرق التي يمكن أن نصل بها إلى الحرم، حيث لا يمكن الدخول بسيارة خاصة فضلاً عن الزحام الشديد الذي لا ينتهي ناهيك عن الخطط المرورية العجيبة التي تفاجئنا بها إدارة المرور في كل عام، أما أذا قررت البحث عن وسيلة مواصلات عامة فعليك أن تقصد أحد مواقف حجز السيارات بكل زحامها و فوضاها ثم تركب الحافلة لتسير في ذات الطريق المزدحم الذي يختلط فيه المشاة بالسيارات الخاصة بالحافلات بدون أي فواصل ولا تسأل عن الوقت الذي تستغرقه و المشقة التي تلاقيها كي تصل إلى الحرم الذي يبعد عن منزلك تلك الكيلومترات الخمسة فقط. و إذا قدر لك أن تصل فعليك أن تتحلى بضبط النفس فلا تشعر بالحر و لا بالزحام و لا بالرغبة في قضاء حاجتك البيولوجية حيث أنه من أصعب التحديات أن تستطيع الوصول إلى دورة مياة فضلاً عن الأسئلة المترفة عن مدى نظافتها و تهويتها، و ربما تستغرب عندما تجد صفوف المصلين قد امتدت فسدت الشوارع الجانبية و أوقفت حركة السيارات و تجد حارس المول التجاري الفاره يمنع المصلين من الصلاة أمام المول كي لا ينغصوا على المتسوقين تسوقهم. و إذا قررت العودة فعليك أن تتحمل الزحام الشديد و أنت تنحشر في النفق الذي يقع تحت المول الفخم ذاته لتنتظر الحافلة في مشهد لن تتخيله مالم تشاهده بنفسك خصوصاً منظر المصلين وهم يتدافعون ركضاً للحاق بمقعد في الباص الذي لم يتوقف بعد. و ربما تمردت الحشود و اقتحمت النفق و عطلت حركة الحافلات كما حدث في إحدى ليالي العشر الأواخر من العام الماضي و سار الناس كامل المسافة من الحرم حتى (كدي) مشياً على الأقدام.

أنا لست مهندساً و لا أفهم شيئاً في علم تخطيط المدن، لكنني أشعر أن ثمة شيء يجعل الحياة صعبة وشاقة لكل من جاء الحرم للصلاة، و في كل مرة أتساءل ماذا لو اختفت تلك البنايات العملاقة حول الحرم، ماذا لو استبدلت بها ساحات رحبة ممتدة و محطات لقطارات الأنفاق و دورات مياة و مطاعم؟ ماالذي استفاده زوار المسجد الحرام من تلك الناطحات و هي تقدم خدمة فندقية تعد الأغلى في العالم و لا يستفيد منها إلا نسبة ضئلة جداً من الناس و على حساب الملايين الذين يحرمون تلك المساحات؟

إنني أشعر بالخجل من والدتي و هي تسألني في كل عام أن أصطحبها إلى الحرم لأداء الصلاة و أعتذر لها بسبب المشقة التي لا تطيقها..و ها أنا أوجه سؤالي لمعالي أمين العاصمة و لوزير الحج و مدير إدارة المرور و لكل مسؤول في مكة..مالذي جعل زيارة الحرم المكي مشقة باللغة لأهل مكة؟ أفيدونا مأجورين؟




نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤٤) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٤-٠٨-٢٠١٢)




العبارات باللون الأحمر لم تنشر في الصحيفة