السبت، 28 يناير، 2012

الوجه الآخر للعام ٢٠١١

لقد كان عاماً استثنائياً بحق، عام ترك وشمه الثقيل على وجدان الأرض وحول حكايا التاريخ إلى واقع نشاهده عياناً ولا نكاد نصدقه، واقع أقرب إلى الأسطورة منذ أن أحرق بوعزيزي نفسه واحتضن الكرة الأرضية، منذ ذلك الحين والحرائق تتوالى على الكوكب في تتابع مثير ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً. كان عاماً بمائة عام. أذل الطغاة وحرر الشعوب وفتح السماوات لتسمع نداء (الشعب يريد…). لكنه كان عاماً قاسياً كذلك، عاماً مفتوناً بنرجسيته، مصراً على أن يحتكر كل صفحات التاريخ مهما كانت، لذلك صمم أن تكون عربة الراحلين معه ممتلئة بصفوة المبدعين، و كأنه لا يكتفي بتغيير العالم عبر الأحداث الجسام بل بأن يجعله أقل نضارة و بهاءً من بعده باختطافه لمن لونوا أرواحنا و(دوزنوا) مشاعرنا ولقنونا أبجدية الحب والحياة. أول الراحلين مبكراً في هذا العام كان سيد البيد وشاعرها العظيم (محمد الثبيتي) كان رحيله حزيناً وموجعاً في ذات الوقت، ملحمة تراجيدية ألحقت الخزي بكل مؤسساتنا الثقافية والوطنية رسمية كانت أو غير رسمية. ويكفي أن نستذكر صورة شاعرنا العظيم وهو على كرسيه المتحرك مشلولاً عاجزاً عن الحركة محتجزاً في المطار ترفض الطائرة صعوده ويرفض المستشفى عودته، وهو يشاهد ذلك المشهد ولا يعلق! وكأن صمت محمد الثبيتي وحزنه وكل قصائده الموجعة نبوءة مبكرة بالمصير الذي ينتظره لكي يكشف زيفنا و نفاقنا و يعري خيبتنا أمام أنفسنا والعالم. عظيم آخر رحل في صمت وهدوء وبلا صخب هو الساخر والساحر (أحمد بهجت). ذلك الرجل الذي ظل يفتح لنا (صندوق الدنيا) العجيب لسنوات، يواربه في سطور قليلة مدهشة ويعدنا بالمزيد فيما بعد، العاشق الذي يخوض (بحار الحب عند الصوفية) بعمق و تجل ويحكي قصصا للأطفال في ذات السلاسة والعذوبة الفاتنة. يدون (مذكرات زوج) ويوميات صائم بمرح وسخرية من الطراز الرفيع و يعود ليكتب القصة القصيرة فيتجلى عاشقاً وماكراً وحزيناً في لقطات كأنها (ثانية واحدة من الحب) لكنها ثانية تستغرق دهراً بأكمله. لقد محى أحمد بهجت من حيث لا يدري ذلك الخط الوهمي الفاصل بين حب الله وحب الحياة. وأكد أن كل متع الحياة ومباهجها هي بشكل أو بآخر صلة مع الله. من المبدعين العظماء الذين ركبوا القطار الصاخب أيضاً رسام الكاريكاتير (أحمد حجازي)، ولو كنت ممن قرأ في صغره مجلة سمير أو ماجد أو علاء الدين فأنت دون أن تشعر واحد ممن رباهم الراحل حجازي على ألوانه وخطوطه، لقد صاغ برسوماته البسيطة والمدهشة وجدان وخيال الملايين من الأطفال حول العالم، وربما لن تصدق أن كثيراً مما علق بخيالك من حكايات وقصص ورسوم وربما مما أبدعت فيما بعد مستمد من خطوطه ورسومه العبقرية التي غذت ذائقتك في ذلك الوقت! ومن المبدعين الذين آثروا الرحيل في صمت بعد أن أثروا حياتنا في صمت كذلك الناشر (حمدي مصطفى). قد يبدو لك الاسم غريباً أو غير مألوف، ربما ستتذكر الاسم بشكل أسهل لو كنت تحت سن الثلاثين، ستتذكره لو تذكرت سلاسل (رجل المستحيل) و(ملف المستقبل) و(ما وراء الطبيعة) فحمدي مصطفى رحمه الله هو صاحب أكبر مشروع ثقافي في العالم العربي لنشر كتب وروايات الجيب، روايات يعرفها الناشئة كقصص بوليسية وخيالية مثيرة لكنها عمل ثقافي متقن لأبعد الحدود، عناوين و سلاسل ورسومات تجاوزت عناوينها الألف، وبلغت في انتشارها كل دول العالم العربي واستدرجت جيلاً كاملاً من الشباب العربي نحو عوالم القراءة والكتابة فيما بعد. سلاسل منحت جيلاً كاملاً ساعات من المتعة البريئة وأدخلتهم عالم الثقافة بسهولة بعيداً عن التنظير والمهاترات. فقط لك أن تعجب أن صاحب هذا المشروع العملاق شخص واحد يعمل بدون دعم من أي مؤسسة رسمية. شخص زهد في الإعلام و الظهور وكرس حياته حتى آخر يوم فيها لذلك الهدف قبل أن تختطفه عربة الموت المزمجرة في قطار عام 2011. وها هي مساحة المقال تضيق ومازالت قائمة الحزن طويلة جداً. ألم أقل لك إنه عام قاس.. قاس لأبعد حد؟! صحيفة الشرق المطبوعة بتاريخ (٢٨-٠١-٢٠١٢)

الثلاثاء، 24 يناير، 2012

إبداعات فراس عالم في مقهى مكة




نظم مقهى مكة الثقافي أمسية قصصية للدكتور فراس عبد العزيز عالم، وأدار الأمسية خالد قماش عضو الجمعية العمومية لنادي مكة الأدبي، وعضو المقهى الثقافي، وقدم الدكتور عالم خلال الأمسية باقة من قصصه التي تفاوتت بين الطويلة والقصيرة والمتوسطة، وتفاوتت بين والجداني، الاجتماعي والإنساني والتأملي، ومن أبرز عناوين قصصه (مغلق للتحسينات)، (نافذة زرقاء)، (بياض)، (كأنه هو)، (أحزان الحذاء الأحمر)، (دفتر)، (حب ولكن)، (لماذا أفعل ذلك يا جدتي).
وأخضع الناقد سمير الفيل، قصص فراس عالم للنقد والتحليل، واعتبرها تكشف معاناة الإنسان المعاصر، وذات وفرة في الحركة، شعور بالقلق، تفتح مجالا واسعا للتأويل، وتقدم عالما حقيقيا من وراء هالة شفافة، مع الرصد والوضوح، فضلا عن الحرفية والإتقان.
وأبدى عدد من المتداخلين، آراءهم في الأمسية وفي قصص فارسها، وأثنت الدكتورة كوثر قاضي، التي أدارت الأمسية من الصالة النسائية، على أسلوب فراس عالم ولغته الخالية من القوالب الجاهزة ، المرتبطة بحميمية الحياة، فيما طرحت الكاتبة إيمان الأمير عدة استفسارات على القاص، في حين أشار الدكتور عبدالعزيز الطلحي إلى العلاقة التي تربط فراس بالأشياء فتمنحها الحركة والحياة.
وهنأ الروائي صلاح القرشي فارس الأمسية على تحقيقه مطمح السارد في أن تمنح نصوصه المتعة لمن يسمعها، وأبدى فريد سنان إعجابه بقصص عالم، واعتبرها ذات مفاهيم متعددة ومستقاة من واقع المجتمع ومن حياة الناس، بدوره وربط أحمد حلبي بين طبيب الأسنان الشاب المكي فراس عالم، وطبيب الأسنان القاص الرائد عصام خوقير، وما تجمعهما من قواسم مشتركة.
وكان لعضو مجلس إدارة النادي نبيل خياط تعقيب، أشاد فيه بفارس الأمسية وما قدمه من قصص إبداعية يرتبط الكثير منها بالبيئة المكية، وهنا أوضح المتحدث الرسمي للنادي الدكتور عبد الله فدعق، أن نادي مكة الثقافي الأدبي يفخر بنشاط مقهى مكة الثقافي، مؤكدا على أن النادي متكفل بالدعم المادي والمعنوي لكافة نشاطات المقهى، الذي ينظم الأمسية مستهلا أول نشاطاته بعد انضمامه الرسمي تحت مظلة نادي مكة الثقافي الأدبي.

صحيفة عكاظ. الأحد بتاريخ ٢٢-١-٢٠١٢

السبت، 21 يناير، 2012

الخروج من قبضة النظام

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن اعتصام خريجي المعاهد الصحية أمام وزارة الصحة ومطالبهم المشروعة بالتوظيف، وناقشنا المفارقة المتمثلة في أن البلد بحاجة فعلية لهذه الكوادر من حيث نقص الخدمات الصحية في البلاد لكن الخلل كامن في الأوعية الوظيفية التي تستوعب هؤلاء الخريجين، فنظام الخدمة المدنية الذي تتبعه الوزارة لا يوفر العدد المناسب من الوظائف من جهة، والقطاع الخاص لا يعد بيئة جاذبة لهم، بل إن لسان حاله يقول (لا تقرصيني يا نحلة ولا رغبة لي في عسلك). ووزارة الصحة تصرفت هنا وكأنها تواجه مشكلتين منفصلتين، فهي من جهة تجاهد لتوظيف أكبر عدد تسمح به وزارة الخدمة المدنية ولو لرفع الحرج الحاصل الآن، ومن جهة أخرى تسعى للتفاوض مع القطاع الخاص للوصول لصيغة تجعله يقبل تعيين بعض هؤلاء الخريجين رغم تمنعهم وتمنعه وكأنها تسعى في الصلح بين زوجين لا يطيقان بعضهما! لكن المشكلة في الحقيقة هي مشكلة واحدة وليست مشكلتين ويمكن تلخيصها بعبارة (غياب المعايير) فكل هذه الفوضى الحاصلة تعود بشكل أو بآخر إلى عدم تطبيق المعايير الصحيحة على الوقائع. فلو أخذنا النظام الداخلي للوزارة لوجدنا أنه يطبق معايير الخدمة المدنية في التعامل مع كوادره الطبية من أطباء وفنيين، فهو يقيس إنتاجيتهم بعدد الساعات التي تواجدوا فيها داخل المنشأة الصحية تماماً كما يقيم أي موظف إداري في مصلحة الزكاة والدخل. كما تُربط ترقيتهم ونقلهم بالكثير من القيود كتوفر الرقم الوظيفي الشاغر ووجود بديل… إلخ. كما أن وجود كفاءة متميزة في قطاع حكومي يقضي بالضرورة حرمان أي قطاع آخر من تلك الكفاءة، فمثلاً إذا تواجد فني متميز في العناية المركزة أو أمراض القلب في مستشفى يتبع لوزارة الداخلية أو الدفاع فمن الممنوع طبقاً للنظام أن يستعان به في مستشفى تابع لوزارة الصحة مهما كانت الحاجة له ملحة، والعكس صحيح كذلك فالوزارة تحتكر كل الكفاءات التي لديها وتمنع (تسربها) لأي قطاع آخر بأي صيغة من الصيغ، وكل ذلك حسب النظام!. وبالتالي فإن الشواغر الوظيفية المحدودة أساساً يتم إشغالها بكوادر لا تستغل بشكل كامل فضلا عن أن إنتاجيتها غير قابلة للمحاسبة و القياس الدقيق أي أن لدينا هدراً في الطاقات داخل نطاق القطاع الصحي العام تسبب في العجز عن تلبية الاحتياج وكذلك في انسداد وشح الوظائف المتوفرة ولو كانت معايير النظام المطبقة تتلاءم وطبيعة العمل الطبي الميداني لما وصلنا إلى هذا المستوى من تدني الخدمات وشح الوظائف في ذات الوقت. ولكي نخرج من هذا المأزق فإن الوزارة بحاجة إلى قرار شجاع يجعلها تطالب بالخروج من تحت مظلة الخدمة المدنية وتصوغ نظاماً جديداً للخدمة الصحية يتلاءم وظروف العمل الميدانية، نظام يرتهن في عدد وظائفه للاحتياج الحقيقي للبلاد لا لرضى لجان المالية والخدمة المدنية، نظام ذكي يسمح بتغطية النقص بالتعيين الجزئي أو الكامل ويدفع للموظف على قدر إنتاجيته لا على موعد توقيعه في دفتر الحضور والانصراف، نظام يركز على جودة الخدمة والارتقاء بها لا استعباد الموظف ومطاردته بالقيود في كل اتجاه، نظام يتمتع بالمرونة في التعيين والترقية وبمعايير واضحة في الثواب والعقاب. إن مشكلة وزارة الصحة لم تكن في أي يوم من الأيام مشكلة موارد، لكنها مشكلة أنظمة، وما لم يعترف مسؤولو الوزارة بخلل تلك الأنظمة فإن كل مساعيهم للتوسع في بناء منشآت جديدة لن يؤدي إلا لتأجيل المشكلة وترحيلها لسنوات قليلة قادمة تكون قد تفاقمت وازدادت تعقيداً وتشابكاً. صحيح أن تعديل الأنظمة يحتاج صلاحيات تفوق صلاحيات الوزير، وصحيح أن تعديل الكادر الصحي فقط ذوب وزيرين قبل أن يرى النور بصيغة هزيلة ومختلفة جداً عن بدايته. لكن قد تكون وقفة الشباب هذه على أبواب الوزارة فاتحة عهد جديد يسهم في القضاء على الفكر الإداري المتخلف الذي يخنق القطاع بقبضة من ورق، ومن واجب الوزير استغلال موجة السخط هذه للدفع باتجاه التغيير بشجاعة وصراحة وانفتاح على الإعلام حتى لو تعثرت وتأخرت الخطى، فأن تخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح ولو كان وعراً خير من أن تخطو ألف خطوة في الطريق الخطأ. صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٤٨) بتاريخ (٢١-٠١-٢٠١٢)

فراس عالم

د. تهاني سعيد الحضرمي


في مساء لامع مختلف باختلاف الطقس ودرجات الحرارة اليومية بات الثلاثاء الماضي ساطع وكأن الفضاء الثقافي للمكان جسد رؤية ومنهجية إبداعية تحكي حكايات من منبر المقهى الثقافي في النادي الأدبي بمكة المكرمة.. كانت الأمسية مختلفة باختلاف القصص والروايات والأحداث والشخصيات وبدأت الرحلة حيث أبحرت السفينة بقيادة القبطان الشاعر خالد قماش إلى شواطئ المشاعر في الأمسية القصصية حيث المفردة الأنيقة والإحساس الصادق الذي ظهرت فيه استقلالية هوية القاص بالإيجاز والشاعرية والإدهاش ومجاراة الحياة السريعة في العصر الراهن.. لقد كان للبناء القصصي والتجربة الإبداعية المعاصرة في القصة القصيرة وأساليب السرد المتطورة التي استخدمها القاص وعمل على توظيفها في تقنية النص الأثر الواضح في استثمار نبرات الصوت والإيماءات التي جذبت الانتباه وجعلت من الاستماع أحد أدوات الحس الإنساني العميق نحو تتابع أحداث القصة التي سردها ببراعة وقناعته ونظرته نحو الحياة.. لقد كان لتمتعه بالمساحة الواسعة في التعبير عن الذات والغوص نحو الأعماق أبعادا أخرى أكدت التفاعل الوجداني مع الموقف القصصي بالتغيير في حالة الموقف وتبني التفاصيل الإدراكية نحو الصياغة الجذرية للرؤية الشخصية للحدث، فقد استخدم مهارات فنية في النسيج اللغوي الذي يُمثل السهل الممتنع واستعرض جوانب اختزال الإيحاءات ووصف الملامح والذكريات وطرق بوابة الماضي في حاضر ينتظر المستقبل ويقرأ حروف الخيال في واقع يمتلئ باليوميات التي تعلق في ذهنه بدقة وترسمها ريشته الذهنية وكأنها خرائط جغرافية تؤمن بأن التضاريس سر من أسرار الكون لن يعلم مكنونها سوى خالقها.. في الحقيقة لقد احترت حين أردت كتابة هذا المقال!! استوقفني العنوان كيف أختاره؟؟ والمقال يخص أخي طبيب الأسنان القاص (فراس عالم) الابن الأكبر لأمي التي لم تلدني تلك السيدة العظيمة التي تحمل بين أضلعها قلباً يتسع للعالم بأسره تُربي دون أن تتذمر، تُضحي دون أن تمن، تتألم دون أن تشكي، تُعطي ولا تنتظر أن تأخذ.. تلك السيدة هي من حولت انكسار اليُتم في نفوس أبنائها إلى خطوات نجاح واثقة تقف على عتبة الزمن أمام نافذة الغد تنظر إلى إشراقة الشمس صباح كل يوم جديد بأمل في الله كبير بأنه وحده قادر على توفيقهم وحفظهم من كل مكروه.. تلك السيدة التي كانت في يوم من الأيام هي الأم والأب لأطفالها الثلاثة ترقرقت الدموع في عينيها وهي تستعيد شريط ذكرياتها من التعب والقلق والخوف من المجهول وفي ذات الوقت تُنصت إلى هُتاف نبضات ابنها الطبيب فراس وهو يشكر صنيعها ويُقبل راحتيها في أروع صورة من صور البر والإحسان قطر: أمي نور بارك الله لكِ بهم وجعلهم قرة عين لكِ بإذنه تعالي وتأكدي (إن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب) رالف و.أمرسون

  نشر في جريدة البلاد السعودية بتاريخ 21-01-2012

السبت، 14 يناير، 2012

على باب الوزير

التجمهر الذي قام به خريجو المعاهد الصحية أمام مبنى وزارة الصحة بعد مناشدات ومطالبات وأوامر ملكية لم تنفذ حتى الآن، ينبغي ألا ينظر إليه كمشكلة تقليدية بين وزارة ومواطنين، فهو وإن دل على تقاعس إداري من قبل الوزارة في احتواء وتوظيف هؤلاء الخريجين إلا أن جذر المشكلة يكمن في منطقة أعمق بكثير من النقطة التي نراها، وأي حل يكتفي بتهدئة غضب المعتصمين وتوظيفهم بشكل طارئ ما هو إلا ترحيل للمشكلة لأعوام مقبلة سيتراكم فيها خريجون جدد وتعود الدائرة المفرغة للانغلاق مجدداً.


إذن أين يكمن الخلل؟ يمكن تشخيص الخلل بطريقة أسهل لو عقدنا مقارنة مع قطاع حيوي آخر مر بذات مراحل المشكلة حتى استفحلت وهو قطاع التعليم. فكل من قطاعي التعليم والصحة يتشابهان في كثير من المعطيات.

أولها أن كلا القطاعين من القطاعات الحيوية التي لا يمكن للمجتمع أن يتنازل عن خدماتهما كماً أو كيفاً.

كما أن كوادر القطاعين تحتاج تدريباً وتأهيلاً متخصصين يضيقان على من يحصل عليهما فرص العمل في قطاعات أخرى، ويجعل مصيره العملي مرتبطاً بذات القطاع شاء أو أبى.

كذلك مما يجمع بين القطاعين ترهل الكادر الحكومي الذي يقدم الخدمة للمواطنين وعجزه عن القيام بدوره في تقديم خدمة مرضية للمواطن كماً وكيفاً. فالشكاوى من أداء القطاعين تكاد تكون متطابقة من حيث التكدس وقلة المقاعد/ الأسرة وتدني مستوى الخدمة ومستوى تأهيل الكوادرالتي تقدمها.

وثنائية الحاجة والعجز هذه وضعت القطاعين في موقف فريد من نوعه فهما من ناحية عاجزان عن استيعاب الكوادر الطالبة للعمل في القطاع الحكومي، نتيجة محدودية وبيروقراطية سياسة التوظيف في القطاعات الحكومية وفي ذات الوقت تعترف كلتا الوزارتين بالفجوة الهائلة بين الخدمات المتوفرة والزيادة المتسارعة في عدد السكان وتسابقان الزمن بإنشاء المزيد من المشروعات التوسعية لزيادة عدد المنشآت لسد تلك الفجوة، وكأن كتل الأسمنت تلك لا تحتاج مزيداً من الموظفين!

المخرج الذي أنقذ القطاعين ولو بشكل محدود من حرج قصور الخدمة وعدم تناسبها مع الكتلة البشرية هو وجود قطاع خاص قديم النشأة يشارك في تقديم الخدمة بهامش ربح جذاب ساعد على توسعه أكثر وأكثر لاستيعاب الطلب المتزايد الذي قصرت عنه المنشأة الحكومية، لأجل ذلك ظلت علاقة الوزارتين بالقطاع الخاص علاقة امتنان وتقدير للدور الذي يقوم به في تخفيف حرج التقصير عنها. فتم رد الجميل بغض الطرف عن التدخل في شؤونه وتُرك القطاع الخاص يدير نفسه بآليات أقرب لآليات السوق التجارية (البحث عن أكبر هامش ربح بأقل قدر من النفقات)، وبالتالي تولدت أعراف وتقاليد خاصة بسوق التطبيب والتعليم الأهلي أشبه بالقوانين التي لا يمكن اختراقها وجعلتها بيئة طاردة لطالب العمل السعودي، رغم الاحتياج المتزايد لحاملي تلك المؤهلات لكن عُرف الراتب المتدني وساعات العمل الطويلة وتفضيل كوادر من جنسيات محددة في تلك المهن، نتيجة إدارة تلك المنشآت الخاصة من قبل أصحاب تلك الجنسيات لعقود طويلة قبل توفر الكوادر الوطنية. كل تلك العوامل مجتمعة ولدت ذلك التباين الحاد والغريب بين القطاعين الحكومي والخاص، وجعل وزارتي الصحة والتعليم في موقف سريالي لا تحسدان عليه، حيث تدفعان الآن ثمناً فادحاً لأخطاء كثيرة متراكمة منذ عقود، فالدولة بسبب عيوب نظام الخدمة المدنية الجوهرية لن تستطيع التوسع في التوظيف إلى ما لا نهاية، وفي نفس الوقت ليس من المنطقي أن تترك الحبل على الغارب في الضفة الأخرى للقطاع الخاص، الذي أصبح بيئة مختلة تطرد المواطن وتستجدي الأجنبي من كل أصقاع الدنيا لأسباب لا تتعلق أبداً بالكفاءة أو التأهيل.

ولا يمكننا أن نلوم القطاع الخاص ونتهم مستثمريه بالجشع وغياب الحس الوطني ونكتفي بذلك، فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتق القوانين التي أنتجت هذا الوضع وسياسات التخطيط التي اتبعتها تلك القطاعات بدون رؤية واقعية متكاملة، أفرزت في النهاية تلك التشوهات المزعجة.

وتراكم احتجاجات الشباب الغاضب الباحث عن عمل ليست سوى مؤشر بسيط على مقياس السخط الشعبي تجاه القطاعين وخدماتهما، والتي للأسف لا يبدو حتى الآن أن مسؤولي الوزارتين يعون عمق الخلل فيهما فضلاً عن السعي لاجتثاثه.

في الأسبوع المقبل نتناول أفكاراً من الممكن أن تكون مفيدة لوزارة الصحة في الخروج من هذا المأزق.


 صحيفة الشرق المطبوعة  بتاريخ (١٤-٠١-٢٠١٢)

السبت، 7 يناير، 2012

خائن أم بطل؟

ثمة فيلم سينمائي قديم من بطولة النجم الأمريكي مايكل دوجلاس، يمثل فيه دور رئيس أرمل للولايات المتحدة، ويحظى بشعبية جارفة، حتى يقع في حب ناشطة سياسية، ويقرر الارتباط بها.
هنا تشحذ صحف المعارضة أنيابها بحثاً عن ثغرة في تلك العلاقة؛ كي تفترس شعبية الرجل الانتخابية، وتمهد لصعود منافسيه، ولأن الزوجة المرتقبة ناشطة سياسية ومدافعة عن البيئة، فقد وجدت الصحف صورة قديمة لها في إحدى المظاهرات وهي تقوم بإحراق العلم الأمريكي! وبالطبع، تم إبراز الصورة على صدر الصفحات الأولى في اليوم التالي مع عناوين من طراز «سيدة البيت الأبيض تتسلّى بإحراق علم البلاد».
كان موقفاً محرجاً بالفعل، لكن رد الرئيس وقتها كان بليغاً ومؤثراً جداً؛ إذ خطب في الجماهير قائلاً «إن القيم العظيمة التي يحملها المجتمع الأمريكي ويحميها تتمثل في العدالة والحرية والكرامة، والدولة تدافع عن حرية الناس في انتقاد ما يجري في بلادهم، حتى لو عبروا عن ذلك الاحتجاج بإحراق الشعار الذي يرون أن الحكومة لا تحميه. إن القيم الأمريكية الحقيقية تتمثل في حماية حق المواطن في التعبير عن رأيه، لا في حماية العلم».
أعترف أنني لا أنقل النص نقلاً أميناً، بل ما علق منه في الذاكرة، ورغم أن الفيلم إجمالاً لا يعدّ من روائع السينما، ولا يحظى بتصنيف فوق المتوسط، إلا أن ذلك المشهد كان من المشاهد التي تركت أثراً عميقاً في نفسي، وأعادت تشكيل فهمي لمعنى الوطنية بشكل أعمق بكثير.
فليس بالضرورة أن يكون التعبير عن حب الوطن بالشعارات الطنانة، والقصائد الباذخة، والأغاني والمهرجانات.
ذلك وجه من الحب، وإن كان صادقاً، لا يخلو من السطحية.
ويستطيع أن يدعيه أي أحد بلا جهد.
لكن الوجه الأعمق والأصعب للحب هو ما يمارسه الفرد ضد تيار المجتمع، عندما ينبه ويبين ما يراه من أخطاء ربما لا يراها الآخرون، أو ربما يرونها، لكنهم يغضون الطرف عنها رغبة في تفادي تحمل ثمن إصلاحها، أو لانتفاع بعضهم بها على حساب الصالح العام.
هنا يكون هذا النمط من الحرص والتعبير عن الحب مزعجاً ومؤلماً، لكنه مفيد وضروري في الوقت ذاته.
فممارسة النقد التي تسلط الضوء على مكامن الخلل، وتعرّي الأخطاء تفتح آفاقاً واسعة للإصلاح والتطوير، وتبدد عتمة الجهل والفساد، بل إن النقد يمنح المجتمع فرصة التخلص من أدوائه، والتطهر من أدرانه بشكل تلقائي طبيعي لا خلل فيه ولا اضطراب، ولا يجعله مضطراً لانتظار ربيع قد يأتي حين يأتي عاصفاً ومدمراً. المجتمعات القويمة هي تلك التي توفر سقفاً قانونياً وأخلاقياً يحمي النقد ويشجع عليه، يتقبله بكل رحابة وسعة صدر، سواء كان صريحاً مباشراً أو ممراً عبر وسائل إبداعية شعراً وسرداً وسينما وفنون بصرية وسمعية؛ لأنها تدرك فائدة ضخ حيوية التساؤل والتمحيص في دفع عجلة الرقي وضبط كوابح الشطط.
وبقدر ما يكون المجتمع منفتحاً ومتسامحاً مع ناقديه، يكون أكثر تلاحماً، ويكون أفراده أكثر تألقاً وإبداعا في المجالات كافة. وحدها المجتمعات المريضة التي تبدي حساسية مفرطة تجاه النقد.
حساسية تتحول لالتهابات حادّة، واحتقانات وتورمات تستدعي تدخلاً طارئاً في كل مرة يصاب فيها المجتمع بمؤثر النقد، فتثور ثائرته تجاه سطور في بيان، أو شطر بيت في قصيدة، أو عبارة في مقال. ترتفع حراب التشكيك والتخوين والإقصاء، تستهلك طاقة المجتمع الفكرية والإبداعية، لتحولها لطاقة سلبية تأكل نسيجه وتدمر خلاياه.
ثمة أدواء يصفها الأطباء بأمراض المناعة الذاتية، تتميز هذه الأمراض بتمرد جهاز المناعة في الجسم، وتحوله لمهاجمة أعضاء الجسد وأنسجته، باعتبارها أجراماً معادية، فيشرع في الفتك بها حتى يهلكها، والعلاج المتوفر لتلك العلة هو إعطاء المريض جرعات عالية من مثبطات المناعة؛ كي يستطيع ممارسة حياته، لكن جهازه المناعي يفقد قدرته على الدفاع عن الجسم ضد أعدائه الحقيقيين، ويصبح فريسة سهلة لأي عدوى من جرثومة خارجية.
ولعلنا الآن نتساءل، تُرى ما مدى كفاءة جهاز مجتمعنا المناعي؟ وهل نحن في وضع صحي سليم يوجه أسلحته الوقائية في الاتجاه الصحيح؟ يمكنك معرفة الإجابة بإجراء بسيط، راقب مصير كل من انتقد خللاً بجرأة وإخلاص، وانظر هل صُنّف كخائن أم كبطل؟ عندها ستعرف الإجابة!
  صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٤)بتاريخ (٠٧-٠١-٢٠١٢)

الاثنين، 2 يناير، 2012

جناية العالِم

كان (توماس أديسون) عالماً عظيماً ولا شك، ربما أعظم علماء القرن العشرين على الإطلاق بأكثر من ألف براءة اختراع في الولايات المتحدة وحدها، عدا الاختراعات الأخرى المسجلة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
إنه الرجل الذي أضاء العالم بمصباحه الكهربائي، ونقله إلى الحضارة الحديثة، وأعاد تعريفنا للزمن بشكل جذري.
أديسون الذي اخترع كذلك التيار الكهربائي ومحطات التوليد ومنح الناس تذكرة باتجاه واحد للدخول في عصر الرفاهية.
لا شك أنه كان فخراً للأمة الناشئة حديثاً ونصراً للجمهورية الجديدة وأفكارها ومبادئها، فنجاح أديسون الساحق كان ظاهرة في حد ذاتها، فهو لم يكن مخترعاً تقليدياً من الطراز القديم، بل رجل أعمال موهوب يتشمم الفرص واحتياج السوق ليوجه أبحاثه، حيث الربح المضمون فيخلق معادلة مثالية للمجتمع الأمريكي الحر في أحسن حالاته، معادلة (رابح/رابح)، المجتمع يتطور والتاجر يكسب، فيتوسع في الأبحاث وينتج المزيد من السلع والاختراعات التي تدفع المجتمع نحو مزيد من التطور والرفاهية وتتكرر الدائرة وتتناسخ إلى ما لا نهاية. لذلك كان أديسون رجل الساعة بلا منازع، صاحب أكبر شركة كهرباء وأكبر معامل أبحاث وفريق عريض من البحاثة الموهوبين وأرصدة متراكمة في البنوك وعلاقات نافذة بالصحافة والإعلام ورجال الدولة، كان مثالاً للرجل الكامل الموهوب الذي لا يتكرر، الذي يتشرف الجميع بالاقتراب منه والتعرف إليه.
إلا أن ذلك الجانب المشرق من القصة له خباياه المظلمة كذلك، فالعالم والمخترع العبقري لم يكن نزيهاً على طول الخط، ومر بفترات سيطرت فيها نزواته التجارية على قيمه العلمية، فاتهم بسرقة أبحاث واختراعات علماء آخرين، وتسجيلها تحت اسمه طمعاً في الربح حيناً وبدافع الغيرة أحياناً أخرى. ولعل أشهر تلك المعارك غير النزيهة وأكثرها ضراوة تلك التي خاضها أديسون ضد عالم آخر هو (نيكولا تسلا)، فهذه المعركة بالذات امتدت لعقود ولم ينهها إلا الموت، وكلفت البشرية جمعاء خسائر لا تقدر بثمن.
خسائر ندفع ثمنها اليوم وحتى سنوات أخرى مقبلة.
بدأ (تسلا) حياته كمهندس صغير في شركة أديسون قبل أن يدب الخلاف بينهما بسبب تراجع أديسون عن مكافأة وعده بها بعد أن أوجد له حلولاً لمشكلات تقنية معقدة، ترك المهندس الغاضب العمل لدى سيده، وبدأ أبحاثه بشكل مستقل، وهو ما لم يغفره له أديسون أبداً، خصوصاً عندما خرج تسلا بأول اختراعاته العبقرية، وهو التيار الكهربائي المتردد (AC)، الذي كان أكثر نجاعة وفعالية من تيار أديسون الثابت (DC)، هنا ثارت ثائرة الأخير فشن حرباً ضروساً على تسلا واختراعه، وأخذ يبث الإشاعات بين الناس بأن التيار المتردد خطير ويقتل الناس، ولكي يثبت تلك الفكرة قام باختراع كرسي الإعدام الكهربائي باستخدام التيار المتردد.
أجل يا صديقي، كرسي الإعدام الكهربائي كان وسيلة أديسون للدعاية المضادة ضد التيار المتردد، لكن المعركة حسمت في النهاية لصالح التيار المتردد فلم يتقبل أديسون الهزيمة، وشن حرباً شخصية ضد تسلا جعلته يلاقي صعوبات بالغة في تمويل أبحاثه، وانتهت به الحال أن يموت فقيراً معدماً حاقداً على الدنيا، ولتعرف فداحة الخسارة فلك أن تتخيل أن تسلا اخترع الراديو قبل ماركوني بعشر سنوات، واخترع جهاز الرادار قبل ظهوره بخمس وعشرين سنة، وعرض المخطط على الحكومة لكن أديسون أقنعها برفضه، كما أنه نجح في اختراع نمط للموجات الكهربائية يجعلها تنتقل لاسلكياً، وأضاء بالفعل أكثر من مائتي مصباح على بعد أميال من معمله بدون تمديدات، لكن لم يكتب له أن يكمل تجاربه لأنه فشل في إيجاد ممول يصرف على أبحاثه الباهظة، وسط حملات التشكيك والترهيب المتصلة من أديسون.
هل يذكرك صراع أديسون – تسلا بشيء؟ إنه صراع المصالح الضيقة والأفكار المنغلقة التي تمردت على المنطق الأشمل والفضاء الأوسع للصالح العام.
وقد دفع المجتمع ثمناً باهظاً نتيجة خضوعه لنفوذ وهيبة (العاِلم/ النجم) دون أن يحاسبه أو يسائله، فسُخرت الدولة بكامل أدواتها لتصبح أداة للصراع في يد طرف من الأطراف، ولتسحق الطرف الآخر بلا هوادة.
والخلاصة؟.. لا خلاصة هناك، فقط علينا أن نتذكر أن البشر، كل البشر، يخضعون لذات المغريات، وأن لا أحد مهما بلغت عبقريته وعلمه يؤخذ كلامه دون نقد وتمحيص!

صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٧) بتاريخ (٣١-١٢-٢٠١١)