الجمعة، 1 مايو، 2015

رعب الصفحة البيضاء


هذا رعب من نوع خاص.. رعب لا علاقة له بالظلام والأشباح والأرواح الهائمة. رعب لا تشاهده في الأفلام المصنفة للكبار فقط و لا تقرأ عنه في الروايات وقصص المغامرات المثيرة. رعب لادماء فيه ولا أسلحة ولا أمعاء تتمزق ولا صرخات فزع أو احتضار.. رعب نظيف هو..رعب ناصع البياض..لكنه البياض الذي يهز عمود تماسكك الداخلي ويصيبك بذعر أقرب للشلل.
رعب الصفحة البيضاء ينتقي الكتاب والمبدعين تحديداً، ويصيبهم جميعاً في أوقات مختلفة ودرجات متفاوته فلا يكاد ينجو من قبضته أحد، و إن كانت بطشته قاتلة في بعض الأحيان ولا شفاء منها.
أصعب لحظات الإبداع و الكتابة هي تلك اللحظة التي يواجه فيها الكاتب مرآة الصفحة الخالية أمامه، عندما يقرر أخيراً أن يحول كل ما يدور في ذهنه وقلبه من صور وخيالات وأحلام وهواجس إلى نص مكتوب.. لحظة خاصة جداً يتداخل فيها الشغف والحماسة والتوجس والخوف والقلق والرعبة الحارقة في البوح. خليط حاد وحارق من المشاعر يعرف إحساسه وطعمه كل كاتب مارس الكتابة ذات يوم.. تلك اللحظة الخاصة جداً رغم حدتها واشتعالها هي ما يمنح الكاتب- أي كاتب- شعوره الداخلي بالغرور والرضا عن النفس. ذلك التوازن الدقيق بين الرهبة و الرغبة ولحظات التردد و الحيرة ثم انفجار السد وجريان النهر واسكاب المعنى في قوالب الكلمات هي لحظات الإبداع التي تُشعر من يجترحها أنه اقتربَ و دنى وذاقَ الثمرة المحرمة التي لم يطعمها سواه إلا قليل.
لكن تلك اللحظات على سحرها لاتخلو من مكر و لؤم. فهي لا تسلم قيادها لمن اعتقد أنه يملكها فتهجره و تتوارى عنه في اللحظة التي يعتقد أنها أصبحت من عاداته و طوع بنانه. يواجه الكاتب صفحته البيضاء و ينتظر ذلك الدفق الحارق في العروق و السيل الجارف من الأفكار..ينتظر..وينتظر ..و يطول انتظاره و لاشيء يأتي. يخادع نفسه قليلا، يخط سطوراً باردة لعلها تستحث البقية لكنه يدرك سريعاً أنه يخادع نفسه و أن مايكتبه مجرد زجاج بارد لا جواهر حقيقية صهرتها نار الإبداع. يعود ليمزق ماكتب، يتعاظم بياض الصفحة أمام عينيه ليصبح حائطاً مهولاً يستحيل اجتيازه، تزحف قبضة باردة لتعتصر قلبه ببطء، يشعر أنه سجين معزول عن العالم وأن كل تلك الحظات الحميمة صارت وهماً بعيد المنال و أنه سيبقى هنا خلف الجدار الأبيض حزيناً بائساً لا يدري أحد بمدى غربته وفقره وعوزة وقلة حيلته.
كم تستمر أوقات الرعب تلك؟ هل يصمد الكاتب أمامها حتى تأتي لحظة الفرج وينهار السد الأبيض؟ أم أنه سيستلم و يتوارى هرباً من رعب الصفحة البيضاء؟
سعداء الحظ من الكتاب وحدهم من يملكون ترف الإجابة!




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق