الخميس، 17 نوفمبر 2011

الاعتذار لصندوق (واصل)




يقبع على باب بيتي صندوق معدني تعيس، قد اعوج ظهره، وتدلت أحشاؤه منذ سنوات، أطالعه في كل يوم أكثر من مرة، يكسوه الغبار حيناً, وتغسله الأمطار حيناً, ويستخدمه المارة لوضع بقايا الخبز الملقاة أرضاً فوقه, إكراماً للنعمة حتى لا تدهس.
ذلك الصندوق الحزين لم يسكن جدار منزلي بإرادته، و لا برغبتي، استيقظ ذات نهار ليجد نفسه مصلوباً على جدار بيتي، ولأجده هناك يطالعني بذات الدهشة التي أطالعه بها، ولأنني مواطن صالح فلم أعترض على وجوده، وإن كنت غير مرحبٍ به ولا أعرف كيف سأستخدمه، وربما لذلك السبب لم أبالِ كثيراً بعد أيام عندما وجدته قد تعرض لهجمة من بلطجي مجهول في حارتنا تركته بلا حول ولا قوة، و ظل الحال بيننا كذلك لسنوات، نظرات باردة متبادلة كل صباح، وتجاهل أكثر برودة في المساء، حتى جاء يوم زرت فيه صديقي الذي يسكن حياً راقياً، فوجدت صندوق (واصل) لديه يتألق لمعاناً ويفيض بهجةً، فسألته عن حال صندوقه السعيد فأخبرني أنه قد فعّل الخدمة، وأن الرسائل تصله إلى باب داره كل يوم، ولولا أنني استوقفته لهمّ بأن ينظم قصيدة شعر في مدح صندوقه المبتهج. وبالفعل لم يتأخر الاتصال، وجاء الموظف الهمام ليصلح الصندوق، ويسلمني المفتاح وبيانات العنوان، شكرته بحرارة وأنا لازلت غير مصدق، ابتسم بثقة، وردد نحن في الخدمة في أي وقت، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي أرى فيها وجهه أو وجه أيٍ من موظفي البريد، فقد تعرض الصندوق لهجمة جديدة بعدها بشهر واحد, وعندما قدمت طلباً لإصلاحه لم يجبني أحد حتى هذا اليوم, ظللت لفترة طويلة مستاءً من هذا الصندوق الكسيح, ومن مستوى الخدمة الهزيل الذي “يفشل” في صناعة صندوق متين قابل للحياة كصندوق صحيفتي المجاور له، وظللت مستاءً من خدمة ذات موقع براق على الإنترنت وفي المطويات لكنها بلا فعالية في الشارع، خدمة لا تصمد إلا في الأحياء الراقية وبين علية القوم وتنهار بمجرد احتكاكها بمن دونهم.
لكنني وفي لحظة تأمل جامحة اكتشفت كم أنا متجن على هذا الصندوق المسكين، وكم أحمله من الأوزار والأحمال ظلماً، بل إنه في الحقيقة نعمة كبرى أرسلها الله لي دون أن أفقه فضلها، فما فعله الصندوق الخجول المؤدب، هو أنه ضحى بنفسه ليعطيني مثالاً حياً على وضع البلد بشكل عام، كان في كل يوم يمنحني إشارة خافته وبليغة في نفس الوقت، لكنني لم ألتقطها للأسف إلا مؤخراً، فالصندوق الشهم يمثل في يوم ماطر قرارات سعودة سوق الخضار الحازمة التي غسلتها أمطار النسيان وفقدت شهامة المسؤول. والصندوق الكسير يمثل قرارات تأنيث المحلات النسائية التي دأبت قبضات متحمسة على تكسيرها في كل مرة. والصندوق الضعيف في الشارع هو مستوى مخرجات التعليم لدينا التي لم تصمد للأسف أمام امتحان البطالة،لكنه يتحول بقدرة قادر إلى منتهى القوة والإنتاجية إذا وجد (جداراً) فخماً يستند إليه!.. والصندوق الذي رُكب ذات يوم أمام بيتي دون علمي ودون رأيي هو مجلس الشورى الذي لا يمثلني حتى الآن، ولا أعرف حتى متى، والصندوق الجريح الذي تنصل منه مرجعه هو حال كل من يلهث خلف سريرٍ أو موعدٍ في مستشفى ولا يجد رداً.. و الصندوق الذي حظي بدعاية باذخة وميزانية ضخمة ثم انتهى محطماً بلا فائدة هو مشروع المستشفى والمدرسة والنفق والمتعثرة جميعاً لسبب لا يمكن معرفته على وجه الدقة، تماماً كما لا أعرف على وجه التحديد لماذا يتحطم صندوق واصل فورَ تركيبه بضربة واحدة، ولا يتأثر صندوق الجريدة الرابض إلى جواره منذ سنوات!!
عزيزي صندوق واصل…تقبل اعتذاري

الخميس، 3 نوفمبر 2011

"حياتي": يالها من حياة!


إسم الكتاب: حياتي
المؤلف: أحمد أمين
الناشر: دار الشروق المصرية


علي أن أعترف بدايةً أنني حين شرعت في قراءة هذا الكتاب لم أكن أعرف من هو أحمد أمين و لم يسبق لي قراءة أي شيء من كتبه، و أن الدافع الوحيد الذي دفعني لقراءة هذا الكتاب هو ما كتبه عنه إبنه د.جلال أمين في كتابيه عن سيرته الذاتية (ماذا علمتني الحياة) و (رحيق العمر) و الذي تعرض فيهما للكثير عن والده و أشار في أكثر من موضع إلى هذا الكتاب بالاقتباس حيناً و بالإيضاح و التحليل أحياناً أخرى. و لقد توجست في بداية مطالعتي للكتاب من تاريخ كتابته القديم و سمعة كاتبه الأزهرية وخلفيته الدينية فتوقعت كتاباً جافاً صعب الأسلوب مليئاً بالتقعر في اللغة و الإطناب في البيان كدأب كتاب ذلك الزمان. لكن مجرد مطالعة الصفحات الأولى كشفت لي كم كنت مخطئاً و بينت لي أنني وقعت على كنز تاريخي نادر. فالكتاب أبعد ما يكون عن الإطناب و التقعر و لغة أحمد أمين أقرب ما تكون إلى لغة عصرية سلسة و انسيابية حتى و إن بدت ثقيلة في بعض المواضع النادرة. لكن أجمل ما يميز الكتاب هو وصفه البانورامي لكل مرحلة من مراحل التغير السريع التي مر بها المجتمع المصري و عاصرها الكاتب منذ كان طفلاً و حتى تقاعده و عينه الدقيقة الحساسة في وصف أحوال الناس و حياتهم اليومية و العلاقات البشرية في الحارة و الكتاب و الأزهر و القصر و النظرة التحليلية العميقة في بعض المواضع لأحداث و تفاعلات حلت بالبلاد و ربطها بالمتغير اليومي في بيت الكاتب إبان طفولته و شبابه. ولعل وصفه لمنزلهم و حارات القاهرة و المدرسة النظامية ثم الأزهرية التي دخلها و علاقته بوالده و علاقة والده بوالدته و اخوته تعد صورة بديعة ونادرة جداً عن المجتمع المصري في تلك الفترة لا تكاد تتخيل وجودها ولم يسبق أن قرأت وصفاً لها بهذا التماسك و هذه الحميمية.
و على الرغم من أن الكتاب عن السيرة الذاتية إلا أنه حافل بإنكار الذات و غارق في النظرة الموضوعية التحليلية للأحداث و التي جعل الكاتب نفسه فيها مراقباً و محللاً و ناقداً لنفسه و للمجتمع دون انحياز للأنا و لا تضخيم للذات بل تُفاجأ أنه يتعاطى مع أحداث جسام مرت به أو شارك في تكوينها بسطور قليلة تكاد تشعرك أن لا فضل له فيها على الإطلاق من شدة تجرده و إنكاره لذاته بل حتى المظالم التي تعرض لها من قبيل حرمانه من لقب الدكتوراه بسبب مواقف حزبية يذكره بتجرد هادئ و بدون انفعال صاخب أو مبالغ فيه. أو ذكرة لقصة تأليفه لنتاجه العظيم فجر الإسلام و ضحى الإسلام و ظهر الإسلام فهو لم يفرد لها فصلاً منفرداً ولا حتى صفحات مستقلة بل ذكر عرضاً قصة تشكل الفكرة في ذهنة ثم في سطور قليلة منهجه الذي اتبعه في الكتابة و عرج بحياء شديد في عبارة واحدة على ( القبول الذي حظيت به السلسلة) هكذا بلا تفاخر ولا تباه رغم الضجة الكبيرة و ردود الفعل و الحفاوة الواسعة التي استقبل بها الناس تلك السلسلة من المؤلفات و النقاش الذي دار حولها.
ولعل أجمل فصول الكتاب هي فصوله الأخيرة التي أجمل فيها الكاتب رأيه في نفسه و شخصيته و حياته فكتب صفحات بديعة هي مزيج من الأدب و التحليل النفسي و درس عميق في التواضع و إنكار الذات مقترناً في نفس الوقت بالثقة بالنفس و الإعتداد بالرأي و الاستعداد للقتال في سبيله متى ما رآه حقاً. و الكتاب مليء بالحكم و العبر المنثورة في صفحاته و قصص الناس و الأحداث في تلك الفترة الزاخرة من عمر مصر. و ربما يعاب على الكتاب تشتت بعض فصوله التي تحدث عن رحلات المؤلف لخارج البلاد و وصفه لتلك البلدان و الذي جاء في بعضها قوياً و عميقاً وفي البعض الآخر سطحياً و بلا إضافة حقيقية للكتاب.
عموماً. لن تستطيع بعد قرأة كتاب(حياتي) إلا أن تطلق تنهيدة عميقة و تتحسر على رحيل جيل العمالقة الأوفياء للعلم و الإبداع في صمت و تجرد و تقول رحمك الله يا أحمد أمين

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

تفكيك (هاوس)..أو العودة الماكرة لصاحب الغليون!

كنت واثقاً أنك ستقع في حب هذه الداراما من الدقائق الأولى. هاجس خفي أخبرني بذلك...إنها المزيج المفضل لديك و الذي يثير مكامن النشوة في روحك، تماماً كما تتذوق عصيراً ممزوجاً لا تعرف اسمه لكنك تدرك أنك ستحبه منذ الرشفة الأولى.. شيء ما مألوف و لذيذ ضمن مكوناته يجعلك منجذباً دائماً نحو الرشفة التالية.
بعدها تأتي العقلانية التي تجعلك تحلل مكوناته، هل كانت النكهة الحامضة برتقالاً أم ليموناً، و ذلك الطعم الحلو اللاذع بعض الشيء ربما كان التوت البري أو الفراولة و ماذا عن القوام الكثيف ربما هو الموز..لكنك تشعر برائحة المانجو كذلك..ربما؟ لم لا!.
 كذلك كان هاوس.. المسلسل الأمريكي الذي يندرج تحت قائمة الدراما الطبية و التي بدأها المسلسل الذائع الصيت ER أو غرفة الطوارئ منذ عقد و نصف من السنين و توالت المسلسلات الطبية من بعده حتى صار المشاهد الأمريكي يعرف تفاصيل غرف العمليات أكثر مما يعرف حجرات منزله!و يفهم في الإنعاش الرئوي و الصدمات الكهربائية أكثر مما يعرف عن أنظمة شركته التي يعمل فيها، لكن ثمة شيء مخادع في مسلسل هاوس، فهو على الرغم من كونه الأكثر إخلاصاً لتصنيفه كدراما طبية و على الرغم من أن الحدث الرئيسي في كل حلقاته معضلة طبية تستعصي على التشخيص و العلاج و تدور كل المشاهد حول فك طلاسمها و التفاعل مع تطوراتها و مضاعفاتها إلا أن ذلك ليس مصدر الجاذبية الفاتنة للدراما..ثمة نكهة حريفة و حاذقة لم أستطع تمييز مصدرها في البداية، نكهة تذوقتها و استمتعت بها كثيراً من قبل لكنني لا أتذكر متى و أين!
شيء ما يدور حول شخصية البطل ذاته..شخصية دكتور هاوس، الخليط المعقد من العبقرية و التمرد و العذاب النفسي، الرجل الوسيم الذي يرفض ارتداء المعطف الأبيض و يعاني من عرج بيّن يجبره على السير مستنداً إلى عصاه طوال الوقت، حاذق ذكي قوي الملاحظة، لكنه وقح و متعجرف و لا يتورع عن إبداء امتعاضه من غباء الآخرين و جهلهم طوال الوقت، يجاهر بعنصريته و احتقار زملائه و ميله للهو ..يتعاطى المسكنات طوال الوقت لتخفيف ألم ساقه لم يلبث أن أدمن على تعاطيها، يتجنب التواصل مع الآخرين قدر المستطاع يرقب مرضاه عن بعد و يستخدم فريقه الصغير في معاينة المرضى و إجراء الفحوصات التي يطلبها، لا يتورع عن طلب أنواع غريبة من الفحوصات كالتسلل إلى منازل المرضى و تفتيش حاجياتهم بحثاً عما يحتمل أن يكون سبباً في علتهم، و طبعاً يفعل ذلك سراً لأنه لا يثق في كلام مرضاه و يعتقد أن كل الناس تكذب كل الوقت و أنهم يقولون الصدق في حالات استثنائية لا يعتد بها، صديقه الوحيد الذي يثق به هو طبيب الأورام الوقور المهذب د. ويلسون و الذي يكاد يكون النسخة المناقضة لهاوس في كل شيء تقريباً ما عدا البراعة في العمل و علاقة الصداقة القوية بينهما.
تبدأ معظم حلقات المسلسل بذات السيناريو تقريباً، منظر عام لأشخاص عاديين في نشاط عادي، احتفالي في أكثر الأوقات ثم يحدث عارض صحي غير متوقع لأحدهم، إغماء، نزيف ،هلاوس أو نوبات صرعية أو أي شيء آخر يستدعي نقل المصاب إلى المستشفى لتبدأ بعدها أحداث الحلقة، غالباً ما يفشل الأطباء في تحديد سبب الأعراض التي أصابت المريض لغموضها أو تناقضها، و لا بد أن تزداد الحالة سوءً بعد دخولها المستشفى إما لتأخر الأطباء في تحديد المشكلة أو لشروعهم في علاج خاطئ  زاد من تعقيدها، هنا تزداد سخونة الوقائع و تجد د. هاوس يدور حول نفسه كالنحلة يكتب و يشطب سطوراً كثيرة فوق سبورته البيضاء و عندما ييأس يرسل فريقه لعمل المزيد من الفحوصات أو للتسلل لمسكن المريض أو حتى للبحث عن أحد أقاربه و يجلس منهكاً يحدق في الجدار أو يلعب بعكازه حتى قبل نهاية الحلقة بدقائق حيث تكون الأمور قد تأزمت لأبعد حد و لم تفلح كل المحاولات السابقة إلا في تعقيد مشكلة المريض أكثر. هنا تأتي لمحة العبقرية الغامضة حيث تتراص قطع الصورة المتاثرة إلى جوار بعضها البعض لتصنع صورة منطقية. هنا يقفز هاوس ليتجه لغرفة المريض ربما لأول مرة منذ بدء الحلقة و في أحيان كثيرة يسرع لغرفة العمليات لإيقاف جراحة خطرة على وشك أن تجرى للمريض..و مشهده الاستعراضي المفضل هو عندما يقتحم بعكازه و سترته الأنيقة غرفة العمليات المعقمة ليطلب من الجراحين التوقف عن شق جسد المريض و يخبرهم بفخر مستفز بالحل الذي وجده و الذي غالباً ما يكون مرضاً نادراً جداً لم يفكر أحد في إحتمالية إصابة المريض به قبله!
حسناً..ألا يذكرك د. هاوس بشخص من عالم الخيال كنت تعرفه من قبل؟
تعال لننحي جانباً الغلاف الطبي المخادع قليلاً..انس المستشفى و المرضى و اللغز الطبي..فقط تذكر أن لدينا معضلة لا يستطيع أحد حلها، وهناك شخص واحد حاد الذكاء متعجرف قليلاً لكنه يستخدم حواسه و ملاحظاته بطريقة مذهلة لحل المعضلة، رجل يكرهه منافسوه لكنهم يلجأون إليه لأنه بارع..رجل لديه صديق واحد يفهمه و يتقبله رغم طباعه السيئة..رجل و ياللمصادفة لا يخلو اسمه من جناس لفظي مع اسم هاوس ...شخصيه خيالية لا تمارس الطب لكن مبتكرها طبيب!
هل عرفته؟ إن كنت عرفته فبإمكانك أن تكمل الاستمتاع بكوب العصير.. يمكنك أن تسترخي في مقعدك و تستحلب بقايا الطعم العالق في لسانك و تقول في ثقة...إنها نكهة هولمز...شيرلوك هولمز!




أجل إنه هو هولمز. هاوس ليس سوى النموذج العصري لشيرلوك هولمز، نموذج متنكر في ثياب طبيب لا أكثر، نفس سمات الشخصية الكلاسيكية للمخبر الأسطورة بعدأن تنكرت في ثياب القرن الحادي و العشرين، لو كنت قد قرأت شيئاً من تراث هولمز لعرفت مدى فخره بنفسه و اعتداده بقدراته و أناقته و احتقاره لمفتشي سكوتلانديارد تماماً مثلما يفعل هاوس، هاوس الذي لا يثق في كلام المرضى مثلما لا يثق هولمز في كلام عملائه حتى يحل لغز الجريمة، هولمز الذي يرفض الإيمان بالخرافات و الأشباح يشبه هاوس الذي تمادى في هذا العصر ليصبح ملحداً لا يثق في معجزات الرب، لكنه يثق إلى حد ما في صديقه د. ويلسون رغم اعتقاده بأن ذكاءه محدود لكنه يستلطفه، هل هي مصادفة أن الصديق الوحيد لشيرلوك هولمز أسمه د. واطسون؟ هل هناك تشابه أسماء هنا؟
هل تريد المزيد من المقابلات؟ إليك واحدة أخيرة..هاوس مدمن لنوع قوي من المسكنات سبب له عدة مشاكل في المسلسل..و د.واطسون يروي عن صديقه هولمز أنه كان يحقن نفسه بالكوكاين عندما يصيبه الإحباط من الفراغ و قلة النشاط الذهني!
إذا كنت من الذين افتتنوا بشيرلوك هولمز فأنصحك بشدة بمشاهدة الأداء العبقري للمثل هيو لوري الذي يقوم بأداء دور هاوس فهو في نظري أفضل من نقل شخصية هولمز إلى الشاشة بتمكن و اقتدار حتى لو ادعى أنه طبيب أمريكي في القرن الحادي و العشرين.
أما إن كنت من الأغلبية التي شاهدت المسلسل و لم تقرأ عن شيرلوك هولمز من قبل وليست لديك الحماسة لتفعل فأنصحك بمشاهدة فيلم شيرلوك هولمز للمخرج جاي ريتشي لترى مقدار التشابه الغريب بينهما.
 و في كلا الحالتين أرجوك لا تنس العبقري الأول الذي صنع المزيج البديع من المتعة و الإبهار الذي لازال الجميع يغرف منه إلى الآن!



الخميس، 25 أغسطس 2011

لمصر لا لعبدالناصر: في مديح آخر الفرسان!

إسم الكتاب: لمصر لا لعبد الناصر
المؤلف: محمد حسنين هيكل
الناشر: دار الشروق المصرية


منحت هذا الكتاب نجمتين من خمس في موقع Goodreads للكتب. والنجمتان لا تعنيان أن الكتاب سيء أو ضعيف المحتوى، بل العكس الكتاب ربما يكون أحد أفضل كتب هيكل من ناحية السلاسة و ترابط الأفكار و البعد عن الاستطراد. و قد كنت أنوي أن أصنفه في فئة أعلى خصوصاً و قد علمت أن الكتاب عبارة عن مقالات مجمعة نشرها هيكل في السبعينات في مطبوعة لبنانية رداً على الهجمة الشرسة التي شنها النظام المصري على العهد الناصري و قد أظهر هيكل براعة فائقة في تمرير ما يريد دون أن يفقد رزانة العبارة و بلاغة الأسلوب، كما كان منظماً و دقيقاً و هو يقسم دفاعه إلى نقاط أفرد كل واحدة منها في مقال/فصل خاص بها و استوفى نقاشها من مختلف الجوانب.
إلا أن العيب الجوهري في الكتاب هو من وجهة نظري العيب الدائم في كل ما يكتبه و يقوله هيكل، فهو على الرغم من مواهبه الضخمة و قدرته التحليلية البارعة يفتقد إلى الموضوعية تماماً عندما يتعلق الأمر بعبدالناصر. وافتقاد الموضوعية بالنسبة لهيكل لا يعني انخراطه في حملة تأليه غبية أو تدبيج عبارات عاطفية بلا معنى فهو أذكى من ذلك بكثير..لكن غياب الموضوعية عنده يتمثل في تلعثم لغته و غموض عبارته عندما تلامس الأوتار الحساسة لمرحلة حكم عبد الناصر، ولعل أبرز نقاط التلعثم تلك هي هزيمة ١٩٦٧م و ما ترتب عليها من أحداث و ما كشفته من إختلال خطير في منظومة حكم عبدالناصر، هنا يتلعثم الرجل الفصيح كثيراً و يتحدث عن عموميات لا تمس عمق الحقيقة و يقفز مباشرة إلى ما بعد الهزيمة و موقف عبدالناصر منها و تحمله للمسؤلية و تحضيره لحرب الاستنزاف لاحقاً.
النقطة الأخرى التي تلعثم فيها الرجل الفصيح في هذا الكتاب أيضاً هي موقف عبدالناصر من التعذيب و القمع الذي يجري في السجون في فترة حكمه، فكان رده و تفنيده للمسأله غير مقنعاً لي كقارئ.
لكن الكتاب يكون مقنعاً جداً في الحجة و الأسلوب عندما يتطرق لنقاط قوة عبدالناصر الحقيقية كنزاهة اليد و صدق النية في الاستقلال و الرغبة في تطوير البلاد عسكرياً و اقتصادياً هنا تتجلى مواهب هيكل الصحفية و البلاغية بلا عائق يعيقها فيسرد الوقائع و الحقائق و الأرقام بلا تحفظ فيبدع و يمتع و يكشف فصولاً صغيرة أيضاً من حياة عبدالناصر الشخصية و تعامله مع أولاده في التوظيف و خوفه عليهم من الإغراءات و المجاملات إذا اشتغلوا في وزارات حكومية بعيدة عن عينه!
كما يذكر للمؤلف إثارته لنقاط خلافية في سيرة عبدالناصر كخوضه لحرب اليمن و معاداته للأمريكان و انفتاحه على السوفيت و يسوق نقاطاً موضوعية إلى حد كبير في تبرير وجهة نظر ناصر السياسية حتى لو اختلفنا معها.
الكتاب جيد في عمومه لأهمية النقاط التي تناولها و لقرب مؤلفه من أحداثها لكن يعاب عليه غياب الموضوعية النقدية رغم تغنيه بها و تغييب الصراحة في المواضع الحساسة. كما أنه لا يخلو من مسحة المقالة الصحفية المتأثرة بالوضع الراهن(الذي أصبح تاريخاً الآن) و صرفها الكثير من السطور في مناقشة ما لم يعد موجوداً..
و يمكن تلخيص الكتاب بأنه دفاع حميم وفاءً لعبدالناصر و لعبدالناصر وحده!!

الأحد، 3 يوليو 2011

كنت رئيساً لمصر: عن الثورة التي ضلت الطريق مبكراً!

المؤلف: محمد نجيب
الناشر: المكتب المصري الحديث 1984


كلما قرأت كتاباً عن ثورة الضباط الأحرار أملاً في المعرفة و رفع الحجب، أزدت حيرة و تشتتاً. فكل كتاب أقرأه يصف لي ثورة مختلفة و أشخاصاً مختلفين كأنني أقرأ عن عشرات الثورات و مئات الأحداث لا الثورة ذاتها. فبينما يرفع محمد حسنين هيكل الثورة إلى عنان السماء و يمجد عبدالناصر حتى يكاد يجعله نبي العصر المرسل متسلحاً بكومة لا تنتهي من الوثائق و الملفات، تجد آخرين يكيلون أقسى التهم لعبدالناصر و أيام الثورة التي يصفونها بالسوداء كمصطفى محمود في معظم كتابته عن عبدالناصر، و يقف آخرون منها موقفاً حيادياً يحلل سلبياتها و إيجابياتها بأسلوب علمي منطقي مثل جلال أمين الذي يقسم الثورة إلى مراحل و يفصل في التغييرات الاجتماعية و السياسية التي أحدثتها في المجتمع. لكن هناك قلة من الكتب النادرة التي تتحدث عن وقائع و أحداث و مشاهدات يومية، هذة الكتب لا تعنى بالتفسير و التبرير و تنقل صورة حية و صادقة لما كان يحدث دون أن تهتم بالتوصيف بكيف و لماذا. أحد هذة الكتب هو هذا الكتاب و الذي يسجل فيه أول رئيس للجمهورية المصرية الحديثة مذكراته بعد عقود ثلاثة قضاها داخل المعتقل. و يسرد وقائع يومية لأحداث ساخنة صاحبت فترة الثورة و فترة حكمه القصيرة التي تلتها و التي لم تتجاوز العامين قبل أن تتم إزاحته عن سدة السلطة لصالح جمال عبدالناصر.


يحكي محمد نجيب بمرارة ظاهرة في كل حروفه قصة الثورة التي كانت مجرد انقلاب عسكري لتصحيح الفساد داخل الجيش ثم تطورت لتصبح حركة ثم تجرأت لتسمي نفسها ثورة بعد التفاعل الشعبي الذي نالته في بداية أيامها. و ينسب محمد نجيب تلك الشعبية لضيق الناس من فساد الملك فاروق و لمرارة الهزيمة في حرب فلسطين ١٩٤٨ و احتلالها من قبل الصهاينة لا لشعبية الضباط الذين لم يكن يعرفهم أحد في ذلك الوقت.

و يفصل الأيام الأولى للثورة و الحيرة و الارتباك التي صاحبتها و الفراغ الدستوري و الدستور المؤقت ثم إسقاط الملكية و إعلان الجمهورية و كيف بدأت الثورة تحيد عن مسارها بتسرب العسكر إلى سدة الحكم بدلاً من العودة إلى ثكناتهم و تسلطهم على الحريات و الحياة السياسية في البلاد و إلغاء الأحزاب و تأسيس المخابرات ثم تحول أنياب تلك الثورة تجاه أبنائها فشرعت في التهامهم واحداً بعد الآخر فمزقتهم بين قتيل و سجين و شريد و لم يبق على سدة الحكم إلا ديكتاتور واحد خلف حكماً تسلطياً مركزياً بلا مؤسسات هو جمال عبدالناصر.

يكيل الكتاب الكثير من التهم لمجلس الثورة و لجمال عبدالناصر شخصياً و الذي لا يراه سوى ديكتاتور تسلطي يجيد لعبة الحيل السياسية و المؤامرات الخفية. و تتراوح هذه التهم بين الفساد الشخصي و الانحراف السياسي و بغض النظر عن التهم الشخصية الصغيرة التي يصعب التحقق منها، فقد أفرد الكتاب صفحات كثيرة لنقد موقف عبدالناصر من السودان و تفريطه في الوحدة معه بسبب جهله هو وصلاح سالم بالخلفية التاريخية و الاجتماعية للشعب السوداني و الاحزاب السودانية التي كان معظمها مؤيداً للوحدة مع مصر. و يصف في تفاصيل كثيرة الخطوات التي قام بها نجيب قبل عزله لتحرير السودان من الاحتلال البريطاني و التمهيد لوحدته مع مصر و الفشل الذي حل بتلك الوحدة بعد عزله و توجس السودانيين من الضباط الذين يعتقلون رئيسهم بسبب خلاف على السلطة و إصرار السودانيين على عودة نجيب إلى سدة الحكم بسبب ارتباطهم العاطفي و السياسي به و هو الذي لم يسمح به عبدالناصر و أدى إلى فشل الوحدة و تحول السودان مع الوقت من حليف إلى عدو.

الانتقاد التفصيلي الآخر الذي يعرضه الكتاب هو اتفاقية الجلاء التي وقعها عبدالناصر مع الانجليز بعد فترة وجيزة من عزل محمد نجيب و يسرد المؤلف تفاصيل الاجتماعات الطويلة له مع الانجليز و رفضه للكثير من الشروط المجحفة في الاتفاقية و التي رأى أنها تهدد السيادة المصرية على أراضيها و فوجئ فيما بعد بعدالناصر يقبل بها بكل ترحاب بل بما هو أسوأ منها، و يرى نجيب أن توقيع عبدالناصر على الاتفاقية هو ثمن موافقة الانجليز على بقائه في الحكم بعد إزاحة نجيب!

وسواء اتفق البعض أو اختلف مع رأي محد نجيب في رجال الثورة و قراراتهم التي ربما يراها البعض مبررة بالنسبة للظروف التي واجهوها فإن ما لا يحتمل التبرير على أي وجه هو الطريقة اللا إنسانية التي عامل بها رجال الثورة زميلهم ورئيس الجمهورية و قائد الثورة بعد تتحيته عن سدة الحكم.

ففي سطور مثقلة بالمرارة و الأسى يصف اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية تفاصيل اعتقاله من قصر عابدين(مقر الرئاسة) و نقله إلى فيلا عارية من الأثاث صادرتها حكومة الثورة من أحد السياسيين في ضواحي القاهرة ليقيم فيها معتقلاً تحت حراسة مشددة و وسط رقابة لصيقة و إهانات مستمرة من الحراس امتدت لثلاثة عقود و لم تتوقف الإهانات عند شخصه بل لحقت أبناءه الثلاثة الذين دخل أكبرهم المعتقل و مات بعد خروجه منه بأشهر و أغتيل الثاني في ظروف غامضة أثناء دراسته بألمانيا و أقصي الأصغر من وظيفته بقرار رياسي و انتقل للعمل سائق أجرة و ربما هو أول نجل رئيس جمهورية يشتغل بهذه الوظيفة

و لعل أكثر أيام الاعتقال مرارة هي أيام حرب ١٩٥٦ عندما دخلت الجيوش البريطانية و الإسرائلية لمصر لاحتلال قناة السويس و الذعر الذي أصاب الثوار وقتها و دفعهم لنقل محمد نجيب من معتقله و إخفائه لمدة شهرين في منفى آخر في أقاصي الريف لمدة شهرين في غرفة رطبة مظلمة خوفاً من أن يثور الشعب على الهزيمة المتوقعة حينها و يطالب بتحريره و عودته إلى سدة الرياسة

يحكي محمد نجيب موقفاً أثر فيه كثيراً في المعتقل عندما عاد ولده من المدرسة ليسأله (هل صحيح يا أبي أنك كنت رئيساً للجمهورية؟)

و يجيبه الأب بنعم، فيخرج الإبن كتابه المدرسي ليريه ما كتب فيه

( الرئيس جمال عبدالناصر هو أول رئيس للجمهورية) فدمعت عينا الرجل و قال يا ولدي هذه إرادة الحكومة لا إرادة الشعب.

ترى مالذي كان سيحمله المستقبل لمصر لو لم تتم تنحية نحمد نجيب عن الحكم؟

وهل زرعت الثورة بذور نهايتها منذ ذلك الوقت المبكر بالأخطاء الفادحة التي ارتكبتها؟

هل كانت أسباب ثورة ٢٥ يناير كامنة منذ مدة أبعد كثيراً مما تخيلنا؟

الأربعاء، 22 يونيو 2011

أثقل "ربع جرام" في الدنيا

الكتاب: ربع جرام
المؤلف: عصام يوسف
الناشر: الدار المصرية اللبنانية


هذه الرواية دليل حي على أن أهم ما في الأدب صدقه و عفويته و أن كل شيء يمكن أن يأتي لاحقاً لذلك، بعض الأشياء تواجدت بالفعل وبعضها لم يحضر ولعل الغائب الأكبر هنا كان اللغة السليمة، فكل الرواية تقريباً كتبت باللغة العامية المصرية و تقسيم الكتاب جاء أقرب إلى السيناريو منه إلى الرواية. كل شيء آخر من وجة النظر النقدية يوحي بعمل متعثر و غير موفق بالمقاييس التقليدية للأدب، لكن المؤلف نجح في إعادة الإعتبار للسرد العفوي و لقوة الفكرة و روح العمل حتى و إن بدا الأسلوب بدائياً أو مرتبكاً في بعض الأوقات. تحكي الرواية بصراحة شديدة قصة شلة من الصحاب و رحلتهم مع الإدمان، تدور أجواء الرواية في الثمانينات و تعاصر بداية الانفتاح و أثره على أسر الشباب الذين لم يكن المال ليشكل عائقاً أمام جموحهم و مرحهم الذي بدا آمناً و بريئاً حتى أحضر أحدهم (ربع غرام) من المخدر في إحدى سهراتهم لتبدأ خيوط المأساة تتشكل ببطء لكن بإحكام خانق أيضاً. و لعل أجمل ما يميز الرواية تجسيدها لعوالم المدمنين و معاناتهم بواقعية و صدق بعيداً عن تهويلات سينما الثمانينات الغبية التي صورت المدمن كشخص أقرب للمعتوه. فهنا نشاهد المدمن الحقيفي و كيف تنزلق شخصيته في منعطف معقد من الرغبات المتناقضة وفقدانه السيطرة على غرائزه و تشتته المرعب بين ما يريد و ما لايريد و إنكاره طوال الوقت أنه مدمن!



تبلغ القصة مرحلة الذروة عدة مرات خلال العمل و في كل مرة تعتقد أن العمل قد شارف النهاية لكنه لا يفعل..بل تعود الدائرة الجهنمية لتنغلق من جديد و تمتد فصولاً مؤلمة أخرى، لأنها ببساطة قصة واقعية وليست عملاً خيالياً و تمردها على التسلسل المألوف في السرد نقطة تحسب لها و تبرز بوضوح مدى تعقيد و تشابك عالم الإدمان و شخصية المدمن الذي يتأرجح طوال الوقت بين موقف الضحية و الجان من ناحية و بين الغباء و العبقرية من ناحية أخرى.


إلا أن خاتمة الرواية المؤثرة نجحت في جبر ثقل تعدد الذروات و تكرار الأحداث خلال صفحاتها الكثيرة..كما لم يخل العمل من روح فكاهية مرحة نجح المؤلف من خلالها في نقل روح الشباب المتوهجة عبر صفحات عمله البديع

 
عمل ممتع يستحق القراءة



الأربعاء، 13 أبريل 2011

كوابيس جدة: حيث لا مكان للحب!


عنوان الكتاب: كوابيس جدة
المؤلف: هيلاري مانتل  Hilary Mantel
ترجمة: د. فاطمة نصر
الناشر: سطور الجديدة ٢٠٠٩
العنوان الأصلي للكتاب:


علي أن أعترف في البدء أن الذي استدرجني لشراء هذه الرواية هو فخ عنوانها فليس من المألوف و أنت تتجول ببصرك على رفوف مكتبة أن تجد رواية أجنبية تتحدث عن جدة، بل و تسبقها بالكوابيس، و أن تكون الرواية لكاتبة حاصلة على جائزة "بوكر مان" فهذا يجعل الأمر أكثر إغراء و يغري بدفع قيمة الكتاب و المغامرة بقراءته لاحقاً. فيما بعد اكتشفت أن العنوان كان فخاً متقناً بالفعل فالرواية الحقيقية لا تحمل ذات الإسم بل اسماً أكثر حيادية هو "ثمانية أشهر في شارع غزة" لكنني لسبب ما لم أشعر بالضيق لأن العنوان الذي على غلاف الترجمة لم يكن هو العنوان الأصلي، بل شعرت أن المترجمة(د. فاطمة نصر) وفقت إلى حد كبير في اختيار العنوان البديل، على الأقل لتخرج من اللبس الذي سيوحي به إسم غزة في العنوان الأصلي.
تدور أحداث الرواية في مدينة جدة في بداية الثمانينات الميلادية و تحكي قصة عائلة بريطانية (زوج و زوجة) انتقلا للإقامة فيها لإتمام مشروع بناء عملاق لإحدى الوزارات، حيث يعمل الزوج مهندساً للإنشاءات و تظل الزوجة حبيسة المنزل بلا عمل.
منذ بداية الرواية لا تتحرج هيلاري مانتل في نقل مشاعر الريبة و التوجس التي تشعر بها (فرانسيس) الزوجة و راوية الأحداث. فهي و على الرغم من اغترابها الدائم عن وطنها بريطانيا، و على الرغم من إقامتها في بلدان فقيرة في أفريقيا لعدة سنوات إلا أنها لا تشعر بالارتياح للذهاب للسعودية حيث ينبغي عليها تغطية رأسها طوال الوقت و الامتناع عن احتساء الخمر و الأسوأ من ذلك هو بقاؤها بلا عمل في المنزل حيث أن تخصصها كرسامة خرائط غير مرغوب به هناك.
تسجل الرواية بدقة و عين خبيرة تفاصيل المكان و خلفيته الجغرافية و التاريخية، و تسهب في وصف الأماكن و الشوارع و الأسواق و أحوال الطقس في جدة في تلك الفترة، كما أن النقاشات التي يديرها البريطانيون و الأجانب عموماً فيما بينهم تتناول الأحداث الساخنة في تلك الفترة بلا تحفظ فتجدهم يتحدثون عن علاقة السعودية بالولايات المتحدة في تلك الفترة و عن أعمال الشغب التي حدثت في عام ١٩٧٩ في الحرم المكي و عن الشغب الذي رافق افتتاح التلفزون و أن الملك اضطر لقتل ابن شقيقه قائد المتمردين على افتتاح التلفزون. و على الرغم من كل تلك الدقة و الوصف الحميم إلا أن المؤلفة حرصت أن تنقل لنا الإنطباع الخاص ب(فرانسيس) بطلة الرواية و الزوجة العاطلة عن العمل بأن هناك حاجزاً زجاجياً سميكاً يفصلها عن الحياة الحقيقية في جدة، و أن كل ما تراه و تسمعه هو غرائبي و غير منطقي و مزيف بشكل ما.
كانت أزمة فرانسيس الحقيقية في جدة أنها لم تستطع أن تلمس شيئاً حقيقياً في حياتها الجديدة. فكل ما تعرفه عن طريق نصائح الغربيين الآخرين يبدو لها متناقضاً و متحيزاً إلى حد كبير، لكن محاولاتها البحث عن واقع حقيقي كانت تبوء بفشل متكرر أيضاً. فالصحيفة الوحيدة المتاحة لها هي (السعودي جازيت) و هي أقرب ما تكون إلى صحيفة البرافدا السوفيتية التي لا تنشر إلا الأخبار الزاهية أو البورباجندا الفجة عن البلد و تصور كل ما يجري من أحداث بأنه مؤامرة على الإسلام و المسلمين.
ترفض فرانسيس السكن في مجمع مغلق خاص بالأجانب نفوراً من بعض زملاء زوجها و تفضل السكن في عمارة مكونة من أربع شقق يجاورها فيها ياسمين الباكاستانية المسلمة و زوجها الذي يعمل في مكتب الأمير و في الدور العلوي تسكن سميرة السعودية و زوجها عبدالناصر الذي لا يتحدث مع أحد و يعمل في وزارة ما لا تعرفها. و هناك تلك الشقة المغلقة التي تدور حولها الإشاعات بأن أحد أقارب الوزير يستخدمها في لقاءات حميمة مع عشيقة سرية له.
تحاول ياسمين إقناع فرانسيس باعتناق الإسلام و تهديها ترجمة لمعاني القرآن الكريم و تحاول أن تبرر لها بعض الممارسات التي تحدث باسم الدين و بأن الإعلام هو من يتجنى على الإسلام و تقارن بمبالغة تراها فرانسيس مضحكة بين الفساد الحاصل في الغرب و الاستقامة الموجودة في جدة!
ياسمين تبدو عصبية على الدوام و كأن هناك ما يقلقها ولا تجرؤ على البوح به و على النقيض منها كانت سميرة الزوجة السعودية، فلم تجد فيها فرانسيس على الرغم من اتقانها الانجليزية إلا شخصية سطحية تعشق المسلسلات واقتناء الملابس الفاخرة، و على الرغم من ذلك نجد أن فرانسيس في مذكراتها التي تكتبها تبدي تعاطفاً واضحاً مع معظم الشخصيات النسائية التي تقابلها في الرواية و تتخذ موقفاً صارماً و حدياً من معظم الشخصيات الرجالية خصوصاً التي تنتقد المجتمع المحلي و تبدي نحوة ميولاً عنصرية بل و تغضب و تغادر إحدى حفلات الكريسماس لأن صديقاً لزوجها تمادى في شتيمة عنصرية لسكان البناية
لكن ذلك الموقف الناقد لتفكير الغربيين المقيمين في جدة لا يقابله تعاطف عام مع سكانها السعوديين، بل معاناه مستمرة في محاولة لكشف الأقنعة للوصول للهوية الحقيقية للناس، للتواصل مع مجتمع حقيقي دون جدوى، تتحول تلك المعاناة لاحقاً إلى أزمة نفسية تعيشها البطلة خصوصاً مع تسارع الأحداث و ازدياد كثافة الغموض الذي يحيط بها فياسمين صديقتها الوحيدة تبدأ في الغياب لفترات طويلة و لا تخبرها عن الذي تفعله إلا بعبارات غامضة، و تلمحها مختبئة في سطح البناية دون مبرر، كما تبدأ في ملاحظة تحركات مريبة في شقة الغرام السري و التي يتضح لاحقاً أنها ليست كذلك و أن كل ما راج عنها مجرد غطاء لشيء أكثر غموضاً لم تستطع كشفه حتى رحيلها.
تنتهي الرواية نهاية دموية عندما يتعرض (فيرفاكس) ضيف فرانسيس وزوجها القادم من الوطن في زيارة عمل قصيرة و لمحة الضوء الصريحة و المنفتحة الوحيدة في وسط غابة الشخصيات التي شوهتها النقود و العنصرية من حولها يتعرض لحادث غامض يؤدي إلى وفاته في صبيحة اليوم الذي تلى عشاء هادئاً في منزلهم و تشك فرانسيس في أن سبب وفاته ملاحظة أبداها بخصوص شيء غامض لاحظة في الشقة العلوية عندما خرج في منتصف الليل بحثاً عن هواء نقي.
و تزيد الأحداث غموضاً و دموية عندما يتعرض زوج ياسمين مرافق الأمير لإطلاق نار في ذات الفندق الذي سكنه فيرفاكس البريطاني القتيل و تثور الشائعات بأنه كان برفقة ضابط كبير في حين يؤكد آخرون أنه برفقة عملاء شيعة!
و تشاهد فراسيس عبر نافذة السيارة ياسمين و هي تركب سيارة أخرى برفقة عبدالناصر زوج سميرة الصامت دائماً و برفقتهما شخص ثالث لمحته فرانسيس يدخل العمارة أكثر من مرة بصفته عامل بناء!
مالذي يحدث بالفعل؟
هل هذه جرائم عنف عادية؟
هل هي غطاء لأحداث كبرى لا يعرفها أحد؟
هل ياسمين بريئة أم متآمرة؟
هل هي متدينة أم جامحة؟
لا تعطينا الرواية أية إجابة
و السبب هو أن المدينة كلها متآمرة لإخفاء الحقيقة
المدينة ذات السماء الصافية و الأجواء الحارة تنقلب فجأة لترعد و تمطر بغزارة تغرق البيوت و تسد الشوارع وكأنها تعطي إنذاراً لفرانسيس بأن تتوقف عن محاولتها كشف المستور و رفع الحجب
كأنها تخبرها أن فترة الضيافة انتهت و أن عليها الرحيل قبل أن يزداد غضب هذه المدينة الملتبسة
و هو ما تفعله بالفعل فتغادر و في قلبها و عقلها الكثير من الذكريات المنهكة التي تعلم يقيناً أنها لن تشفى منها قريباً وربما لا تشفى أبداً